A handout picture provided by the Saudi Royal Palace on November 20, 2019, shows Crown Prince Mohammed bin Salman upon his…
أيهما أعلى كلفة على الولايات المتحدة، صداقة الرجل أم خصومته؟

ثمة ما يشير إلى "بداية نهاية" حرب تحطيم أسعار النفط التي أعلنها ولي العهد السعودي محمود بن سلمان على روسيا، وإذا كان من السابق لأوانه الجزم بـ "كيف" و"متى" ستضع هذه الحرب أوزارها، وما إذا كانت الأطراف المتورطة فيها، ستتوصل إلى "تهدئة طويلة الأمد" أم إلى اتفاق "خفض تصعيد"، فإن من المؤكد أن دخول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الأزمة، وبكل ثقلها، ربما يكون قد أوقف مزيدا من الانزلاقات من حافة الهاوية إلى قعرها.

لست هنا بصدد "التورط" في تقديم تحليل حول النفط وأنماط الإنتاج وسلاسل البيع والتصدير، وآليات عمل سوق الطاقة، فتلك مهمة تقع خارج دائرة اختصاصي، لكنني أجد نفسي مدفوعا للإجابة على سؤالين اثنين، تثيرهما الانهيارات المتلاحقة، في أسعار النفط ومشتقاته: الأول؛ ويتعلق بدوافع القرار السعودي وأسبابه ومدى "عقلانيته"... والثاني؛ ويتصل بعلاقة الإدارة الأميركية بولي العهد السعودي، وما إذا كانت كلفة صداقتها له، قد تخطت كلف خصومته، كما ألمح لذلك، غير مسؤول وأكثر من صحيفة أميركيين.

يشبه قرار حرب تحطيم أسعار النفط، الذي اتخذه ابن سلمان قبل بضعة أسابيع، قراره شن "عاصفة الحزم" على اليمن قبل خمسة أعوام... كلا القرارين اتسما بالانجراف نحو "مغامرة غير محسوبة"، وافتقدا للرؤية والروية، وكلاهما تسبب بكوارث إنسانية واقتصادية ومالية، ومفاعليهما تخطت قدرة الولايات المتحدة، الحليف والضامن للمملكة وولي عهدها، على التحمّل والاحتمال.

صحيفة "واشنطن بوست" لخصت المسألة بكلمات قليلة: محمد بن سلمان "لاعب غير موثوق على الصعيد الدولي"، أما عضوا الكونغرس دان سوليفان (جمهوري) وكيفين كريمر (ديمقراطي)، فقد ذهبا إلى أبعد من ذلك، حين شرعا في إعداد مشروع قانون يقضي بمحاسبة السعودية (يُضاف إلى قانون جاستا) إن لم تتراجع خطوة إلى الوراء في حرب الأسعار، تحت طائلة إعادة النظر بالعلاقة "الاستراتيجية" معها، وسحب القوات الأميركية من المملكة، لتُترَك مكشوفةً أمام التهديدات والأخطار.

السعودية غير قادرة على وضع حد للحرب في اليمن بالقوة العسكرية، ولكنها في المقابل، تبدو شديدة التردد في التجاوب مع مبادرات التهدئة والتسوية

المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية قال إن "الرياض تسيء لنفسها عندما تختار إغراق سوق النفط"... كثرة كاثرة من المحللين وخبراء الطاقة، قالوا بأن المملكة أطلقت النار على أقدامها، فلا هي قادرة على السير قدما على هذا الطريق المكلف عليها أكثر من غيرها، ولا هي قادرة على التراجع، من دون سلالم وشبكات أمان، باعتبار أن قرار حرب الأسعار، يرتبط بشخص ولي العهد وسمعته وكبريائه، والأهم بصراعه المحموم على العرش مع بقية مراكز القوى السعودية، داخل العائلة وخارجها.

لقد قيل الكثير في محاولة تفسير قرار "حرب الأسعار"، وسبر أغوار العقلية التي صدر عنها وحيثياتها... بعضهم اقترح "أن غرفة عمليات أميركية ـ سعودية" كانت وراء القرار، وأن الهدف الرئيس هو تحطيم صناعة النفط الروسية، وإلحاق مزيدٍ من الأذى باقتصادي إيران وفنزويلا... 

وتفترض هذه النظرية أن "لعبة عض الأصابع" التي دشنها ولي العهد ضد "القيصر" كان يفترض أن تنتهي بإقدام الأخير على الصراخ أولا... لكن ما لحظه المراقبون هو أن الصرخة الأولى صدرت عن طرف ثالث، هو الولايات المتحدة، التي استفاقت على خطر إفلاس صناعتها النفطية وانهيارها.

صحيح أن حملة الرئيس ترامب الانتخابية، تابعت بارتياح هبوط أسعار "غالون البنزين" في السوق الأميركية، باعتباره محركا لكثير من الناخبين للتصويت لصالح الرئيس/المرشح، لكن خروج اللعبة عن قواعد السيطرة، وقدرة روسيا على "الصمود" في هذه الحرب، وربما لسنوات وليس لأشهر قليلة قادمة، سيفضي من دون ريب، إلى انقلاب السحر على الساحر، وسيحدث أثرا عكسيا على "الحملة الانتخابية" لا سيما في زمن الجائحة المعروفة باسم "كورونا"، وعلى عتبات أزمة ركود اقتصادي عالمي، باتت تُقَارن بأزمة 1929، وليس بأزمة 2008.

قاد ذلك آخرين للقول، إنها حرب "القيصر" على الولايات المتحدة، ردا على منظومة العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب على صناعة النفط الروسية، بل أن البعض لم يستبعد أن تكون "لعبة حرق الأسعار" منسقة بين الرياض وموسكو... 

الأولى ردا على خذلان واشنطن لها في مواجهة إيران والثانية ردا على العقوبات الأميركية، وهي الفرضية التي تراجعت سريعا، ما أن انتهى الرئيس الأميركي من إجراء مكالمة جادة مع ولي العهد السعودي، أدت إلى مبادرة الرياض للدعوة لاجتماع طارئ لمجموعة "أوبك +" للبحث في سبل وقف الانهيارات.

سعوديون معارضون كثر، رجّحوا أن يكون القرار النزق بشن "حرب الأسعار"، قد صدر في لحظة غضب وانفعال، وكتعبير عن رغبة غير محسوبة بالانتقام، ورأوا أن هذا هو التفسير الأقرب إلى شخصية ولي العهد ونظرته لنفسه، وطريقته في إدارة شؤون الحكم والدولة والسياسة الخارجية، بل وفي صياغة قرار الحرب والسلام، مذكرين مرة أخرى بالحرب على اليمن والغرق السعودي في مستنقعها المستمر منذ خمسة أعوام، ومن دون أن تلوح في الأفق بوادر حل سياسي أو حسم عسكري.

أياً يكن السبب وراء قرار شن "حرب الأسعار"، فإن الجدل الذي أثاره القرار، وتحديدا في الولايات المتحدة، يعيد إلى الواجهة سؤالا قديما متجددا، يَظهر عند كل منعطف، حول جدوى الاحتضان الأميركي لولي العهد السعودي وكلفة هذا الاحتضان على صورة واشنطن ومكانتها ومنظومتها الأخلاقية والقيمية، بل وعلى مصالحها المباشرة والبعيدة كذلك.

فالولايات المتحدة في مسعاها لوقف الحرب في اليمن، تصطدم بإصرار ولي العهد على الوصول إلى "تسوية" تضعه في موقع "المنتصر" بينما هو في الميدان وعلى الأرض، ليس كذلك أبدا، لا سيما بعد التطورات الأخيرة في شمالي اليمن (اقتراب الحوثي من مأرب) وفي جنوبه "حروب الأخوة الأعداء"، وتحول العمق السعودي إلى ساحة من ساحات الحرب والمعارك... 

السعودية غير قادرة على وضع حد لهذه الحرب بالقوة العسكرية، ولكنها في المقابل، تبدو شديدة التردد في التجاوب مع مبادرات التهدئة والتسوية التي يطرحها الموفد الدولي ووسطاء آخرون، وهي فوق هذا وذاك، عاجزة عن إطلاق مبادرتها السياسية الخاصة للحل النهائي لأسوأ كارثة من صنع الانسان في تاريخ البشرية... والمؤسف حقا، أن "جائحة كورونا"، لم تزحزح الموقف السعودي، ولم تغير في محدداته أو تبدل في أولوياته.

سعوديون معارضون كثر، رجّحوا أن يكون القرار النزق بشن "حرب الأسعار"، قد صدر في لحظة غضب وانفعال

والولايات المتحدة ضاقت ذرعا بأزمة الخليج والحصار المفروض من دول "الرباعي العربي"، بقيادة السعودية، على قطر، وهي قدمت مبادرات للحل، اصطدمت جميعها بإصرار ولي العهد على الخروج من الأزمة منتصرا على دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، وفرض شروطه وإملاءاته عليها... 

هنا أيضا يبرز السؤال حول أثر "المغامرة غير المحسوبة" في صنع القرارات الكبرى والصغرى في المملكة، التي اشتهرت تاريخيا، بدبلوماسيتها المحافظة والهادئة والرتيبة، وانتقالاتها البطيئة والمترددة من موقع إلى موقع ومن سياسة إلى أخرى.

والولايات المتحدة، تتابع بلا شك، وربما بكثير من الحرج، كيف يدير الأمير الشاب الشأن السعودي الداخلي، ولا شك أن تقارير "خارجيتها" و"مخابراتها" تطفح بالمعلومات عن اعتقالات أمراء العائلة (بعضهم من أخلص حلفائها)، ورجال دين وفكر ونشطاء وناشطات ورجال أعمال وغيرهم... لكنها مع ذلك، لم تفعل ما يكفي لوقف هذه الانتهاكات، حتى صدق قول كثير من المعارضين السعوديين بأن حماية الإدارة الأميركية لمحمد بن سلمان بعد جريمة اغتيال جمال خاشقجي، شجعه على تشديد قبضته الأمنية والبطش بخصومه ومجادليه، من داخل الأسرة الحاكمة وخارجها.

هو سجل حافل بالمواقف المتهورة والقرارات غير المحسوبة لولي العهد الشاب، ذات الأثر "الثقيل" على واشنطن، وليس قرار "حرب الأسعار" سوى فصل واحد منها، الأمر الذي يبرر طرح السؤال: أيهما أعلى كلفة على الولايات المتحدة، صداقة الرجل أم خصومته؟

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.