Tel Aviv City Hall is lit up with the flags of the United Arab Emirates and Israel as the countries announced they would be…
إضاءة مبنى بلدية تل أبيب بالعلم الإماراتي

ليس أمرا بسيطا أن تعلن دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقا يفتح العلاقات رسميا وينهي حالة العداء مع إسرائيل بعد موافقة الأخيرة على تجميد خطط الضم للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغور الأردن.

من يُتابع تطورات العامين الأخيرين على مستوى الخطاب الإماراتي، لم يتفاجأ بالخطوة الثلاثية بين الإمارات وإسرائيل وأميركا والتي يسهلها طبعا عدم وجود نزاع جغرافي وحدودي بين الجانبين. لكن إقدام الإمارات على هكذا خطوة وفي هذا التوقيت، ينسجم مع مقاربة مختلفة لأزمات المنطقة والتهديدات الاستراتيجية وطبقا لهذه الخطوط:

1  ـ هناك قناعة إماراتية بأن أسلوب المواجهة العسكرية ضد إسرائيل فشل بشكل ذريع منذ العام 1948 وكلف الجانب الفلسطيني خسارة فوق خسارة جعلت مما تبقى من أراضيه شريحة "جبنة سويسرية" كما وصفها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش.

هذه القناعة عبر عنها وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش منذ عامين، وأعادها في يونيو الماضي في حوار مع اللجنة اليهودية الأميركية في واشنطن. النظرة الإماراتية تعتبر أن عسكرة النزاع زادت من التطرف من دون أن تعيد للفلسطينيين حقوقهم وأراضيهم، فيما المفاوضات التي قادتها مصر والأردن أعادت سيناء ومنحت عمان ضمانات أمنية وسياسية بعد اتفاق 1994. وعليه ترى أبوظبي أن أسلوب التفاوض مع الجانب الإسرائيلي قد ينجح حيث فشل الاقتتال، والدليل بنظرها هو تجميد إسرائيل خطة الضم بعد الضغط الإماراتي العلني وحتى من خلال صحيفة عبرية في مقال الوزير والسفير إلى واشنطن يوسف العتيبة.

هناك قناعة إماراتية بأن أسلوب المواجهة العسكرية ضد إسرائيل فشل بشكل ذريع منذ العام 1948 وكلف الجانب الفلسطيني خسارة فوق خسارة

2 ـ تبدل المعطيات الإقليمية: الصورة الجيوسياسية تغيرت إقليميا وداخل الإمارات التي شهدت داخليا نهوضا اقتصاديا وتكنولوجيا وأمنيا ما جعلها لاعبا إقليميا في العقدين الأخيرين. في هذا الملعب، التهديدات للإمارات ليست من النزاع العربي ـ الإسرائيلي بل من قبل قوى إقليمية لا تشاطر الإمارات رؤيتها ضد الإسلام السياسي. وتجلس تركيا على رأس هذه القوى اليوم، وهي التي يمتد نفوذها الإقليمي من طرابلس لبنان إلى طرابلس الغرب في ليبيا.

هناك أيضا إيران الداعمة لمجموعات وميليشيات تهدد استقرار الخليج وتتبنى مبدأ الإسلام السياسي. طهران تشكل أيضا تهديدا أمنيا مباشرا للخليج بعد اعتداءات العام الفائت والتي طالت مرفأ الفجيرة ومصافي النفط في السعودية.

كل هذا غير بوصلة الإمارات الإقليمية وفتح الباب أمام تعاون أمني ودفاعي وتكنولوجي مع إسرائيل من دون التنازل عن حق الفلسطينيين ورؤية حل الدولتين.

3 ـ الصورة الداخلية بين الإسرائيليين والفلسطينيين والفشل المتكرر في الوصول لحل، إلى جانب العلاقة المتردية بين الإمارات والسلطة ورفض القيادة الفلسطينية مرتين المساعدات الإماراتية عبر إسرائيل، ساهم أيضا في الوصول للاتفاق الثلاثي من دون إبلاغ المسؤولين الفلسطينيين في رام الله.

4 ـ الصورة الأميركية وأهمية هكذا اتفاق بالنسبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة. فالترحيب جاء من الرئيس دونالد ترامب كما من منافسه جوزيف بايدن وأعضاء في الكونغرس من الحزبين.

الاتفاق الإسرائيلي ـ الإماراتي هو منعطف من خلال المقاربة الإقليمية للنزاع مع إسرائيل لكن هو أيضا نتاج متوقع لانتكاسات وتحولات جمة في الداخل الفلسطيني والإسرائيلي وفي الخليج

هكذا واقع يفتح الباب بشكلٍ أوسع أمام الإمارات في العاصمة الأميركية كما فتح الباب أمام أنور السادات والملك حسين بن طلال ومهد الطريق لضمانات ومساعدات أمنية واقتصادية من واشنطن للجانبين.

الإمارات ليست بحاجة اليوم إلى مساعدات اقتصادية بل تعتمد سياسية الانفتاح مع معظم القوى الدولية بينهم أميركا وفرنسا وروسيا والصين. هذا الاتفاق لا يؤذي أي من هذه العلاقات لا بل يعزز معظمها.

المسؤولون الأميركيون يتوقعون أن تلحق دولا عربية أخرى خطوة الإمارات بفتح علاقات رسمية مع إسرائيل. إنما حتى من دون ذلك، فإن الاستراتيجية الإماراتية تستند اليوم إلى مقاربة مختلفة للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وتبدل التهديدات الإقليمية عما كانت عليه في 1967 وبناء تحالفات دولية من خلال رؤية مغايرة لأزمات المنطقة.

الاتفاق الإسرائيلي ـ الإماراتي هو منعطف من خلال المقاربة الإقليمية للنزاع مع إسرائيل لكن هو أيضا نتاج متوقع لانتكاسات وتحولات جمة في الداخل الفلسطيني والإسرائيلي وفي الخليج.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.