Democratic Presidential candidate and former US Vice President Joe Biden delivers remarks at a Drive-in event in Coconut Creek,…
هناك شريحة هامة من الناخبين (الديمقراطيين والمستقلين) سوف يصوتون لبايدن، ولكن تصويتهم موجه بالدرجة الأولى ضد ترامب

يعتبر عيد العمل تقليديا بداية الشوط الأخير في السباق إلى البيت الأبيض. خلال هذه العطلة يبدأ الناخب الأميركي عادة التفكير جديا بالانتخابات الرئاسية والمرشحين وطروحاتهم والقضايا الرئيسية التي تهيمن على السباق ومن هو المرشح الأفضل لقيادة البلاد خلال السنوات الأربعة المقبلة. 

المؤتمرات الحزبية صارت وراءنا، وأمامنا أقل من شهرين لموعد الاستحقاق الرئاسي، تنتقل خلالها المناوشات بين المرشحين وممثليهم إلى الولايات المعدودة التي ستحسم الانتخابات والتي تنفق فيها الأموال لتمويل الدعايات والنشاطات الانتخابية. 

وفي الأسابيع القليلة المقبلة سوف نرى كلا المرشحين ونائبيهما يقومون بنشاطات انتخابية عادية وليس افتراضية كما جرى في السابق، وخاصة في ولايات مثل فلوريدا وبنسلفانيا وميتشغان وويسكونسن وأريزونا سوف تستمر بشكل محموم حتى يوم الاقتراع في الثالث من نوفمبر.

خلال هذا الشوط الأخير، والطويل نسبيا، هناك امتحان هام أمام المرشحين: المناظرات الرئاسية. المناظرة الأولى والأهم سوف تجري في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، ويمكن أن تتحول إلى نقطة مفصلية في سباق غير تقليدي فرضته جائحة كورونا.

إذا كانت القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب محدودة ولا تتخطى الأربعين في المئة من الناخبين، إلا أنها قاعدة متحمسة له وسوف تقترع مهما كانت الظروف يوم الاقتراع

تقليديا يحظى كل مرشح بعد المؤتمر الوطني لحزبه بتقدم في استطلاعات الرأي، ولكن المؤتمرين الافتراضيين هذه السنة لم يغيرا المشهد الانتخابي بشكل ملحوظ، والتقدم الذي كان يتمتع به المرشح الديمقراطي جوزف بايدن قبل المؤتمرين، بقي تقريبا كما هو بعد المؤتمرين. اعتبر المراقبون ذلك نكسة تكتيكية للرئيس دونالد ترامب الذي كان يفترض أن يستخدم المؤتمر الجمهوري لتحجيم منافسه بايدن. وإذا حافظ بايدن على تقدمه الراهن في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني وعلى مستوى الولايات الحاسمة، لن يكون باستطاعة ترامب الفوز بولاية ثانية، ولهذا يرى العديد من المراقبين أن بايدن وحده يمكن أن يهزم بايدن، بمعنى أن مفتاح نجاح نائب الرئيس السابق هو بيده، وإذا تفادى الكبوات التي كان يرتكبها في السابق ومن بينها الكبوات اللفظية، وإذا حافظ على أعصابه وحرم ترامب من استفزازه في المناظرات، فإن نجاحه شبه مؤكد. ولكن هذه افتراضات كثيرة.

في المقابل، أخفق الرئيس ترامب حتى الآن في تحويل بايدن إلى صورة نمطية أو كاريكاتورية وإقناع الناخبين أن انتخاب بايدن سوف يهدد مستقبل الولايات المتحدة. ترامب لا يفوت فرصة لا يوجه فيها الإهانات الشخصية لبايدن مثل التشكيك بقدراته العقلية بسبب تقدمه في السن (بايدن أكبر من ترامب بأربع سنوات فقط)، بايدن كما يعرفّه ترامب "كسول" و"بليد" و"ضعيف" أو "لا يعرف أنه على قيد الحياة". أو أن بايدن أصبح راديكاليا يساريا، أو في صيغة مختلفة بعض الشيء، بايدن أصبح "ألعوبة" في أيدي اليساريين والراديكاليين ومن بينهم السناتور بيرني ساندرز، أو النائبة الجديدة ألكساندريا أوكاشيو كورتيز التي يشيطنها اليمين الأميركي. 

وعندما لم تؤد هذه الصور الكاريكاتورية لبايدن إلى الإضرار بسمعته، صعّد ترامب من هجماته واتهم بايدن بدعم المتظاهرين الراديكاليين الذين ارتكبوا أعمال شغب وبعض أعمال العنف. كما اتهم بايدن بأنه يوافق مع الدعوات المطالبة بوقف تمويل ميزانيات مراكز الشرطة. ولكن بايدن انتقد بشدة وفي أكثر من مناسبة المتظاهرين الذين قاموا بأعمال العنف والشغب، كما رفض مرارا دعوات حرمان مراكز الشرطة من التمويل. 

وفي الأسابيع الماضية وتحضيرا للمؤتمر الوطني للحزب الجمهوري ارتدى ترامب عباءة "القانون والنظام" كشعار انتخابي مدعيا أن انتخاب بايدن سيحول كبريات المدن الأميركية إلى ساحات معارك يقوم فيها المخربون بحرق أملاك المواطنين، وبتهديد الضواحي المحيطة بهذه المدن والتي تسكنها أكثرية من الناخبين البيض، الذين يسعى ترامب إلى تخويفهم من الراديكاليين وتنظيمات الأميركيين من أصل أفريقي مثل "أرواح السود مهمة".

ترامب الذي ورث اقتصادا قويا من سلفه باراك أوباما (ونائبه جوزف بايدن) يدعي أنه صانع أهم اقتصاد في تاريخ الولايات المتحدة، ويقول إنه قادر على إحياء هذا الاقتصاد، وهو ادعاء لا يوافق عليه العديد من الخبراء الذين يشيرون إلى وجود حوالي ثلاثين مليون أميركي عاطل عن العمل، وإن جائحة كورونا سوف تدخل على الاقتصاد الأميركي تغييرات جذرية ليس من الواضح في هذا الوقت المبكر أبعادها الكاملة. 

تقدم بايدن في استطلاعات الرأي لا يعني أنه سيفوز في الانتخابات، لأن هيلاري كلينتون كانت متقدمة في استطلاعات الرأي في مثل هذا الوقت في 2016

ونادرا ما يتطرق ترامب بشكل مباشر إلى نقطة ضعفه الرئيسية في هذه الانتخابات، أو كعب أخيله، أي فشله في مواجهة الجائحة واحتوائها ومنع الولايات المتحدة من أن تصبح الدولة الصناعية التي سجلت أعلى رقم وفيات في العالم بسبب الجائحة: 188 ألف نسمة. ولا يفوت جوزف بايدن أي فرصة إلا ويذكّر الأميركيين أن الرئيس ترامب تأخر كثيرا بالاعتراف بخطر الجائحة وكيف رفض الاستناد إلى العلماء والخبراء في شؤون الصحة العامة ورفضه واستخفافه باستخدام الأقنعة الوقائية، ودعوته للمواطنين لشرب المواد الكيمائية لمعالجة الجائحة.

في الأيام الماضية، وفي أعقاب تقرير هام نشرته مجلة أتلانتك، التي تعتبر من أهم المطبوعات الأميركية، وجاء فيه استنادا إلى مصادر خدمت في إدارة ترامب ولكن دون ذكرها بالاسم أن ترامب أدلى بمواقف مهينة ضد المحاربين القدامى وضد العسكريين الذين قضوا في حروب الولايات المتحدة من الحرب العالمية الأولى إلى حروب فيتنام وأفغانستان والعراق، مثل القول إنهم "أغبياء" أو "خاسرون"، وجد ترامب نفسه في موقف دفاعي صعب.  

طبعا الرئيس ترامب نفى التقرير بشدة، ولكنه استخدم مثل هذه العبارات ضد السناتور الراحل جون ماكين الذي قضى أكثر من خمسة سنوات في سجن في فيتنام الشمالية بعد إسقاط طائرته الحربية. ولكن مطبوعات أخرى مثل صحيفة واشنطن بوست، وحتى شبكة فوكس التي تؤيد ترامب تقليديا، أكدت بعض أو كل ما جاء في مجلة أتلانتك. الأهم من ذلك أنه لم يدافع عن ترامب أي من الجنرالات المتقاعدين الذين خدموا في حكومته مثل جيمس ماتيس، وجون كيلي، وأتش آر ماكماستر.

تقدم بايدن في استطلاعات الرأي لا يعني أنه سيفوز في الانتخابات، لأن هيلاري كلينتون كانت متقدمة في استطلاعات الرأي في مثل هذا الوقت في 2016. بايدن يريد أن تكون الانتخابات استفتاءً على أداء ترامب وخاصة في مواجهة جائحة كورونا والتدهور الاقتصادي الذي جلبته، إضافة إلى التحذير من أخطار الفوضى التي أدخلها ترامب على الحياة السياسية في البلاد مثل تقويضه للأعراف والتقاليد وحتى القوانين ومن بينها محاولة الاستئثار بالسلطة وتجاهل المؤسسات الحكومية، والمحاكم والكونغرس والتشكيك بصدقية وسائل الإعلام، وبصدقية الأجهزة الحكومية بما فيها السلطات المعنية بالانتخابات ونزاهتها، حيث يشكك يوميا بصدقية نتائج الانتخابات مسبقا والادعاء بأن التزوير سوف يكون شائعا وأن الديمقراطيين سوف يستغلون الاقتراع بواسطة البريد لحرمانه من ولاية ثانية.

وإذا كانت القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب محدودة ولا تتخطى الأربعين في المئة من الناخبين، إلا أنها قاعدة متحمسة له وسوف تقترع مهما كانت الظروف يوم الاقتراع. مؤيدو ترامب متعلقون به، ولن تقنعهم أي اتهامات للرئيس مثل تلك الواردة في مجلة أتلانتك أو في الكتب التي نشرت مؤخرا أو سوف تنشر خلال الأسابيع القليلة المقبلة. 

في المقابل، قاعدة بايدن الانتخابية أوسع، وتشمل أطيافا مختلفة من الناخبين، ولكن نسبة المتحمسين لبايدن ليست واسعة. وهناك شريحة هامة من الناخبين (الديمقراطيين والمستقلين) سوف يصوتون لبايدن، ولكن تصويتهم موجه بالدرجة الأولى ضد ترامب. بهذا المعنى تصويتهم هو تصويت سلبي، ضد خصم بايدن أولا، ولصالح بايدن ثانيا. 

مشاعر الحماس هامة للغاية في الحياة السياسية الأميركية. المرشح الذي يضمن حماس قاعدته، يكون قادرا على بذل طاقاته لجذب شرائح أخرى من الناخبين، وهذا ما يحاول ترامب أن يفعله مع الناخبين المستقلين، وخاصة النساء الذين يقطنّ في الضواحي. 

هناك شريحة من الناخبين الأميركيين الذين سيشاهدون المناظرة الأولى بين ترامب وبايدن وكأنها مباراة في المصارعة الحرة

الحماس، على سبيل المثال هو الذي يفسر نجاح بعض قوى الضغط (اللوبي) في فرض رؤاها والقوانين التي تخدم مصالحها. وأبرز مثال على ذلك هو نجاح لوبي الجمعية الوطنية لاقتناء الأسلحة النارية، التي يصوت أعضاؤها بحماس كبير ويتبرعون بأموالهم للمشرعين والمرشحين الذين يخدمون مصالحها.

يتوقع المراقبون أن يشاهد عدد كبير من الناخبين المناظرة الأولى بين ترامب وبايدن، لأنهم حرموا من معركة انتخابية تقليدية بسبب جائحة كورونا. وجاء في استطلاع لصحيفة يو أس أي توداي أن 47 بالمئة من الأميركيين يتوقعون ان يفوز ترامب بالمناظرة مقابل 41 بالمئة توقعوا أن يفوز بايدن بها. الناخبون المستقلون توقعوا بنسبة 47 بالمئة، أن يفوز ترامب على بايدن، بينما توقع 37 بالمئة منهم فوز بايدن. 

وكانت رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي قد قالت إنها لا تحبذ أي مناظرة بين ترامب وبايدن لأن ذلك سيضفي "الشرعية" على ترامب الذي لن يلتزم بأي قيود أو أعراف والذي سيكون سلوكه مهينا لمنصب الرئاسة كما قالت بيلوسي، التي ذكّرت الأميركيين بإهانات ترامب لهيلاري كلينتون خلال مناظرات 2016. 

هناك شريحة من الناخبين الأميركيين الذين سيشاهدون المناظرة الأولى بين ترامب وبايدن وكأنها مباراة في المصارعة الحرة. وما يمكن قوله بكثير من الثقة، هو أنها ستكون مثيرة وربما صاخبة، ولكن حتما لن تكون عادية أو تقليدية. ولكن هل هناك أي شيء عادي أو تقليدي في الحياة السياسية الأميركية منذ انتخابات 2016؟

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.