Pakistani student Varsha Thebo, 27, attends her online graduation ceremony in her bedroom at the International Student House…
الطالبة الباكستانية ڤارشا ثيبو، تشارك من سكن الطلاب التابع لجامعة جورج تاون، بحفل التخرج السنوي للجامعة الذي أقيم هذا العام عبر شبكة الإنترنت

يواجه التعليم العالي في العالم أزمة لم يعهدها من قبل، ويتوقع كثير من الخبراء أن فيروس كورونا سوف يؤدي إلى نقلة نوعية وكمية أيضا في التعليم، ستغير مستقبله تماما. فهل هناك مستفيدون من التغيرات القادمة، وخصوصا في الدول بالعربية؟

الذي يحدث الآن هو الآتي؛ يواجه التعليم العالي في الدول المتقدمة مثل أميركا وأوروبا حيث لا يدرس طلاب من هذه البلاد فقط بل أيضا طلاب من نخب العالم بأجمعه أزمة مالية خانقة، بسبب اعتماد كثير من جامعات هذه الدول على الرسوم التي يدفعها الطلبة سواء المحليين أو الأجانب. 

الطلاب الذين جربوا الدراسة من البيت في الفصل الماضي، وكذلك أهاليهم، لن يقبلوا أن يدفعوا عشرين ألف دولار في السنة على تعليم يعتقدون بأنه يجب أن يكلف أقل بكثير من ذلك، لأن تجربة التعليم الجامعي والتي كانت تتضمن السفر من البلدان الأصلية لهؤلاء الطلبة إلى حرم الجامعة الجديد في بلد الاغتراب إضافة إلى الاختلاط بطلاب وأساتذة وإداريين وزوار، وخوض تجارب جديدة، تقلصت وانحصرت اليوم في عملية التعلم من البيت.  

التعليم في العالم الغربي أكثر مرونة بكثير من التعليم في الدول العربية، حيث يسهل على الطلاب أن يؤجلوا فصلا دراسيا أو سنة دراسية أو أكثر دون أن يؤثر ذلك على مسيرتهم الجامعية. كما أن الجامعات وخصوصا المحلية والحكومية منها توفر مقاعد دراسية لجميع الطلاب الذين أكملوا الدراسة الثانوية ـ بعكس مثلا كثير من الدول التي تتطلب حصول الطلاب على علامات محددة في امتحانات الثانوية العامة ـ وبرسوم مخفضة.

التعليم التقليدي المكلف والمبني على الاختلاط في الحرم الجامعي سوف يصبح متوفرا فقط للأكثر ثراء بينما سيصبح التعليم عن بعد متوفرا لأعداد أكبر من الطلاب

لهذا السبب، يفكر الكثير من الطلاب بتأجيل الدراسة للعام القادم مما يعني أن جامعاتهم سوف تخسر أقساطهم الدراسية. أضف إلى ذلك ما سيحدث مع الطلاب الأجانب والذين عادة ما يدفعون أضعاف ما يدفعه الطلاب المحليون والذين لا يستطيعون السفر الآن كما لن تعطى لهم تأشيرات السفر. ففي الولايات المتحدة مثلا، ثلث الطلاب الأجانب هم من الصين. سيؤدي هذا إلى أزمة حادة حيث أن الكثير من الجامعات ستعاني من أزمة مالية بسبب ضعف عدد الطلاب المتوقعين، ولن تستطيع الاستمرار بدون تغييرات جذرية. جامعة ميزوريوستيرن في مدينة كانساس ستي ـ مثلا ـ اضطرت إلى تسريح ثلث الأساتذة في الجامعة وإغلاق أقسام بأكملها، ما سيفاقم من الأزمة المالية لهؤلاء أيضا ولعائلاتهم.

لكن المستفيد الأكبر من هذه الضائقة سيكون الجامعات المرموقة مثل معهد ماساتشوسيس للتكنولوجيا والمعروف بـ(إم أي تي MIT) وستانفورد وهارفرد وأكسفورد وكامبردج والطلاب الذين يريدون شهادات من تلك الجامعات ولو عن طريق التعليم عن بعد. 

في مقابلة مع مجلة نيويورك تايمز يتوقع سكوت جالاوي Scott Galloway أن شركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل وفيسبوك وآبل وميكروسوفت سوف تتشارك مع الجامعات المرموقة مثل إم أي تي MIT وستانفورد وهارفرد لكي تزيد عدد الطلاب وتمكينهم من الحصول على تعليم عالي الجودة عن بعد عبر الإنترنت. الشراكة ستتم لأن هذه الشركات ستساعد الجامعات على تقديم منتج عالي الجودة عبر الإنترنت، وسيكون هذا التعليم أقل كلفة للمستهلك. وقد بدأ ذلك بالحدوث فعلا حيث عقدت شراكة مثلا بين غوغل وإم أي تي وأخرى بين آبل وستانفورد وغيرها.

وبهذا، وبدل أن تقبل هذه الجامعات ألف طالب في السنة مثلا، تستطيع أن تقبل عشرات الآلاف من حول العالم. وبينما كان يتم قبول اثنين من كل عشرة طلاب يقدمون طلبات لهذا الجامعات، ستصبح نسبة القبول في هذه الجامعات أكبر بكثير. 

ورغم أن الكلفة ستكون أقل على الطلاب، إلا أن ازدياد أعدادهم سيعوض هذه الجامعات. وبهذا ستفقد الجامعات الأقل حظا جاذبيتها وربما تغلق تماما. ويقول جالاوي إن أكبر ماركة جاذبة هنا ليست هي الشركات مثل أبل أو مايكروسوفت بل هي الجامعات مثل أوكسفورد وستانفورد وإم أي تي، لأن خريجي هذه الجامعات كما تشير الدراسات يحصل أغلبهم على وظائف أفضل ورواتب أفضل. 

هذه الجامعات ستتمكن بذلك من مضاعفة أعداد طلابها دون التضحية بالجودة بسبب شراكتها مع شركات التكنولوجيا. أما عن طبيعة الطلاب أنفسهم فأقسام القبول في الجامعات المرموقة معروفة بقدرتها على غربلة وتدقيق طلبات القبول لاختيار أفضل الطلاب.

في الدول بالعربية، سيكون المستفيد الأكبر من هذا التغيير هم الطلاب الذين يتقنون اللغة الإنكليزية بطلاقة ولديهم مهارات حاسوبية

هذا النموذج سيقلب الكثير من الموازين المعروفة. فالتعليم التقليدي المكلف والمبني على الاختلاط الفعلي في الحرم الجامعي سوف يصبح متوفرا فقط للأكثر ثراء بينما سيصبح التعليم عن بعد، ولو كان مفتقدا للبعد الإنساني، متوفرا لأعداد أكبر من الطلاب. لا شك أن التعليم التقليدي المبني على الاختلاط الفعلي مع الآخرين أفضل بكثير لكنه لن يكون متاحا لمعظم الطلاب.

في الدول بالعربية، سيكون المستفيد الأكبر من هذا التغيير هم الطلاب الذين يتقنون اللغة الإنكليزية بطلاقة ولديهم مهارات حاسوبية. فالفرص التي ستتاح أمامهم في السنوات المقبلة ستكون غير معهودة، بفضل التعليم عن بعد. حيث سيتمكن طالب مثلا من المغرب أو الأردن أو العراق أن يلتحق بجامعة عريقة سواء من بلاده أو أجنبية تمكنه بالالتحاق بسوق العمل العالمي، هذا وخصوصا أن الكثير من الجامعات العريقة توفر منحا طلابية مجزية. 

فمثلا نجد أن خمسة وثمانين بالمئة من الطلاب الذين يُقبلون في قسم السياسة العامة (Blavatnik School of Government) في جامعة أكسفورد في بريطانيا لديهم منح دراسية. وأما جامعة برنستون (Princeton University) فتضمن منحا كاملة لجميع طلبة الدراسات العليا. ولعل الولايات المتحدة بالذات معروفة أكثر بتوفر فرص عالية في منح التعليم العالي للأجانب.

المحظوظون من الطلاب في منطقتنا هم الذين سيستثمرون في لغتهم الإنكليزية ومهاراتهم الإلكترونية، بالإضافة طبعا إلى التفوق العلمي. ولذا فالدول التي تتمتع بقيادات رشيدة ستستثمر بذكاء في توفير هذه المهارات لأكبر عدد من الطلاب في المدارس لتمكينهم من الالتحاق بسوق العمل العالمي، والذي يزداد منافسة يوما بعد يوم ولكنه أيضا سيوفر في المقابل موارد مالية منافسة للأفراد والدول. ولعله من حسن الحظ أن التعليم عن بعد وفر فرصا غير مسبوقة لاكتساب مهارات مثل تعلم الإنكليزية. ولهذا ننصح جميع الآباء والأمهات أن يعلموا أبناءهم المهارات التي سيحتاجونها للنجاح في عالم يتغير بسرعة البرق وبلا رجعة.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.