President Donald Trump listens during a briefing on counternarcotics operations at U.S. Southern Command, Friday, July 10, 2020…
في العام 2016، فاجأ ترامب الكثيرين بفوزه في الانتخابات

سبعة أسابيع تفصل الجمهوريين عن مؤتمرهم الحزبي في فلوريدا لترشيح دونالد ترامب رسميا لولاية ثانية، وحظوظ الرئيس الأميركي تتراجع للبقاء في البيت الأبيض أمام تقدم الديمقراطيين ومرشحهم جوزيف بايدن.

وباء كورونا وجلوس أميركا على قائمة الدول في عدد الحالات (أكثر من ثلاثة مليون إصابة) إلى جانب التشنج العنصري والتراجع الاقتصادي في البلاد، يتصدرون هموم الناخب الأميركي المستقل والذي يعود له تقرير اسم الرئيس المقبل. فالناخب الحزبي، الديمقراطي أو الجمهوري، لا يكفي لتحديد الرئيس المقبل. في معظم هذه الملفات، يتراجع تأييد ترامب إذ يتهمه خصومه بأنه تأخر في مكافحة كورونا، وأخفق في التعامل مع الشرخ العنصري، والأهم هو أن نسبة البطالة في أميركا تصل إلى 11 في المئة، أي تقريبا ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في 2016 (4.7 في المئة؜) حين فاز ترامب بالانتخابات.

أمام هذه الأزمات، تجد حملة ترامب صعوبة بإلصاق أي تهمة وتركيز أي هجوم على بايدن، عدى محاولة تصويره كشخص غير قادر على التركيز، بسبب نسيانه وتلعثمه

في العام 2016، فاجأ ترامب الكثيرين بفوزه في الانتخابات. لكن الصورة اليوم لم تعد كالسابق. الصورة اليوم اختلفت، خصوصا في الحزب الديمقراطي. فالحزب لا يعاني الانقسام الذي عاناه حينها بين هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، إذ اصطف الحزب الأزرق خلف بايدن، ليس تيمنا بنائب الرئيس السابق، بل لمعارضتهم لترامب. وفي العام 2016، عانت كلينتون من قضية الاعتداء على السفارة الأميركية في بنغازي، وتسريبات بريدها الإلكتروني، واليوم فإن أي ملفات يطال بايدن ليس بالصلابة كملفات كلينتون، لكن هناك قضايا ساخنة لترامب، من أبرزها الكتب التي تطاله وطريقة حكمه وملف الضريبي.

وأمام هذه الأزمات، تجد حملة ترامب صعوبة بإلصاق أي تهمة وتركيز أي هجوم على بايدن، عدى محاولة تصويره كشخص غير قادر على التركيز، بسبب نسيانه وتلعثمه. فتصويره وكأنه مقرب من الصين لم ينجح، والتشكيك بقدراته العقلية لم يفلح، بسبب تركيز الرأي العام على سيل الأزمات التي تعصف بالولايات المتحدة. كما أن صورة "العم جو" الذي قد يصبح الرئيس الأكبر سنا (78 عاما) في حال فاز في 3 نوفمبر، ترتبط برفقته لباراك أوباما والتعاطف مع عائلته بعدما خسر زوجته الأولى وطفلته في حادث سير في 1972 وخسر ابنه لمرض السرطان في 2015.

مشكلة ترامب الانتخابية تتلخص اليوم بتعدد خصومه وأزماته. فهو على خلاف مع خط الوسط داخل حزبه، ومع المحكمة العليا، ومع حركة "بلاك لايفز ماتر" وحتى مع تيار من الأطباء الذين ينذرون اليوم من انزلاق أميركا من موجة إلى أخرى في التعاطي مع كورونا. ومن أبرز تجليات هذه الأزمة أن يمنع الاتحاد الأوروبي دخول الأميركيين بسبب أرقام كورونا هو مؤشر على حجم أزمة الولايات المتحدة.

في نظام الكليات الانتخابية، مصير ترامب وبايدن لن يتضح في الاستطلاعات العامة بل تلك في ولايات حاسمة تتركز اليوم جنوبا في فلوريدا وكارولينا الشمالية، غربا في أريزونا، وسطا في أوهايو وويسكونسن، وشرقا في بنسلفانيا وميشيغان. اليوم وقبل 116 يوما على التصويت تعطي الاستطلاعات تقدما لبايدن في جميعها ما عدا أوهايو وفي ذلك مفارقة مع 2016 وحيث كانت الأرقام أكثر احتداما. وفي هذه الولايات تحديدا، ستقرر ضواحي المدن اسم الرئيس المقبل، ووهي بمعظمها من النساء التي تميل اليوم لمصلحة بايدن، بعد أن انتخبت ترامب في العام 2016.

أزمات كورونا وملفات البطالة والعنصرية تغطي على أي تطور يحدث في إيران أو إسرائيل أو كوريا الشمالية

الجزء الآخر من انتخابات 2020، هو مجلس الشيوخ، إذ أن قدرة الحزب الجمهوري على الحفاظ على الغالبية التي حققها في العام 2011، مثار تساؤل حقيقي، خصوصا وأن هناك 23 مقعدا جمهوريا تجري الانتخابات عليها، في مقابل 13 مقعدا ديمقراطيا. فحتى الشخصيات الوسطية مثل السناتورات سوزان كولينز في ولاية ماين وجوني إرنست في ولاية أيوا هي مهددة بالخسارة، وهي تعد من المقربات من ترامب. ويحتاج الديمقراطيون لقلب ثلاثة مقاعد للفوز بمطرقة الشيوخ ما سيحمل تداعيات جمة على قضايا داخلية بينها المحكمة العليا.

انتخابات 2020 الأميركية ليست حول القضايا الخارجية وحتما ليست حول القضايا الشرق الأوسطية. فأزمات كورونا وملفات البطالة والعنصرية تغطي على أي تطور يحدث في إيران أو إسرائيل أو كوريا الشمالية. وفيما الكثير قد يتغير في الأربعة أشهر المتبقية للسباق، المعطيات الثابتة اليوم توحي بأزمة انتخابية جدية لترامب قد تجعله الرئيس الأميركي السادس في تاريخ البلاد ليخسر الولاية الثانية؛ إلا إذا حصل تحول كبير في الاقتصاد الأميركي يعيد إنعاش حظوظ ترامب، ويمكنه من تحقيق مفاجئة باستعادة أصوات المستقلين.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.