Abu Dhabi's Crown Prince Mohammed bin Zayed (L) shakes hands with Chinese President Xi Jinping after witnessed a signing…

فلنسمه "توافق الصين" الجديد.

خلال الجزء الأكبر من العقدين الماضيين، انخرط صناع السياسة في واشنطن في نقاش ساخن حول أفضل السبل للتعامل مع جمهورية الصين الشعبية. كان الرأي السائد، على الرغم من أنه لم ينل إجماعا، هو الذي عبر عنه نائب وزير الخارجية حينها روبرت زوليك في عام 2005، وخلاصته أنه من الممكن تحويل الصين إلى "صاحب مصلحة مسؤول" من خلال المشاركة الاقتصادية والسياسية العميقة. على مدى العقد ونصف العقد الماضي، مهد هذا الاعتقاد الطريق أمام الإدارات الأميركية المتعاقبة لدعم عضوية الصين في عدد من المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، وإزالة الحواجز أمام توسيع التجارة معها، والسعي لتوسيع الاتصالات السياسية مع بكين.

على النقيض من ذلك، كانت لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظرة أكثر تشكيكا بالصين. خلال حملته الانتخابية، شجب المرشح ترامب مرارا وتكرارا ما اعتبره الممارسات التجارية المفترسة التي تمارسها جمهورية الصين الشعبية، والتي يتم تنفيذها على حساب العمال الأميركيين. لكن القلق الأساسي كان أوسع نطاقا؛ بكين كانت تستغل النظام العالمي الليبرالي لتخريب المبادئ الديمقراطية والتغلب على واشنطن على المسرح العالمي.

وقد تحولت هذه الرؤية إلى سياسة رسمية. إن كل وثيقة استراتيجية صدرت من قبل الإدارة الحالية خلال فترة ولايتها، وأهمها استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 والاستراتيجية العسكرية الوطنية لعام 2018، وهي الحاجة إلى التركيز المتجدد على "التنافس بين القوى العظمى" مع الصين (وكذلك مع روسيا).

يوجد اليوم إجماع متزايد من الحزبين في الكونغرس الأميركي بشأن الحاجة إلى محاسبة الصين على سلوكها الدولي

ومع ذلك، حتى وقت قريب، كان من الإنصاف القول إن هذه كانت وجهة نظر الأقلية. اعتبارا من عام 2018، شارك أقل من نصف الأميركيين وجهة نظر الإدارة غير المواتية للصين. ومع ذلك، على مدى العامين الماضيين، ساعدت مجموعة من القضايا، من التوترات التجارية المستمرة إلى الوعي المتزايد بإساءة المعاملة المنهجية لأقلية الأويغور على يد الحكومة الصينية، على تغيير آراء الجمهور الأميركي بشأن الحزب الشيوعي الحاكم في الصين. في الأسابيع الأخيرة، تضاعف هذا الاستياء من خلال الفهم العام المتزايد لنطاق الازدواجية الرسمية في الصين والمكائد السياسية المحيطة بوباء الفيروس التاجي (فيروس كورونا).

تم التقاط النتائج بوضوح في استطلاع أجري في أواخر أبريل بواسطة مركز بيو للأبحاث. وجدت الدراسة أن ثلثي (66 في المئة) من أصل 1000 أميركي تم استطلاع آراءهم لديهم رأي سلبي من جمهورية الصين الشعبية. ما يقرب من نفس العدد ممن شملهم الاستطلاع (62 في المئة) اعتبروا القوة والنفوذ الصينيين "تهديدا كبيرا".

وقد تردد هذا الشعور في الكابيتول هيل، حيث يوجد اليوم إجماعا متزايدا من الحزبين في الكونغرس الأميركي بشأن الحاجة إلى محاسبة الصين على سلوكها الدولي، خاصة بسبب أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد، ولكن على نطاق أوسع أيضا.

بينما تتجه الولايات المتحدة نحو موقف تصادمي أكثر تجاه الصين، سيصعب حتما على الدول الإقليمية تجنب التورط في المنافسة الجيوسياسية التي تتكشف بين واشنطن وبكين

وكل ذلك سيكون له تداعيات على انخراط أميركا في الشرق الأوسط. تاريخيا، حاول حلفاء الولايات المتحدة الابتعاد عن المواجهة التي تتكشف بين الولايات المتحدة والصين، واعتبروها مسألة ثنائية بين بكين وواشنطن.

سعت المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، إلى تعزيز علاقاتها مع إدارة ترامب بينما تعمل في الوقت نفسه على إنجاز توسع هائل للتجارة مع الصين. أصبحت الإمارات الشريك الاقتصادي الرئيسي لبكين في المنطقة، حتى مع بروزها كداعم رئيسي لصفقة إدارة ترامب للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. واستغلت إسرائيل، على الرغم من علاقاتها الدافئة مع البيت الأبيض في عهد ترامب، مكانتها كـ "دولة ناشئة" لجذب استثمارات صينية ضخمة على مدى نصف العقد الماضي، وهو ما أثار استياء المسؤولين في واشنطن. والقائمة تطول.

ولكن هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن هذا النوع من التوازن لن يستمر لفترة أطول. مع استمرار تفشي جائحة فيروس كورونا، تتحول الصين إلى قضية سياسية مهمة في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة. علاوة على ذلك، من المرجح أن تستمر الصين بهذه الأهمية لفترة طويلة بعد نوفمبر. من الواضح بالفعل أن التوافق الناشئ بشأن الحاجة إلى التنافس مع الصين سيساعد في تحديد السياسة الخارجية الأميركية في المستقبل المنظور، بغض النظر عمن سينتهي به الأمر للإقامة في البيت الأبيض.

وهذا، بدوره، سيكون أمرا ذا أهمية كبيرة لبلدان الشرق الأوسط. فبينما تتجه الولايات المتحدة نحو موقف تصادمي أكثر تجاه الصين، سيصعب حتما على الدول الإقليمية تجنب التورط في المنافسة الجيوسياسية التي تتكشف بين واشنطن وبكين.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.