قبل 75 عاما تأسست منظمة الأمم المتحدة بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين، والدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحوكمة السياسية الرشيدة والتنمية البشرية والاقتصادية، وتنظيم مساعدات إنسانية في حالات الكوارث والصراعات والأوبئة، وحماية الطفولة والمساواة بين الجنسين وقضايا أخرى كثيرة.
يتكون جهازها الرئيسي من الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومحكمة العدل الدولية، وفي عضوية الأمم المتحدة اليوم 193 دولة يشكّلون الجمعية العامة على قاعدة التمثيل المتساوي لكل دولة صوت بغض النظر عن حجمها، ولذلك أصبح لمجموعة دول صغيرة تشكّل خمسة في المئة من سكان العالم ثلثي أصوات الجمعية العامة وبإمكانهم بالتالي تحديد جدول أعمالها وتوجّهاتها.
وبحسب مؤشّر الديمقراطية هناك في الأمم المتحدة 19 دولة ديمقراطية، و55 دولة بنظام ديمقراطي ناقص، أمّا الدول المئة وتسعة عشر المتبقية فهي أنظمة تسلّطية أو شبه تسلطية، وعددها هذا سمح لها بالتحكم بالجمعية العامة، ولذلك انتخبت هذه الجمعية دولا مثل روسيا والصين وكوبا وفنزويلا ودولا مشابهة لها في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رغم أن هذه الدول لا تقيم أي وزن لحقوق الإنسان.
كما تم إنشاء مجلس الأمن ليكون بمثابة حكومة عالمية لها سلطة ملزمة، بخمس أعضاء دائمين هم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا ويتمتع كل منهم بحق "الفيتو" أي الاعتراض على أي قرار في المجلس، مع أعضاء غير دائمين يستبدلون كل سنتين يقتصر دورهم على إلقاء الخطابات، ولكن بريطانيا وفرنسا لم تعد تلك القوى العظمى فقد تجاوزتهما اقتصاديا الهند واليابان وألمانيا وهناك البرازيل على الطريق، أي لم يعد هناك مبرر لاستئثارهما بحق الفيتو.
الأمم المتحدة هي المانح الأكبر لنظام الأسد وليس روسيا وإيران لأنها قدمت 30 مليار دولار بين عامي 2011 و2018 باسم المساعدات الإنسانية والتي انتهى أغلبها في جيب النظام
ولكن الأكثر أهمية أن الأنظمة الحاكمة في روسيا والصين ديكتاتورية وتتخذ قراراتها ضمن مفهومها للصراعات الدولية، وخاصة روسيا التي استخدمت مع سلفها الاتحاد السوفيتي الفيتو 115 مرة حتى نهاية عام 2019 كثير منها كان سببه المناكفات السياسية، مقابل 140 مرة استخدم فيها بقية الأعضاء مجتمعين حق الفيتو.
كما أن روسيا والصين لا تراعيان في مواقفهما الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، مما أصاب المنظمة الدولية بالشلل وأعاقها عن تقديم حلول للمشاكل الدولية، وكان آخر الأمثلة على هذه الممارسات المأساة السورية التي استخدمت فيها روسيا الفيتو 14 مرّة لحماية نظام بشار الأسد ومنع إدانة ما ارتكبه من جرائم.
والتكلفة المالية لهذه المنظمة كبيرة. فالميزانية السنوية للجهاز الرئيسي للأمم المتحدة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، تدفع منها الولايات المتحدة 22 في المئة، وهناك ميزانية خاصة لعمليات حفظ السلام كانت في عام 2018 بحدود 6.7 مليار دولار، تدفع الولايات المتحدة 28.5 بالمئة منها. أما منظمة الصحة العالمية فبلغت ميزانيتها 4.4 مليار دولار في عام 2020، تقدم الولايات المتحدة 15 في المئة منها ومؤسسة بيل غيتس 10 في المئة، والتحالف العالمي للقاحات 8.4 في المئة، وبعدهما بريطانيا وألمانيا ثم تأتي أربع منظمات مانحة تليها اليابان، بينما لا تقدم الصين التي تحابيها قيادة المنظمة سوى واحد في المئة. وبلغت ميزانية منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) 2.6 مليار دولار في عام 2019، ومنظمة الطفولة اليونيسيف كانت مواردها عام 2011 بحدود 8.2 مليار دولار، ثلثي واردات هاتين المنظمتين من الحكومات والباقي يأتي من التبرعات.
ويعمل في الأمم المتحدة أربعون ألف موظف لهم رواتب عالية يضاف لها في كثير من الأحيان تعويضات سكن وطبابة وتكاليف سفر وإقامة في ظروف لا تنقصها الرفاهية، مما يستنفذ قسما كبيرا من ميزانيتها. وهناك تقارير عديدة تحدثت عن استشراء الفساد في هذه المنظمة الدولية، ففي تقرير للأسيوشيتد برس أن عدة عاملين في مجال الإغاثة التابعة للأمم المتحدة في اليمن اتهموا بالكسب غير المشروع والإثراء عبر الإتجار بالمواد الغذائية والأدوية والوقود، وإساءة ائتمان أموال التبرعات الدولية التي بلغت 2.6 مليار دولار عام 2019 و2.1 مليار عام 2018. وقالت الوكالة إنها حصلت على وثائق التحقيق الداخلية للأمم المتحدة وقابلت عدّة عمال إغاثة ومسؤولين حكوميين سابقين، وتبيّن أن الاتهامات شملت توظيف أشخاص غير مؤهلين برواتب عالية، وإبرام عشرات العقود المشبوهة دون مستندات مناسبة، بالإضافة إلى فقدان أطنان من الأدوية والوقود المتبرع بهما، بما يشكل تهديدا لشريان الحياة الذي يعتمد عليه 30 مليون إنسان في اليمن.
كما شملت التحقيقات مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن، ووجد تقرير التحقيق أن الضوابط المالية والإدارية "غير مرضية" وأن عقودا تمّ إبرامها بدون منافسة، مع نقص في الرقابة على المشتريات، واشتكى موظفون بأن مكتب المنظمة يعج بالمحسوبية ويتم ترقية موظفين غير مؤهلين إلى مراتب عالية برواتب مرتفعة مما يقوّض نوعية العمل ويفتح الباب للفساد. ونتيجة غياب الخدمات المصرفية عن الكثير من مناطق اليمن تم السماح بتحويل أموال المساعدات إلى حسابات الموظفين لتسريع عمليات شراء السلع والحاجيات وسط الأزمة، ووصلت هذه التحويلات أحيانا إلى مليون دولار ولكن في كثير من الحالات لم يتّضح كيف أنفق الموظفون هذا المال!
وقالت صحيفة الغارديان عام 2016 إن الأمم المتحدة منحت في سوريا عقودا بعشرات ملايين الدولارات لأفراد ومنظمات قريبة من الأسد، فهناك وكالتين في الأمم المتحدة شريكتين لمنظمة "سيريا تراست تشاريتي" التي تترأسها أسماء الأسد، كما صرفت خمسة ملايين دولار لبنك الدم التابع لوزارة الدفاع، ودفعت منظمة اليونيسيف مساعدات لجمعية البستان التي كان يديرها رامي مخلوف، وفي المحصلة قالت مجلة فورين أفيرز الأميركية إن الأمم المتحدة هي المانح الأكبر لنظام الأسد وليس روسيا وإيران لأنها قدمت 30 مليار دولار بين عامي 2011 و2018 باسم المساعدات الإنسانية والتي انتهى أغلبها في جيب النظام.
منظمة الأمم المتحدة بتركيبتها الحالية مشلولة سياسيا وضارّة أخلاقيا وإنسانيا لأنها تمنح غطاء شرعيا لأنظمة ديكتاتورية
وفي عام 2016 نقلت وكالة رويترز تقريرا سريا من 21 صفحة أظهر "قبول رئيس الجمعية العامة 1.3 مليون دولار من رجال أعمال صينيين، مع اتهامات بقبض رشاوى من قبل موظفين آخرين"، وقبل ذلك كانت هناك فضيحة النفط مقابل الغذاء في العراق عندما كان كبار الموظفين الأمميين يعطون عقود الغذاء والدواء لمن يدفع أكثر، وهناك أكثر من 13 فضيحة اعتداءات جنسية لجنود حفظ السلام "أصحاب القبعات الزرقاء" الذين يتمتعون بحصانة تمنع محاكمتهم خارج بلدهم الأم.
وفي العام الحالي قالت مجلة شتيرن الألمانية في تحقيق موسّع إن موظفين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أفريقيا كانوا يقدمون وثائق وتقارير طبية مزورة مقابل 2500 دولار يدرجون فيها أسماء أشخاص ضمن قوائم إعادة التوطين في الدول الغربية ليحلّوا مكان لاجئين لديهم الشروط المطلوبة لإعادة التوطين لكنهم لا يملكون المال.
وفي المحصلة فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن منظمة الأمم المتحدة بتركيبتها الحالية مشلولة سياسيا وضارّة أخلاقيا وإنسانيا لأنها تمنح غطاء شرعيا لأنظمة ديكتاتورية عندما تقبلها في عضويتها وتمنح مندوبيها منبرا يرددون فيه أكاذيبهم بلا خجل، ولم يبق من فائدة لإنفاق المزيد من الأموال على هذه المنظمة التي ينخرها الفساد والهدر مع غياب آلية جديّة للمحاسبة.
المشكلة أن عملية إصلاح المنظمة ليست بالأمر السهل، لأن ميثاقها يشترط لإقرار أي تعديل على آلية عملها موافقة الدول الخمس التي تملك حق الفيتو، لذلك يبدو من الأجدى حلّ هذه المنظمة وإنشاء هيئة بديلة عنها لا يتمكن من دخولها إلا الدول التي تتحقق فيها معايير مقبولة من الديمقراطية والحكم الرشيد دون أن تستحوذ أي دولة على حق الفيتو في قضايا حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية، ومثل هذه الخطوة ليست مستحيلة ولدى الولايات المتحدة القدرة على اتخاذها، وممارسات الأمم المتحدة وبعض الدول ضمنها هي التي تدفع باتجاه مثل هذا القرار.

