أما وقد وصلت أرقام فيروس كورونا (فيروس كوفيد 19) في الولايات المتحدة إلى ما فوق الـ 82 ألف حالة لتتصدر بذلك أميركا باقي الدول بينهم الصين، فالمنافسة بين العملاقين ستحتد دوليا وستحشر الوباء في عمق السجال السياسي والعسكري والاقتصادي الدائر بينهما.
أولا في الأرقام الأخيرة المتوالية من الولايات المتحدة ما يثير القلق ليس فقط تلكؤ إدارة الرئيس الأميركي ترامب وعدم القيام بالاستعدادات اللازمة بداية العام للحد من وطأة الانتشار، بل أيضا مع استمرار التخبط والضغط على القطاع الصحي الأميركي. ففي يناير الفائت خرج وزير التجارة الأميركي ويلبر روس ليقول عبر شبكة "فوكس نيوز" إن فيروس كورونا رغم سيئاته ووقعه على الصين فهو قد ينفع الولايات المتحدة اقتصاديا من خلال إمكانية انتقال الشركات من آسيا إلى شمال القارة الأميركية.
إدارة ترامب أيضا تجاهلت التحذيرات من مركز الحد من الأمراض ومن الاستخبارات التي توقعت أن يتحول المرض إلى وباء في بداية العام. اليوم، الحكومة الأميركية تدفع ثمن هذه الأخطاء مع انتشار الوباء في خمسين ولاية، مضاعفة أرقام العاطلين عن العمل، وإجبار الكونغرس للتدخل بإقرار حزمة حجمها 2 تريليون وهي الأكبر في التاريخ الأميركي لتفادي انهيار اقتصادي.
الفشل بين مجموعة السبعة يعكس نجاح الصين أولا بالتودد إلى الأوروبيين
لم يصل فيروس كورونا في أميركا مرحلة الذروة بعد والأرقام ستتزايد وقد تقارب نصف مليون مع انتهاء الشهر المقبل مع تزايد عدد الفحوص وإنشاء مستشفيات نقالة في ولايات نيويورك وكاليفورنيا وغيرها حيث الأرقام تتزايد والمستشفيات الحالية غير قادرة على استيعاب المرضى.
إنما المرض دخل فعليا إلى الحلبة الجيوسياسية للمنافسة بين الصين وأميركا في شكل سيغير صورة العلاقات الدولية في عالم ما بعد كورونا.
فشل مجموعة الدول السبعة في استصدار بيان هذا الأسبوع بعد اللقاء "الافتراضي" جاء وبحسب "دير شبيغل" بعد إصرار واشنطن على تسمية كورونا بـ"فيروس ووهان" أي المنطقة التي بدأ فيها المرض. اعترض الأوروبيون ومعهم كندا، وتعنت الجانب الأميركي وبذلك انتهى الاجتماع من دون بيان.
الفشل بين مجموعة السبعة يعكس نجاح الصين أولا بالتودد إلى الأوروبيين بعد انتخاب دونالد ترامب، وتخطيها عقدة الفيروس بشن حملة علاقات عامة من بروكسل وحتى سان فرانسيسكو. فإرسال الصين المساعدات للاتحاد الأوروبي وإيطاليا وتبرع الملياردير الصيني جاك ما بمساعدات لأميركا، يعكس قوة هذه الحملة التي لم تبدأ مع كورونا إنما تستفيد منه.
فبين انسحاب أميركا من اتفاق باريس المناخي في عهد ترامب وتراجعها في أفريقيا في عهد باراك أوباما، وخوضها حروبا من دون انتصارات في عهد جورج بوش، التمست بكين الضعف الأميركي وبدأت بتعزيز موقعها اقتصاديا ودفاعيا واليوم ديبلوماسيا في هذه الأماكن.
عالم ما بعد كورونا سيكشف عن منافسة أشرس بين الصين وأميركا
الحرب الكلامية بين أميركا والصين اليوم حول نقطة وسبب انتشار كورونا ما هي قشرة صغيرة في منافسة أعمق وأبطش تدور بينهما. ترامب، رغم عبقريته الإعلامية داخليا، يخسر هذه المنافسة إعلاميا أمام الصين. فالجسور الصينية مع الأوروبيين ودول الخليج وأفريقيا (بينهم مصر) تغيظ الأميركيين الذين يحاولون الرد من بوابة كوريا الشمالية وتايوان إنما لم يفلحوا بعد بذلك.
المشكلة الأكبر من الإعلام والدبلوماسية في منافسة أميركا للصين هي الوقع الاقتصادي لكورونا والذي يضر اقتصادا منفتحا ورأسماليا حتى العظم في الولايات المتحدة أكثر مما يضر الصين حيث الحزب الشيوعي ما زال يتحكم بأعمدته.
عالم ما بعد كورونا، حين نصل لهذه النقطة، سيكشف عن منافسة أشرس بين الصين وأميركا، وجهود مضاعفة من "العملاق النائم" للدخول في عمق النفوذ والتحالفات الأميركية مع الأوروبيين وفي الشرق الأوسط، والتي ستحتاج واشنطن إلى تمتينها ورصها بدل الصراخ وإطلاق عبارات لا معنى لها حول اسم الفيروس.

