A woman reacts in a mosque in Tunis, Friday, June 5, 2020. Tunisia reopened mosques for prayers Thursday after nearly a three…
تونسية في أحد المساجد بعد قرار الحكومة إعادة فتحها أمام الزوار

في ظل عملية انتقالية ديمقراطية هشة ونزاع مستمر منخفض الحدة إنما دموي ضد الجماعات الإرهابية، لا تزال تونس تعاين آثار جائحة "كوفيد-19" وتداعياتها على البلاد. فقد أصاب الوباء تونس في زمن تتخبط فيه البلاد في صراع سياسي وتقلّب اقتصادي. إلا أن طريقة تعامل الحكومة مع الوباء تسلّط الضوء على القيود التي تعيق عمل هذه الحكومة، وتُظهر في الوقت عينه مؤشرات على العودة إلى سياسات التي كانت متبعة عندما كان الديكتاتور بن علي في السلطة.

ما بين الإنكار والقمع

كان أول رد فعل رسمي على الأخبار المقلقة القادمة من الصين وأوروبا هو الإنكار التام والتقليل من خطورة التهديد، وهو ما يذكرنا بطريقة تجاوب الحكومة مع الأزمات السابقة، كالهجوم الإرهابي على كنيس الغريبة عام 2002 أو تحطّم طائرة الرحلة رقم 1153 التابعة للخطوط التونسية الداخلية ("تونينتر") عام 2005. وفي أوائل فبراير، وعلى الرغم من الدعوات العديدة لضبط الزوار ومراقبتهم، تباطأت الحكومة التونسية في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.

مع الإعلان عن أول حالة رسمية في 2 مارس، لم يتم الإعلان عن قيود السفر إلى إيطاليا ـ وهي نقطة الأصل المشتبه فيها للحالات الأولى ـ إلا بعد بأسبوع. مع ذلك، حاولت السلطات المحلية إبقاء أهم خطوط النقل مفتوحة، خصوصا مع فرنسا وليبيا، فيما عزا المعلّقون وجود بؤرة للوباء في ولاية قبلي الجنوبية إلى أنشطة التهريب في تلك المنطقة بين ليبيا وتونس والجزائر.

استخدمت الحكومة البيانات الشخصية الخاصة بالهواتف المحمولة خلال فترة تفشّي الوباء، ما أثار مخاوف حقيقية حول المنحى الاستبدادي الذي تنحرف نحوه تونس

ولم يتبلور رد فعل الحكومة فعليا إلا في منتصف مارس. ومع أن المؤتمرات الصحفية اليومية أبقت التونسيين على اطلاع أفضل، إلا أن السياسات المنفَّذة عكست سياسات النظام القائم ما قبل العام 2011. وعلى الرغم من وجود "اللجنة الوطنية لمكافحة الكوارث" ذات الطابع المؤسسي، كانت الوزارات تعمل بشكل منفصل في ظل نقص خطير في التنسيق وفي غياب مقر للعمليات أو نظام معلومات وطني لحالات الطوارئ. كما وأصدرت الحكومة أوامر مدنية متناقضة أدت إلى حالة من الارتباك وغالبا إلى الفوضى.

وأفضل مثال على ذلك هو الإعلان عن برنامج المساعدات المالية الذي أجبر آلاف المواطنين على الذهاب إلى مكاتب البريد المحلية بالرغم من الإعلان السابق عن تدابير التباعد الاجتماعي وحظر التجول. وفي أعقاب تلك المرحلة، أدلى وزير الصحة ببيان عاطفي زعم فيه أن كل المكاسب التي حققتها جهود وزارته ذهبت سدى. علاوة على ذلك، كشف الوباء عن أجواء توتر داخل فريق مستشاري الرئيس، حيث تكهّنت الصحف المحلية أن مستشار الأمن القومي الجنرال الحامدي استقال بسبب تعرضه للضغوط من قِبل مديرة الديوان الرئاسي.

في الوقت نفسه، اتخذت الشرطة سلسلة من التدابير القمعية التي قيّدت السفر وفرضت غرامات جديدة بدون تقديم خدمات ملائمة أو إجراءات واضحة للشعب. واعتبر كثيرون أن جهود الشرطة هذه تستهدف الحقوق الفردية لا بل حتى حرية التعبير، مع الإشارة إلى أن هذه الإجراءات كانت ملحوظة في السلطة التشريعية أيضا، حيث قدّم النائب م. كرشيد مشروع قانون مُصاغ بتعابير مبهمة ويرمي إلى فرض قيود تعسفية على المدوّنين ووسائل الإعلام المحلية، إنما تم سحبه بسبب رد الفعل العنيف من منظمات المجتمع المدني.

في المقابل، أضاء السرد الرسمي للأحداث على أدوات المراقبة المكتسبة حديثا مثل روبوت الدورية المحلي الصنع أو الطائرات الصينية بدون طيار التي ستُستخدم لا لمراقبة فحسب بل أيضا الأفراد العسكريين داخل ثكناتهم أيضا، وذلك وفق ما جاء على لسان وزير الصحة التونسي. كما أعلن رئيس الوزراء الفخفاخ، الذي استقبل وفدا خاصا من البرلمان، أن الحكومة استخدمت البيانات الشخصية الخاصة بالهواتف المحمولة خلال فترة تفشّي الوباء، ما أثار مخاوف حقيقية حول المنحى الاستبدادي الذي تنحرف نحوه تونس.

في غضون ذلك، ساهمت وسائل الإعلام الحكومية في تضخيم الصحافة العامة للسردية الصينية عن الفيروس، حيث كرّر عدد من الوسائل الإعلامية الرواية الصينية المتداولة عن نظريات المؤامرة المعقدة بناء على معلومات متضاربة لم يتم التحقق منها، وعملت الصحافة في تونس على تصوير جمهورية الصين الشعبية بأنها منقذ العالم في حين اتهمت الولايات المتحدة بتصنيع الفيروس وسرقة الإمدادات الطبية المخصصة لتونس. لكن منظمات المجتمع المدني المحلية اعترضت على هذه الرواية من خلال عدة خطوات، منها إنشاء موقع إلكتروني يسمى "فالصو" ("Falso") ومصمم لمحاربة الأخبار المزيفة.

الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها تونس

واليوم، تواجه الحكومة التونسية مهمة صعبة تتمثل في وضع استجابة فعالة إزاء هبوط المؤشرات الاقتصادية في أعقاب استجابتها للوباء العالمي إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي لتونس بنسبة 28 في المئة منذ عام 2014، بينما تراجعت قيمة العملة الوطنية (الدينار التونسي) وارتفعت معدلات البطالة في البلاد.

ساهمت تلك الأزمات أيضا في بروز صراع شامل بين حزب النهضة وحلفائه والرئيس سعيد، الذي أكد على ضرورة تغيير النظام السياسي بشكل كبير

تم تمويل الجهود الرسمية بشكل رئيسي من خلال خفض رواتب موظفي القطاع العام، علما بأن هذه الاقتطاعات سبق وساهمت في تغذية غالبية الإيرادات الضريبية التي تشكل الجزء الأكبر من ميزانية الدولة. وأصدرت السلطات أيضا دعوة في البلاد كلها للتبرع لصندوق تم إنشاؤه حديثا بهدف تقديم رعاية صحية وإجراءات مرتجلة، مع أن الصحفيين المحليين لفتوا إلى احتمال أن يعاني الصندوق من إدارة غامضة على غرار "الصندوق الوطني للتضامن 26 ـ 26" القديم الذي أنشأه الرئيس السابق بن علي والمصمم رسميا لمكافحة الفقر في تونس.

في الوقت نفسه، أدّت الصعوبات الاقتصادية إلى عدم إعطاء الأولوية لنظام الرعاية الصحية، بحيث انخفضت ميزانية وزارة الصحة بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، وأصبحت إدارة العديد من المستشفيات العامة، بحكم الأمر الواقع، في يد النقابات العمالية التي تعطي الأولوية للمطالب السياسية والفئوية في تجاهل تام لقرارات الحكومة التي عجزت حتى على تنفيذ قراراتها في المؤسسات الصحية الرئيسية. وهناك 24 مستشفى تعليميا (أي مستشفى جامعي) و90 مصحة خاصة تتركز في المدن الساحلية، ما يترك غالبية السكان بدون تغطية صحية.

مع بدء موجة ثانية من الإصابات التي قد تضرب المنطقة، ينبغي على تونس أن تواجه إخفاقات استجابتها للموجة الأولى وللتداعيات الاقتصادية التي تشل البلاد. وقد تحولت أزمة الرعاية الصحية هذه إلى أزمة سياسية واجتماعية كشفت عن وجود نظام سياسي مضطرب، حيث يواجه غالبية التونسيين الآن ظروفا محفوفة بالمخاطر. 

ساهمت تلك الأزمات أيضا في بروز صراع شامل بين حزب النهضة وحلفائه والرئيس سعيد، الذي أكد على ضرورة تغيير النظام السياسي بشكل كبير. وحتى يتم تنفيذ الإصلاحات، فمن الواضح أن يستمر الأداء السيئ للحكومة في إدارة الأزمات المستقبلية، وذلك في الوقت الذي تستمر فيه معاناة الشعب التونسي.

المصدر: منتدى فكرة

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.