A baker prepares flat bread ahead of the Muslim holy month of Ramadan, during the novel coronavirus pandemic crisis in the…
خباز في عمان

تتفاقم التحديات التي تعترض الشرق الأوسط الغارق أساسا في أزمات محلية وإقليمية متعددة مع ظهور فيروس كورونا المستجد والانخفاض الحاد في أسعار النفط. 

ونظرا للضغوط الإضافية الهائلة التي يلقيها الفيروس على كاهل حكومات المنطقة، من المرجح أن يزداد الوضع خطورة في هذه الدول ـ لا سيما من الناحية الاقتصادية. ولا بدّ من أن يتوقّع الخبراء الاستراتيجيون في السياسة الخارجية أن تواجه حكومات الشرق الأوسط صعوبات أكبر لجهة حماية سبل عيش شعوبها واقتصاد بلدانها بعد انحسار خطر فيروس كورونا. 

وبالتالي، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تبدأ برسم مسار نحو اعتماد سياسة خارجية تعاونية تنطوي على مساهمة الحلفاء في الخارج من دون إهمال القيم التي تهم الشعب على الأرض.

وحافظت الولايات المتحدة، ربما أكثر من أي دولة أخرى، على مستوى كبير من الانخراط في الشرق الأوسط ـ سواء في المجال العسكري أو المالي أو الثقافي. وعليه، تحتل الولايات المتحدة مكانة أساسية تخولها قيادة الجهود التعاونية الضرورية للتعافي، وبخاصة في أوساط الدول التي تواجه مستقبلا قاتما بسبب الوباء. 

وتعاني الدول على غرار الأردن ولبنان تحديدا لتلبية حاجات مواطنيها وأعداد اللاجئين الكبيرة بالشكل المناسب وسط قيود يفرضها اقتصادها المتعثر أساسا. ومن شأن تداعيات الوباء أن تفاقم حتما هذه التحديات القائمة. 

إن حالت الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالخليج دون استمراره في توفير المساعدة الإقليمية، قد يخلّف ذلك تأثيرات تطال مختلف أرجاء المنطقة

وعلى نحو مماثل، سيهرب أولئك الذين يعيشون في الفقر وفي مناطق النزاع من بيوتهم وبلدانهم حين تتأزم الظروف، ما يؤدي إلى موجة كبيرة جديدة من المهاجرين ستكون الحكومات غير مجهزة للتعامل معها.

غير أن الدول العربية التي كانت تتمتع تقليديا بتحصينات مالية قد تتأثر بدورها. فدول الخليج التي حافظت الولايات المتحدة على علاقات وطيدة معها تاريخيا، ترزح تحت وطأة أزمتين متزامنتين ألا وهما الانهيار العالمي لأسعار النفط وفيروس كورونا المستجد (COVID-19). وقد تلقت اقتصاديات الدول الخليجية المنتجة للنفط صفعة من جراء هبوط أسعار النفط، ما أرغم الكثير من الدول على تقليص إنفاقها على الخدمات الاجتماعية التي تقدمها لمواطنيها بشكل كبير.

وفي حين تفوق جهوزية عدد كبير من دول الخليج جهوزية دول متعددة مجاورة لها لمواجهة هذه الضغوط الناشئة، لا بدّ من إدراك احتمال حدوث تغيير دائم في "الوضع الراهن" الجغرافي السياسي للمنطقة. ستواجه دول الخليج هذه، التي اعتُبرت في ما مضى وإلى حدّ بعيد دعامة المنطقة المالية، صعوبة في مواصلة تقديم المستوى عينه من الدعم المالي للدول على غرار لبنان واليمن والضفة الغربية وغزة والمغرب والأردن. 

وأضافت هذه الدول المموّلة إلى المساعدات المقدمة من الولايات المتحدة في أعقاب "الربيع العربي" بطريقة ساهمت في التخفيف من التحديات الاقتصادية الأصعب وتوفير محفزات مالية بديلة عن إيران، ولكن من المستبعد تطبيق هذه الاستراتيجية على نحو مماثل في المستقبل. 

فإن حالت الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالخليج دون استمراره في توفير المساعدة الإقليمية، قد يخلّف ذلك تأثيرات تطال مختلف أرجاء المنطقة. وبالتالي، على الولايات المتحدة أن تدرك أنه لا يمكن التعويل على هذا الأثر المتنامي بعد الآن. كذلك، يجب أن تدعم الولايات المتحدة الخليج عسكريا إذ من المهم أن تتمتع المنطقة بأمن معزز لضمان تخصيص الموارد المالية والدعم البشري.

فهم البديل: ازدياد الاستثمارات الصينية

قبل انتشار وباء كورونا، بدا وكأن الولايات المتحدة تتخلّى عن دورها الناشط في المنطقة. ففي وقت خفضت فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، لجأت دول كثيرة إلى قوى عالمية أخرى للحصول على دعم مالي، وأثار استعداد الصين لتأدية دور الدعامة الاقتصادية المخاوف بشكل خاص. ولفهم المحفزات المالية التي دفعت بالدول إلى اللجوء إلى الصين، على صناع السياسة في الولايات المتحدة أن يدركوا أن الحدّ من الانخراط في المنطقة سيفتح المجال لبسط النفوذ من مصادر أخرى.

في حال لم تعدّل الولايات المتحدة انخراطها في المنطقة في هذه الأوقات المهمة، ثمة الكثير من القوى الأخرى ـ ليس الصين فحسب وإنما روسيا وإيران أيضا ـ التي أظهرت استعدادا للاضطلاع بأدوار جديدة

ويسلّط توقيع مذكرات تفاهم مع 17 دولة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشأن "مبادرة الحزام والطريق" الضوء على كيفية قيام الصين بتوسيع دورها في المنطقة. وقد أملت الصين في تعزيز دورها كالمستثمر الأكبر في المنطقة من خلال مشروع "مبادرة الحزام والطريق" الذي تقدر قيمته بتريليون دولار وواصلت تصوير نفسها كأنها شريك موثوق في الشرق الأوسط من خلال التعهد بمساعدة المنطقة ماليا من دون التدخل في الشؤون المحلية ـ وهذا وعد يروق لقادة الشرق الأوسط الذين يساورهم القلق إزاء ما يعتبرونه تدخلا في شؤونهم الداخلية من قبل الولايات المتحدة. تهتم الصين بشكل خاص بالحفاظ على هذه العلاقة، باعتبارها ثاني أكبر دولة مستهلكة للنفط بعد الولايات المتحدة.

وحاليا، يؤمّن الشرق الأوسط نحو نصف واردات النفط الصينية، ومن المرجح أن يزداد اعتماد الصين على هذه المنطقة بناءً على تقديرات "الوكالة الدولية للطاقة" بأن الصين ستضاعف وارداتها من الشرق الأوسط بحلول عام 2035. 

وبغية وضع حاجات الصين من الطاقة في إطار واضح، يبيّن الهبوط غير المسبوق للطلب على النفط السرعة التي يمكن أن تطال بها التغيرات الاقتصادية في الصين باقي دول العالم. ومع أخذ هذه المتغيرات في الحسبان، يسلّط اعتماد الصين على الطاقة الخارجية والتهديد المستمر الذي يطرحه تغير المناخ الضوء على ضرورة معالجة مسألة أمن الطاقة باعتبارها من أبرز الأولويات الدولية. 

وفي حال لم تعدّل الولايات المتحدة انخراطها في المنطقة في هذه الأوقات المهمة، ثمة الكثير من القوى الأخرى ـ ليس الصين فحسب وإنما روسيا وإيران أيضا ـ التي أظهرت استعدادا للاضطلاع بأدوار جديدة.

التوصيات

باختصار، ثمة سبل مبتكرة يمكن للولايات المتحدة اللجوء إليها من أجل الحفاظ على علاقاتها في المنطقة وإدارة تحدياتها المحلية الخاصة في الوقت عينه. ومن المرجح أن تكتسي المصالح الأميركية في الشرق الأوسط أهمية ثانوية في عام 2020 في ظل تعامل الحكومة مع مسائل الصحة العامة والتداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا المستجد. وعليه، سيكون من الضروري جدا أن يلعب القطاع الخاص الأميركي دورًا أكبر في التعاون مع شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.

ويمكن للحكومة أن تدعم مساعي القطاع الخاص هذه من خلال تشكيل لجنة جديدة مؤلفة من كبار الممثلين عن القطاعيْن العام والخاص تديرها وزارة الخارجية والبيت الأبيض بشكل مشترك نظرا إلى ارتباط هذه الاستثمارات الاستراتيجية مباشرة بمصالح الأمن القومي الأميركية. 

ويتعين على اللجنة دعوة نظرائها الأجانب من القطاعيْن لإنشاء شبكة تعاونية للعمل على تحقيق الهدف المشترك المتمثل بدعم المساعي الإقليمية الرامية إلى التعافي من الوباء العالمي على المستوى الصناعي. ولا بدّ من أن تنطوي الخطوة التالية على إنشاء بعثة من أعضاء اللجنة تزور مراكز الإنتاج في أرجاء الشرق الأوسط. 

يُذكر أنه في الماضي، تركّز الاستثمار على الاتفاقات الثنائية التي تشمل تواصلا مباشرا مع حكومات أجنبية. وربما حان الوقت لكي تدعم الولايات المتحدة الصناعات في المنطقة، حيث لهذه الخطوة فائدة متبادلة.

وفي وقت تشهد فيه الكثير من القطاعات في المنطقة تراجعا، من المهم أن تحظى بدعم استراتيجي. ومن المستبعد أن يتعافى قطاع النقل بشكل فوري، لذا قد يعتبر الكثيرون أنه استثمار غير نموذجي وغير حكيم. غير أنه يتعين على الولايات المتحدة العمل مع حلفائها في المنطقة لضمان حفاظ شركائنا على سيطرتهم على هذه القطاعات والمنشآت من خلال العمل مع مجالس عمل ثنائية وغرف ووزارات تجارة ومن خلال إعداد مبادرات جديدة أيضا.

تمثل الولايات المتحدة جسرا بين شعوب مختلفة، ورغم عدم كونها مثالية، يمكن لأميركا الارتقاء بالحكومات التي تتعاون معها

كما يتعين على عمالقة التصنيع في الولايات المتحدة العمل مع حلفائها في الشرق الأوسط للمساعدة على تحسين قدراتهم التصنيعية لبناء المصانع. وتُعتبر الجزائر والسودان ومصر والمملكة العربية السعودية مناسبة بشكل خاص لتنفيذ مشاريع التطوير نظرا إلى القوى العاملة المحتملة الكبيرة لديها ومواقعها الاستراتيجية وتوفر رأس المال البشري لدعم هذه الصناعات الكبيرة ـ وهذه صفات سبق أن أثبتتها الاستثمارات الصينية. 

وعليه، ستساعد هذه المساعي على محاربة البطالة التي تشكّل أحد أبرز التحديات في المنطقة، الأمر الذي سيساهم في تعزيز الاستقرار في مختلف أرجاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط. كما ستمكّن الشراكات الأميركية المتزايدة المنطقة من تقليص اعتمادها على البضائع الصينية وضمان تجنيبها الترابط القسري من حيث الصادرات والطاقة.

هذا ويتوجب على الولايات المتحدة إحراز تقدّم لجهة ترابط الموضوعين المتباعدين في المنطقة: الثورة غير المنتهية من جهة وتحديات الحوكمة من جهة أخرى. وبما هو لخير أولادنا في المنطقة وفي الولايات المتحدة، على هذه الأخيرة وضع سياسة خارجية متماسكة ذات أهداف واضحة تدعمها، سياسة تركّز على الاستقرار الاقتصادي والنمو في منطقة أغلبية سكانها من الشباب التواقين إلى اغتنام الفرص.

وتمثل الولايات المتحدة جسرا بين شعوب مختلفة، ورغم عدم كونها مثالية، يمكن لأميركا الارتقاء بالحكومات التي تتعاون معها. وعلى الولايات المتحدة المباشرة بتوحيد المجتمعات والحكومات، ليس لأغراض أمنية فحسب، بل أيضا لتحقيق الازدهار. وينبغي اعتبار تقلبات الوضع الراهن كنقطة تحوّل كبيرة في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، إذ تخلص هذه الأخيرة إلى أن الحلفاء الأقوياء في الشرق الأوسط لا يشكّلون تحديا أو خطرا كبيرا بل يمثلون بالأحرى فرصة لتعزيز دفاعاتنا ضد التهديدات المشتركة.

المصدر: منتدى فكرة

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة