A handout picture released by the local news site Suwayda 24 shows Syrians chanting anti-government slogans as they protest the…
من تظاهرات السويداء التي رفعت فيها شعارات منددة بالفساد ودعت إلى مغادرة القوات الإيرانية والروسية

منذ اندلاع الثورة السورية، حرص المحور الدولي والإقليمي الداعم للنظام السوري على الحفاظ على ما يسميه هيبة الدولة، وبذل جهدا عسكريا ودبلوماسيا من أجل تحقيق ذلك، وتأمين السيطرة على مساحة جغرافية تمكّن هذا النظام من فرض هيبته أو هيبة دولته المزعومة. 

اعتقد هذا المحور أن هذا الحيّز الجغرافي المستقر أمنيا وسياسيا سيكون مفيدا له في مرحلة ما بعد القضاء على الثورة، وإعادة احتلال الأجزاء التي خرجت عن سلطة النظام ضمن مشروع أطلق عليه تسمية "سوريا المفيدة".


صدمة هذا المحور ومن يقاتل في صفوفه أن سوريا المفيدة لم تعد كذلك، بل هي مضرة على مستقبل نفوذه في سوريا التاريخية، بعد سقوط سوريا الأسد، خصوصا أنه تأخر كثيرا قبل أن يستيقظ على الفخ الذي نصبته له واشنطن منذ أن أخذت القرار بعدم تعطيل هذا المشروع الذي سخرت طهران وموسكو إمكانياتهما المالية والاقتصادية وطبعا العسكرية في سبيل تحقيقه.

أزمة سوريا المفيدة سياسيا، أن سوريا الأخرى المفيدة اقتصاديا تستحوذ على قرابة 70 في المئة من الثروة الوطنية

لكن روسيا وإيران لم تنتبهان إلى تضاؤل الجدوى السياسية من هذا المشروع، حتى فقد أهميته السياسية تحت وطأة عوامل سياسية خارجية تخص رعاته، وعجزهم على مواجهة قانون "قيصر" الأميركي. بالإضافة إلى هذا، فإن المشروع المقابل، الذي يمكن تسميته افتراضيا سوريا المفيدة اقتصاديا، تسيطر عليها واشنطن وأنقرة وما تبقى من المعارضة المسلحة، وهو ما يملك أغلب مقدرات الدولة السورية.

أزمة سوريا المفيدة سياسيا، أن سوريا الأخرى المفيدة اقتصاديا تستحوذ على قرابة 70 في المئة من الثروة الوطنية. فمحافظة إدلب الشهيرة بإنتاج زيت الزيتون إضافة إلى الأشجار المثمرة التي يقدر البعض أنها تمتلك ملايين الأشجار في أراضيها الزراعية، هي بالكامل تحت الإدارة التركية التي تسيطر على حركة الاستيراد والتصدير فيها إضافة إلى استخدام العملة التركية بدل العملة السورية. كما تمتاز إدلب بإنتاجها لكميات كبيرة من الخضروات، ووفقا لبعض الأرقام يوجد في محافظة إدلب أكثر من 14 مليون شجرة زيتون وتقدر نسبة المحافظة في هذه الزراعة 70 في المئة من الإنتاج العام في سوريا.

أما في المناطق الشرقية تسيطر الولايات المتحدة بمساعدة فصائل كردية على مناطق شاسعة شرق الفرات الغنية بالثروات الطبيعية حيث يوجد أكثر من 70 في المئة من النفط والغاز إضافة إلى حقول القمح، وهي خارج سيطرة النظام ولا يستفيد منها اقتصاديا، بل فرضت عليه اللجوء إلى الأسواق الخارجية من أجل تغطية حاجته من الطاقة والحنطة.

عمليا السلة الغذائية لسوريا ومصادر الطاقة خارج سيطرة النظام، ما يحول سوريا المفيدة سياسيا الخاضعة للاحتلالين الروسي والإيراني في مرحلة تطبيق عقوبات "قيصر" إلى عبء عليهما، كما أنهما لا يملكان الموارد الكافية لمساعدة النظام على الصمود، خصوصا أنهما يعانيان أصلا من أزمات مالية.  

تستمر طهران، المغامرة بمستقبل لبنان من أجل حماية الأسد، بدعوتها السوريين إلى تطبيق نموذج الصبر الاستراتيجي في مواجهة العقوبات

فسعر صرف الروبل الروسي والتومان الإيراني يتهاوى تحت ضغط العقوبات الأميركية وتراجع أسعار النفط وجائحة كورونا. والبلدان مهددان بركود اقتصادي يهدد استقرارهما، ولم يبق لديهما إلا النافذة اللبنانية الهشة من أجل تحصين نظام الأسد ورفده بالعملة الصعبة قبل صدور المراسيم التطبيقية الكاملة لقانون "قيصر" في السابع عشر من الشهر الحالي، والذي سيؤدي، في حال استمر الشقيق اللبناني بتزويد النظام بالعملة الصعبة، إلى انهيار غير مسبوق في سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.

تراقب موسكو عودة التظاهرات داخل حدود سوريا المفيدة، وهي تعاني أصلا من صراع داخل المنظومة الحاكمة وتباين مع الشريك الإيراني حول العديد من الملفات التكتيكية بالرغم من التوافق الاستراتيجي المكلف، لكنهما لا يملكان حلا ينقذ ما تبقى من نظام عجز عن اختيار رئيس لحكومته يملك الحد الأدنى من الإمكانيات لمواجهة المرحلة. 

أما رأس النظام السوري فيبقى منشغلا بإعادة ترتيب جهازه الأمني والعسكري على خلفية خلافه الأخير مع ابن عمته، رامي مخلوف، من أجل ضمان ولاءات بيئته الطائفية، فيما تستمر طهران، المغامرة بمستقبل لبنان من أجل حماية الأسد، بدعوتها السوريين إلى تطبيق نموذج الصبر الاستراتيجي في مواجهة العقوبات.

يشكل قانون "قيصر" ضربة موجعة لسوريا المفيدة، ويفتح الباب واسعا حول النقاش بجدوى بقاء الأسد والنظام عندما تصبح ضريبة خروجه أقل كلفة من ضريبة بقائه.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.