People walk near rubble and damaged vehicles following Tuesday's blast in Beirut's port area, Lebanon August 7, 2020. REUTERS…
الدمار في شارع الجميزة في بيروت

كرة النار التي انفجرت فوق بيروت الثلاثاء لتحرق وتدمر جزءا كبيرا من المدينة وتصعق أهلها وتشرد مئات الآلاف منهم، هي ـ عدا عن كونها كارثة إنسانية ـ كرة النظام السياسي الذي يحترق فوق جثامين اللبنانيين.

أطنان المتفجرات المحشوة في مرفأ استخدمته مافيات السلطات اللبنانية للتهريب والمتاجرة بالسلاح والثراء، انفجرت في وجه بيروت وأهلها لتقتل 145 منهم وتصيب أكثر من خمسة آلاف وتشرد 300 ألف فيما التقدير الأولي لحجم الأضرار يفوق الـ 15 مليار.

النظريات المحاكة عن طائرة أو صاروخ أو اعتداء قبل أن ينتهي التحقيق كلها مبررات سياسية لإعفاء جهات معروفة في السلطة من المسؤولية عن الكارثة. واقع الأمر أن معرفة ما حصل يتطلب تحقيقا شفافا، لا السلطات في لبنان قادرة على إجرائه، وحتى إذا أتيحت لها القدرة فلا ثقة في ما تقوله أو في قدرتها على محاسبة نفسها. فهي التي كذبت أولا وقالت "مفرقعات"، قبل أن تكذب ثانيا وثالثا ورابعا بالتعهد بالمحاسبة "وتشكيل لجنة" فيما تمنع خبراء الجريمة من الوصول إلى ساحة الانفجار. ولنفترض لداعي الجدل أنه كان صاروخا أو قنبلة، فأين مسؤولية الدولة ودوائرها الأمنية لحماية المرفأ؟ وأين سلطتها من منع تحويل مرفأ من نقطة تهريب للسلاح والمتفجرات وتلاق للمافيات الإقليمية؟

لا تغيير بموقف واشنطن حول الإصلاحات الضرورية في لبنان

ما نعرفه هو انفجار آلاف الأطنان من أمونيوم نيترات في مرفأ هو شريان الحياة للمواطن اللبناني فوق غرق البلاد بعجز مالي يفوق 86 مليار دولار وإفلاس أخلاقي لطبقتها السياسية.

من يتابع الشأن اللبناني لم يتفاجأ بوقع وحجم الكارثة. فاضمحلال الدولة اللبنانية بما يعنيه ذلك من تهاو مؤسساتي واقتصادي بدأ منذ عقود وتعتمد على تضعضعه اليوم مافيات الداخل ومجموعات مثل "حزب الله" تعتبر وجود دولة قانون ومؤسسات وأمن تهديدا لها. فأي دولة تحترم نفسها وشعبها تخزن 2700 طن من الأمونيوم نيترات على بعد أمتار من مواد غذائية ومن دون أدنى إجراءات لحماية المخزون. وأي دولة تستخدم المرفأ والمطار والحدود لتهريب وتوصيل السلاح فوق أعين القوى الأمنية. 

الشعارات والخطابات لم تعد تنفع في لبنان، فالتذرع بمحور إقليمي وممانعة وكلام فضفاض جاء على حساب لقمة العيش ومصلحة المواطن. مقاومة إسرائيل لا تكون عبر تشريد وتجويع وتفقير للشعب اللبناني، بل تبدأ أولا وأخيرا ببناء دولة قادرة على حماية مواطنيها بدل تدمير بيوتهم وأرزاقهم وتسلط المافيا فوق رقابهم.

الإدارة الأميركية تتابع عن كثب كارثة المرفأ وهي اليوم تعتمد أربعة خطوط:

1 ـ التنسيق مع وليس التمويل للحكومة اللبنانية: فليس هناك ثقة بحكومة حسان دياب لا في أميركا ولا في أوروبا وهي حكومة الضرورة في ضوء كارثة وحال طوارئ داخل البلاد. أما المساعدات والتمويل، فآخر ما تراه واشنطن هو تعويم حكومة الانهيار والكوارث من خلال ارسال المعونات لها. فالطائرات الأميركية الثلاث ستحمل مساعدات إلى منظمات إنسانية على الأرض وأخرى تابعة للأمم المتحدة.

2 ـ التواصل مع الجيش اللبناني كمؤسسة تثق بها واشنطن أكثر من الباقين: من هنا كان اتصال قائد القيادة الوسطى الجنرال فرانك ماكينزي بقائد الجيش اللبناني جوزيف عون لإرسال الطائرات والتحضير لخطوات أخرى أيضا عبر المؤسسة العسكرية.

الطائرات الأميركية الثلاث ستحمل مساعدات إلى منظمات إنسانية على الأرض وأخرى تابعة للأمم المتحدة

3 ـ لا تغيير بموقف واشنطن حول الإصلاحات الضرورية في لبنان، لا بل فإن كارثة مرفأ بيروت تؤكد اليوم على ضرورة القيام بإصلاحات يطالب بها صندوق النقد الدولي ويرفضها "حزب الله" ومافيات الدولة مثل وضع كاميرات في المرفأ، والدفع إلكترونيا لمنع التهريب وضمان سجل للمحاسبة.

4 ـ لا ضغوط أميركية اليوم لإسقاط الحكومة فالفراغ الحكومي هو أسوأ في هذا الوقت، مع الرغم أن واشنطن تدرك مستوى الغضب في الشارع اللبناني واحتمال اندلاع احتجاجات واسعة.

كارثة مرفأ بيروت هي منعطف للبنان إما بطوي صفحة الانهيار والقيام بإصلاحات تمهد لدولة قانون ومؤسسات أو المضي نحو هزة سياسية وشعبية ضخمة رافضة لهذا الواقع وستسعى لإسقاط أدوات السلطة في الشارع. رماد بيروت لم يعد يحتمل أعذارا ومؤامرات سياسية، والخيار اليوم هو بين المافيات والإصلاح ولا ثالث لهما.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.