لم يكن الشكل المأساوي الذي انتهت به "حكاية" الناشطة المصرية سارة حجازي دلالة على فظاعة النظام السياسي الشمولي المصري فحسب. أبعد من ذلك، كانت الحادثة الأليمة استعارة ودلالة على بؤس عام، يلف شتى أشكال الحياة في منطقتنا: من صلافة أجهزة ومؤسسات وقوانين ورجال الدولة، مرورا بالأنماط المُركبة والتأسيسية لحضور العنف وسطوة القسوة في مجتمعاتنا، وليس انتهاء بهشاشة "النُخب" واهتراء الثقافة وهوان المعرفة، في نفس الحواضر.
قبل ثلاث سنوات، كانت الناشطة المصرية قد رفعت علم قوس قزح، لتُعتقل من قِبل السلطات المصرية احتياطيا لمدة ثلاثة شهور، تعرضت خلالها لأفظع أنواع التعنيف الجسدي والنفسي والاجتماعي، من عناصر "الأمن" والجهاز القضائي و"نظيراتها" في السجن، ثم وجهت إليها تهمة "الانضمام لجماعة محظورة تهدف لزعزعة ثوابت المجتمع"! الأمر الذي أصابها بكل أشكال الضغط النفسي والأذية الجسدية والاقتلاع الاجتماعي، وبالتالي أن تختار إنهاء حياتها "انتحارا"، قبل أسابيع قليلة.
في كل تفصيل من حكاية الناشطة حجازي، ثمة حضور مهول للـ"الدولة الوحشية"، التي هي أكثر غورا وثباتا وجبروتا من النظام السياسي الحاكم، الشمولي بدوره. إذ ثمة تحالف رهيب من المؤسسات والأجهزة والمواثيق المكونة لهذا الشكل من الدولة، لفعل ما فعلت، وما سوف تستمر بفعله مستقبلا.
أولا، ثمة مؤسسة قضائية جهازية، تعمل بشكل مبرمج وانعكاسي، كآلة ضخمة للقمع العام، دون أي حس أخلاقي أو قيمة روحية، وأولا دون أي وعي لأدوارها التاريخية في تثبيت أركان وأشكال الحريات السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية، التي أفرزت وحمت ودافعت على الدوام عن هذا الشكل من القضاء المدني الحديث، ومنتحته سلطته واستقلاليته ومكانته ورفعته الروحية، أي أن الحريات الاجتماعية والفكرية كانت الأب الموضوعي لهذا القضاء وسلطته.
سارة حجازي، ومثلها الكثيرون والكثيرات، إنما هم ضحايا موقع ودور وفاعلية الدولة وبناها
لأجل ذلك، كانت وما تزال الأنظمة القضائية الصحية تملك الديناميكيات والأدوات التي تمكنها من تطوير أداورها وحضورها وسلطتها في الحياة العامة على الدوام، لتكون فاعلة في تثبيت أركان الحريات الاجتماعية والمدنية والثقافية، ليس دفاعا عن قيم الحرية فحسب، بل دفاعا عن نفسها أولا. هذا الأمر/الشرط الذي لا تملك أي من المؤسسات والنخب القضائية في منطقتنا شروطه، بما في ذلك حالتا تركيا ومصر، حيث تنتمي الأنظمة القضائية في منطقتنا، بكل تفاصيلها ومناخاته، إلى العالم العثماني القروسطي، أكثر بكثير من ولائه وارتباطه بعالم الحداثة ومنتجاتها، الفكرية والروحية والاجتماعية.
إلى جانب القضاء، ثمة جهاز أمني مريع، ذكوري وعنيف ومعتد بنفسه بما لا يوصف. ذلك الجهاز الأمني الذي شيدته عقود طويلة من سطوة الدولة وغرورها وفوقيتها على المجتمع المصري، منذ أيام سلاطين المماليك "الغرباء" مرورا بدولة محمد علي وأولاده وأحفاده المترفين، وانتهاء بدولة عبد الناصر العسكرية ومن أتى من بعده.
كل هذه الأشكال من "الدولة" كانت قد شيدت نمطا محكما من الأجهزة الأمنية القمعية، وحصنتها عن أية معاقبة أو محاسبة أو حتى نقد وملاحظة، لأنها كانت أداة تلك الدول، الإقطاعية بجوهرها وفي علاقتها مع المجتمع المصري، لضبطه ومعاقبته، واجتراح امتثاله المطلق لهذه الدولة وأوامرها. وبالتالي وضعتها الدولة فوق المجتمع، قانونيا وقيميا، مما منحها عنف الاستثناء وجلافة الاعتداد بالذات.
إلى جانبهما، ثمة هضبة كبرى من القوانين والمواثيق والشرائع، المستندة بكليتها إلى مرجعيات ورؤى متلهفة للمراقبة والضبط والمعاقبة، والمتوجسة من نزعات الحريات الاجتماعية والجسدية والجنسية والفكرية والتعبيرية والسلوكية، لأنها تفكك وتفسخ من سلطة تلك القوانين وأدوارها.
طوال القرنين الماضيين، عملت الأنظمة القانونية الحديثة على تفكيك الأساس التقليدي لمنطق القانون العام الروماني "العُرف أساس القانون"، لتشيّد مكانه ديناميكية أكثر حيوية ورحابة وأنسنة "الحرية أساس القانون"، والذي على أساسه انبثقت الضمانات الدستورية والقانونية لكل أشكال الحريات الفردية والعامة. ذلك التحول/الطفرة الذي بقيت "الغابة القانونية" في منطقتنا بعيدة عنه، وفي أفضل الأحوال فقيرة به.
في الوعي الجمعي لهذه المجتمعات، خلا ما ندر، ثمة جسد وسلوك وفكرة عامة، لا مكان فيه ومعه لأية فردانية مخالفة، يمكن أن تمس "الطهرانية العامة"، حسب معتقدها
ثلاثي الدولة ذاك، القضاء والأمن والقانون العام، المتأتي من عالم أسطوري سحيق ومكين في ثقافتنا العامة، يعتبر أن الدولة، أياً كان جبروتها وذكوريتها وعنفها، إنما هي أولوية وبداهة مطلقة، ومطلوبة على الدوام كأساس للحياة. وأن نقدها وتحطيمها بنزعات الحريات الفردية والسلوكية والجسدية، إنما هو تحطيم للكل الجمعي، وبمعنى ما تحطيم للحياة وللأمان العام.
لأجل ذلك بالضبط، فإن سارة حجازي، ومثلها الكثيرون والكثيرات، إنما هم ضحايا موقع ودور وفاعلية الدولة وبناها. حيث إذ لم تتغير، تلك "الدولة"، فإن أي نظام سياسي، حتى لو ملك الإرادة السياسية لفسح المجال أمام مثل تلك الحريات، فإنه لن يتمكن إلا من تخفيف بعض القسوة، فحسب، لأن الدولة تملك كل المؤسسات والأجهزة والقوانين، وبالتالي "الشرعية"، لقمع ذلك.
♦♦♦
على الضفة الأخرى، أخبرت وكشفت لنا حكاية حجازي عن ذلك السيل المريع من الذكورة والعنف والمركزية والخطابية والمحافظة والشعبوية التي تطمر الرؤى والخيارات والتطلعات الاجتماعية في منطقتنا. فكمية ونوعية ردود الفعل على الحادثة في صفحات التواصل الاجتماعي قالت كل ذلك، وأكثر، بوضوح وصلافة لا مثيل لها، قالت أشياء مثل التكفير والتخوين وأحكام الرجم والبتر، وإن بكلمات أخرى، لكن بنفس المضمون. وهو أمر لم يكن غامضا في أي وقت، وإن كان مسكوتا عنه.
قالت تلك المناقشات المطولة ما معناه أن حرية الأفراد بأفكارهم وخياراتهم وسلوكياتهم وأجسادهم، وأيا كانت درجة حرصهم على أن تكون تلك الممارسات في مجالاتهم الأكثر ضيقا وذاتية، فإنهم يبقون معرضين لأنواع مركبة من التحرش والتنمر والتحطيم الاجتماعي.
ففي الوعي الجمعي لهذه المجتمعات، خلا ما ندر، ثمة جسد وسلوك وفكرة عامة، لا مكان فيه ومعه لأية فردانية مخالفة، يمكن أن تمس "الطهرانية العامة"، حسب معتقدها. فالجسد، بالنسبة لذلك الوعي الجمعي، ليس مجرد كتلة بيولوجية خاضعة ومعبرة عن خيارات الفرد وأفكاره ورؤيته لذاته ووجوده، بل ثمة ربط سيامي ومماثلة محكمة للجسد بالأديان والأساطير والميتافيزيقيات والهويات الجمعية والمكرسات الاجتماعية، وبالتالي ثمة كتلة ضخمة من التابوهات الاجتماعية التاريخية الراسخة التي تكونت حول الجسد، وحيث أن تحطيم ذلك المنطق المركزي، يعني تحطيم كل تلك العوالم والمعتقدات والمخيلات، التي ترسم صورة الوجود بالنسبة لهذه المجتمعات.
أفرزت تلك الديناميكية طبقة اجتماعية واسعة الانتشار، تستمد أفكارها حول ذاتها ورؤيتها للوجود، وبالتالي منظومتها الروحية والأخلاقية والسلوكية، من ذلك الربط بين الجسد وتلك العوالم.
هذه الطبقة المجتمعية، تبحث وتطلب وتتلهف على الدوام لملاقاة "الأعداء الوظيفيين". الذين هم مجموعة الأفراد المحطمين لتلك العلاقة الأسطورية بين الجسد وتلك العوالم الكبرى، المتطلعين للقول بأن الجسد وهوياته وسلوكياته وكيف التعامل معه، وحتى مصيره النهائي، إنما هو حق وجزء من الخيارات والرؤى والمعتقدات التي يؤمن بها صاحب الجسد، وليس المجتمع بعمومه ومعتقداته. تطلب تلك الطبقات المجتمعية هذا العدو الوظيفي لتحطمه، وبالتالي لتتمكن من إعادة تكوين ثقتها بنفسها وتشييد منظومتها "الأخلاقية" المتوهمة، وأولا لتمنح نفسها صك براءة مما قد فعلته من "خطايا" و"موبقات"، حسب معتقدها.
تخبرنا حكاية حجازي عن تلك "الخيانة الصامتة" التي ترتكبها النخب المعرفية والثقافية والفكرية والفنية، وحتى أفراد الطبقة الوسطى، من أبناء هذه المجتمعات، في مثل هذه المواقع والقضايا
هذه الطبقة المجتمعية كانت موجودة وفاعلة تاريخيا في مختلف المجتمعات، حيث كانت تسمى "الغوغاء"، وصارت في أزمنة لاحقة تنعت بـ"الشعبويين". لكنها تعرضت لأنماط محكمة من التشذيب والضبط والتربية العمومية في المجتمعات الحديثة. بالمقابل، نمت وتضخمت في مجتمعاتنا. لأسباب تعود لفشل العلوم الإنسانية في أن تكون جزء من منظوماتنا التربوية والقضائية والإعلامية والفكرية، وبالتالي في الكلام والوعي العام.
فهذه العلوم الإنسانية، بالذات علوم النفس والاجتماع والتاريخ، وبالرغم من تطوراتها الجوهرية وتحولاتها الدراماتيكية طوال القرن الماضي، إلا أنها بقيت ضامرة وقصية وغير مرئية في حياتنا العامة.
ولأجل ذلك، ثمة ضحالة في الوعي العمومي للمعارف الجسدية والنفسية، وآليات علاقتها ببعضها وما يناظرها ويشاركها مع أفراد وقوى وتأثيرات مجتمعية، وبالتالي فقرا شديدا في إمكانية التفريق بين الذات الفردية والذات الجمعية حيث يجب، مثل رحابة القبول بالفردانية والسلطة المطلقة على المجال الخاص والخيارات الاجتماعية والجنسية. وفعل العكس في أماكن أخرى، حيث يجب ربط الذات الفردية بالكل الجمعية، مثل أشكال التضامن الاجتماعي والنضال الطبقي والتوافق السياسي.
♦♦♦
على جنبات ذلك، تخبرنا حكاية حجازي عن تلك "الخيانة الصامتة" التي ترتكبها النخب المعرفية والثقافية والفكرية والفنية، وحتى أفراد الطبقة الوسطى، من أبناء هذه المجتمعات، في مثل هذه المواقع والقضايا.
هذه النُخب، بأغلبيتها، فضلت الصمت وغض النظر عن مثل هذه القضايا الجوهرية والشائكة، في غدر واضح لطبيعة هويتها النقدية وأدوارها الشجاعة، "المفترضة"، كسلطة وآلية لهدم المرتكزات المجتمعية والسياسية والثقافية. ففي قضية حجازي، ومثلها الكثيرات السابقات، فضلت هذه النُخب نوعا مركبا من الهدوء والمهادنة مع الطبقات المحافظة والتيارات الشعبوية، تثبتيا لمصالحها المادية ومواقعها الاجتماعية، ورضا السلطة عنها.
ثمة فيض من المنتجات الفنية والثقافية والمعرفية المصرية، التي تتناول القضايا العمومية المتوافق عليها مبدئيا بين النُخب المنتجة وعموم المتلقين، قضايا تناولت الأحوال السياسية والمعيشية ومسألة الإرهاب والعلاقات الإقليمية، لكن دون تتجرأ هذه النخب من ممارسة دورها في قول وطرح ومناقشة ما هو أبعد وأدق أكثر حساسية من ذلك، في تواطؤ ثلاثي واضح ومسكوت عنه، بينها وبين السلطة الحاكمة والطبقات المحافظة والتيارات الشعبوية.
سيأتي يوم ما، ولو بعد حينٍ طويل، ستقول فيه مؤسسات وأجهزة الدولة في منطقتنا، ومثلها الأغلبية المجتمعية المطلقة في بلدننا، سيقولون بداهة بسيطة عن الأفراد الذين مثل سارة حجازي: "لكنه جسدها وحدها، ولها الحرية المطلقة في فعل ما تشاء في فضاءها الخاص"، وفقط كذلك ستكون كامل الحكاية، لكن وقتئذ، وليس الآن.
