Members of the U.S. Army Old Guard place small American flags in front of the headstones of U.S. service members buried at…
جندي أميركي يضع أعلاما على أضرحة الجنود الذي قضوا في الحروب في مقبرة أرلنغتون الوطنية في ولاية فرجينيا

يوم الأحد، وسط عيد ذكرى ضحايا حروب الولايات المتحدة نشرت صحيفة نيويورك تايمز على صفحتها الأولى أسماء ألف ضحية لجائحة كورونا، الذين يمثلون واحد بالمئة فقط من عدد الضحايا الذي سيصل خلال يوم أو يومين إلى مئة ألف شخص، خطفهم الفيروس خلال أقل من ثلاثة أشهر، بمعدل 1100 أميركي في اليوم.

أميركيون عاديون، من مختلف الخلفيات الاجتماعية والدينية والأعمار. وبعد كل اسم نبذة قصيرة، خمس أو ست كلمات تلخص حياة قضت وتركت وراءها أحباء وأصدقاء وزملاء وجيران: والاس روني، 59 سنة، باترسون، نيوجرزي، موسيقي متميز ولاعب بوق (ترومبيت). جيري مانلي، 58 سنة، برينس فريدريك، ماريلاند، رقيب متقاعد من الشرطة. سكايلار هيربرت، خمس سنوات، ديتروت، أصغر ضحية لجائحة كورونا في ولاية ميتشغان. ماريا تاسيوبولوس 78 سنة، برينتري، ماساتشوستس، "كانت تنتنج أفضل بقلاوة في العالم". هذا بعض الفسيفساء الإنساني الغني الذي فقدته الولايات المتحدة، من بين حوالي مئة ألف ضحية، أي أكثر من ضحايا حروب فيتنام والعراق وأفغانستان معا. عيد بأي حال عدت يا عيد.

يعتبر عيد ذكرى ضحايا الحروب، مثله مثل عيد الشكر من أهم الأعياد الوطنية وغير الدينية في الولايات المتحدة. العيد يمثل أيضا البداية غير الرسمية لفصل الصيف، حيث يجتاح ملايين الأميركيين شواطئهم المفضلة على ساحلي المحيطين الأطلسي والهادئ وخليج المكسيك. وفي أي سنة انتخابية يتحول العيد، الذي يسبق الانتخابات بستة أشهر، إلى مناسبة لتقويم وضع الحملتين الانتخابيتين، حيث يمكن بشكل عام، استنادا إلى استطلاعات الرأي وميزانية كل حملة، والوضع الاقتصادي في البلاد، التكهن بمن سيفوز بالسباق إلى البيت الأبيض.

هذه السنة تزامن العيد مع نهاية شهر رمضان وعيد الفطر، ومع "فتح" جميع الولايات تقريبا لبعض النشاطات الاجتماعية والاقتصادية بعد أكثر من شهرين من عزلة اجتماعية وتعطيل غير مسبوق للحياة الاقتصادية فرضته ضرورات مواجهة جائحة كورونا. 

الأميركيون يعرفون رؤسائهم العظام مثل جورج واشنطن وأبراهام لينكولن وفرانكلين ديلانو روزفلت، وهم قادة صهرتهم الحروب، عبر مواقفهم الإنسانية والوطنية الحقيقية من ضحايا الحروب

العيد جاء هذه السنة وسط انقسام حاد في البلاد حول كيفية مواصلة المواجهة مع جائحة كورونا والتي لم تعد مقتصرة على الاعتبارات العلمية والطبية ومتطلبات الصحة العامة، بل تحولت هذه المواجهة، كما كل شيء في حقبة الرئيس دونالد ترامب إلى مواجهة سياسية وقيمية. 

ومنذ أسابيع والرئيس ترامب يتصرف وكأن الجائحة اكتسحت البلاد وتركت وراءها ضحاياها لن تزور الولايات المتحدة مرة أخرى في الخريف كما يتوقع الكثيرون من الخبراء في مكافحة الأوبئة وشؤون الصحة العامة. يتحدث ترامب عن الجائحة كفعل ماض. وبدلا من التركيز على الأبعاد الإنسانية لكارثة خسارة مئة ألف أميركي ـ والعد لم ينته بعد ـ يتحدث عن استئناف الحياة "الطبيعية" ورفض "إغلاق" البلاد أمام النشاطات الاقتصادية، ويسعى إلى خلق الانطباع لدى الأميركيين، وخاصة قاعدته الضيقة، بأن الاقتصاد المنكمش الذي رمى حوالي أربعين مليون أميركي في هوة البطالة، سوف يعود مزمجرا من جديد وتدفعه حيوية كانت محبوسة لأشهر وسوف تعبر بالاقتصاد إلى مرحلة باهرة ومزدهرة. طبعا هذه الصورة الوردية تتعارض مع تقويم الأكثرية الساحقة من الخبراء الاقتصاديين، الذين يتوقعون مرور سنوات قبل عودة العافية إلى الاقتصادين الأميركي والعالمي.

الرئيس ترامب يرفض استخدام القناع الواقي من فيروس كورونا، بحجة أنه يخضع دوما لاختبار طبي وأن النتائج دائما سلبية. ولكن السبب الحقيقي لرفضه لبس القناع هو غروره، وادعائه بأن لبس القناع يعكس الضعف، وأنه لا يريد أن يتم تصويره مختبئا وراء القناع. العديد في قاعدة ترامب رحبوا بهذا التحدي للسلطات الطبية والعلمية، خاصة وأن هناك حركة يمينية وتؤمن بنظريات المؤامرة ترفض كل الإنجازات الطبية وخاصة في مجال تطوير اللقاحات ضد الأوبئة. وترامب لا يريد أن يتحمل مسؤولية قيام مواطنين عاديين بما يفعله رئيسهم، مثل عدم استخدام القناع الواقي، أو استخدام أدوية ضد فيروس كورونا يقول الأطباء إنها لا تفيد في مكافحة جائحة كورونا، لا بل لها مضاعفات سلبية وربما قاتلة.

منذ بداية الجائحة والرئيس ترامب يخفق المرة تلو الأخرى في إظهار تعاطف حقيقي ومباشر مع الضحايا وأحبائهم. ترامب النرجسي، والذي ينظر إلى كل شيء، وكل علاقة بغض النظر عن نوعها على أنها علاقة تعاقدية يجب أن تخدمه شخصيا وفقا لحسابات الربح والخسارة، غير قادر ذهنيا وعاطفيا على التعبير عن تضامن وتعاطف حقيقيين مع الضحايا، أي ضحايا. 

الأميركيون يعرفون رؤسائهم العظام مثل جورج واشنطن وأبراهام لينكولن وفرانكلين ديلانو روزفلت، وهم قادة صهرتهم الحروب، عبر مواقفهم الإنسانية والوطنية الحقيقية من ضحايا الحروب، من تعاطفهم الصادق والنبيل مع معاناة وتضحيات الأميركيين العاديين، ومن تضحياتهم هؤلاء الرؤساء وآلامهم خلال قيامهم بمهامهم التاريخية ودون الإشارة إليها. 

وفي العقود الأخيرة، رأينا رؤساء أميركيين، ليسوا حتما بمكانة الرؤساء الثلاثة العظام، يرتفعون إلى مستوى المسؤولية في مواجهة كوارث من صنع الطبيعة أو الإنسان. الرئيس رونالد ريغان تحدث بلغة شعرية وإنسانية عن خسارة ملّاحي المركبة الفضائية تشالنجر. الرئيس بيل كلينتون، تحدث عن الخسارة الوطنية والإنسانية لضحايا تفجير أوكلاهوما سيتي على أيدي إرهابيين أميركيين، ودعا إلى نبذ الخوف والحقد. الرئيس جورج بوش الابن، دعا إلى توحيد البلاد للوقوف بوجه إرهاب تنظيم "القاعدة"، وحذّر من خطأ تحميل المسلمين مسؤولية إرهاب قامت به فئة تدعي أنها مسلمة. 

يعتبر عيد ذكرى ضحايا الحروب، مثله مثل عيد الشكر من أهم الأعياد الوطنية وغير الدينية في الولايات المتحدة. العيد يمثل أيضا البداية غير الرسمية لفصل الصيف

الرئيس باراك أوباما، الذي شهدت ولايتيه أعمال عنف رهيبة استهدفت أطفالا وطلابا ومصلين، كان يتحدث بقلب مليء بالأسى عن الضحايا وضرورة التغلب على الحقد والعنصرية، ولم يكن يخجل من ذرف دمعة أو أكثر خلال تأبين الضحايا. وخلال تأبينه لتسعة مصلين من أصل أفريقي قتلهم شاب عنصري أبيض في يونيو 2015 في ولاية ساوث كارولينا، توقف أوباما في منتصف كلمته، ثم بدأ بهدوء وبصوت خافت غناء ترتيلة Amazing Grace  وهي ربما أجمل ترتيلة مسيحية باللغة الإنكليزية، وحول المصلين إلى جوقة تغني بصوت واحد عن النعمة المدهشة والمحبة والغفران. لا توجد هناك أي لحظة مماثلة لترامب، وإذا لم يجلب مثل هذه اللحظة مئة ألف ضحية أميركية، فلن يجلبها أي شيء آخر.

قبل يومين، وجّه ترامب للأميركيين كلمة مقتضبة حول ضرورة فتح الكنائس للمصلين وغيرها من دور العبادة، مدعيا أن دور العبادة توفر "خدمة ضرورية" للأميركيين، وأن بعض حكام الولايات سمحوا باستئناف خدمات دنيوية وغير ضرورية ولكنهم يريدون حرمان المؤمنين من التعبير عن إيمانهم في الكنائس. 

طبعا، ترامب المعروف بأنه غير متدين، ولا يعرف حتى التعاليم الأساسية للمسيحية، كان يتوجه إلى المسيحيين الإنجيليين المتشددين الذين يمثلون جزءا رئيسيا من قاعدته. الرئيس ترامب لم يفعل ما فعله قبله الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي وصف نفسه "بالرئيس المؤمن"، مع أنه اقترب كثيرا من الإعلان عن مثل هذا الادعاء. ولكن ما الذي فعله صباح الأحد؟ هل توجه إلى الكنيسة القريبة من البيت الأبيض للصلاة؟ هل تحدث أو "غرّد" كما يغرد يوميا حول كل شيء تحت الشمس؟ أو ذكر المئة ألف ضحية؟ صباح الأحد غادر موكب كبير البيت الأبيض حاملا الرئيس ترامب إلى نادي الغولف الذي يملكه في ولاية فيرجينيا المحيطة بالعاصمة، وشوهد ترامب وهو يلوّح بعصاه على قرب من غيره من اللاعبين والمرافقين دون أن يرتدي القناع كما يدعو الخبراء في شؤون الصحة العامة.

خلال الأسابيع الماضية، كل قرار اتخذه ترامب، أو كل تصريح أدلى به، أو تغريدة أطلقها في الفضاء الافتراضي، موجهة لخدمة فرصه بالفوز بولاية ثانية. وفي تغريداته الغاضبة يوم الأحد استهدف ترامب خصومه الديمقراطيين مثل رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، التي سخر من شكلها، ومن وزن ستايسي آبراز التي تعتبر من بين المرشحات لمنصب نائب الرئيس في حملة جوزف بايدن، وكأنه لا يوجد هناك طاعون حديث يعيث الخراب بالبلاد. 

غضب ترامب يعكس إحباطه لأن مختلف استطلاعات الرأي على المستوى الوطني تبين أن المرشح الديمقراطي بايدن متقدم على ترامب بنسب تتراوح بين 4 و11 بالمئة، وأن أكثرية من الأميركيين تصل أو تزيد عن 60 بالمئة تقول إن مواقف بايدن تجاه جائحة كورونا جدية أكثر من مواقف ترامب. 

طبعا في هذا الوقت في الحملة، في 2016 أظهرت استطلاعات الرأي أن المرشحة هيلاري كلينتون كانت متقدمة على منافسها ترامب. ولكن أداء ترامب الرديء في التعامل مع جائحة كورونا وخاصة في الأسابيع التي تلت الكشف عن الجائحة كلفت الولايات المتحدة الكثير، ومن المرجح أن تكلف ترامب الرئاسة في الخريف.

مختلف استطلاعات الرأي على المستوى الوطني تبين أن المرشح الديمقراطي بايدن متقدم على ترامب

الاستطلاعات الأهم في هذه المرحلة المتقدمة في السباق هي استطلاعات ولايات ما يسمى "ساحات المعارك" أي الولايات المتأرجحة وغير المضمونة مسبقا لأي من المرشحين. وفي بعض هذه الولايات المحورية التي انضمت إلى معسكر ترامب في 2016 بمعدلات بسيطة مثل بنسلفانيا وميتشغان وفلوريدا، تبين استطلاعات الرأي أن بايدن متقدم في هذه الولايات. 

اللافت هو أن المرشح الديمقراطي جوزف بايدن، الذي يخرج على الأميركيين بمقابلات تلفزيونية أو نشاطات إلكترونية من قبوه، لم يطور حتى الآن برنامجا حزبيا جذابا، وهو لا يعتبر مرشحا أو خطيبا جيدا، لا بل هو معروف بكبواته اللغوية، أو كما يقول الأميركيون في تعبير جميل حول الإنسان الذي "يتفركش" بلسانه: يضع حذائه في فمه. 

وقبل أيام وضع بايدن جزمته بأكملها في فمه، حين قال غاضبا خلال مقابلة مع إذاعي أميركي من أصل أفريقي معروف بأسئلته القوية، "إذا كان لديك مشكلة حول ما إذا كنت ستصوت لي أم لترامب، إذن، أنت لست أسود". وكعادته، بعد كل كبوة لفظية، اعتذر بايدن عما قاله، خاصة وأنه كان هناك استهجان واسع في أوساط الأميركيين من أصل أفريقي. ولولا وقوف الأميركيين من أصل أفريقي وراء بايدن، لما كان قد نجح في الحصول على أغلبية المندوبين في الانتخابات الحزبية. 

مؤيدو بايدن من مختلف الخلفيات يقولون إنه على الرغم من كبواته التي تجعله أحيانا يبدو وكأنه العدو اللدود لنفسه، فإنهم سيصوتون له لأنه لن يضللهم ولأنه سيخدم مصلحة البلاد ويعيد للولايات المتحدة علاقاتها الخارجية ومكانتها السياسية في العالم. وبالنسبة لعدد كبير من الأميركيين وفقا لاستطلاعات الرأي وغيرها من المعلومات المتوفرة من مصادر عديدة، سوف يتصرفون وكأن الانتخابات هي استفتاء على كيفية تعامل ترامب الكارثي مع كارثة جائحة كورونا.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.