A handout picture provided by the Iranian presidency on July 1, 2020 shows President Hassan Rouhani attending by video…
الرئيس الإيراني حسن روحاني

أربعة تفجيرات في ظرف سبعة أيام ضربت إيران، اثنين منها في منشآت عسكرية ونووية؛ في ظل حذر رسمي وغموض داخلي وصمت خارجي حول وقوعها ومن يتحمل مسؤوليتها، وفي وقت تزداد حدة التشنج الإقليمي مع طهران وبين إدارة الرئيس دونالد ترامب والسلطات الإيرانية.

التفجيرات بدأت الجمعة الفائت شرق طهران وفي موقع "بارشين" العسكري حيث شوهدت كرة النار فوق الموقع في ظروف أوعزتها السلطات الإيرانية "لانفجار غاز صناعي" في موقع معروف بتطويره قدرات نووية وصاروخية وشهد تفجيرات في السابق. بعد الانفجار بثلاثة أيام، نقلت أسوشيتد برس معلومات عن تفجير جنوب إيران استهدف موكبا للحرس الثوري. التفجير ضرب سيارتين للحرس في إقليم سيستان-بلوشستان جنوبي شرق إيران، بالقرب من الحدود الباكستانية وأسفر عن إصابة قائد الحرس الثوري بالمنطقة.

يوم الثلاثاء أيضا أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني وقوع 19 قتيلا وعددا من الجرحى في انفجار ضرب مستشفى سيناء شمال العاصمة طهران ورجحت السلطات أن يكون أيضا سببه أنبوب غاز.

هذه المعطيات والتنافس الأمني بين إيران وخصومها مرجح بالاستمرار سواء فاز دونالد ترامب أو جوزيف بايدن في الانتخابات الأميركية

وجاء التفجير الأكثر غموضا فجر الخميس في موقع نطنز النووي، بالقرب من مدينة أصفهان في وسط إيران والذي تبنته في بيان بالفارسية لإذاعة "بي. بي. سي." البريطانية مجموعة أطلقت على نفسها اسم "نمور الوطن"، وزعمت بأن لها عناصر يعملون داخل أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية وأن التفجير من "الأهداف الأولى" لعملياتها.

أربعة تفجيرات في ظرف سبعة أيام رقم أكثر من إشكالي بالنسبة لإيران في عام أظهر ثغرات أمنية داخل الحرس الثوري وفي الهيكلية العسكرية الإيرانية. ولأن الطوق الداخلي يبقى مشددا في إيران يصعب حسم الجدل حول نظريات عدة عن سبب التفجيرات إنما أيضا يصعب التصديق أنها فقط أنابيب غاز. المعطيات السياسية التي يمكن رسمها من التفجيرات هي كما يلي:

1 ـ اتساع حرب الاستخبارات السرية بين إيران وخصومها: هذا قد يكون على شكل تفجيرات لا يتحمل أي طرف مسؤوليتها أو خروج مجموعات بأسماء غريبة مثل "نمور الوطن" لتتحمل المسؤولية. هذه الحرب تقليديا تدور بين إسرائيل وإيران أو الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وإيران على مدى إدارات وحكومات متعاقبة، وهي اشتدت في الأشهر الأخيرة مع شن طهران هجمات قرصنة إلكترونية على إسرائيل وأميركا وبريطانيا بعضها استهدف جهود التوصل للقاح لفيروس كورونا. ضرب منشآت نووية بشكل سري قد يكون أحد الردود على هذه الهجمات.

الخناق السياسي والاقتصادي المفروض على النظام إنما زاده تشددا وإصرارا على الورقة الأمنية وخيار التصعيد النووي

2 ـ هشاشة الوضع الداخلي الإيراني، فالثغرات الأمنية التي كشفت في العام 2020 من مقتل قائد الحرس قاسم سليماني إلى الإخفاقات في الرد، وصولا لتفجيرات الأسبوع المنصرم تعكس مشاكل في ضبط الوضع الداخلي ووجود خروقات استخبارية داخل النظام.

3 ـ سخونة المعركة الاستخباراتية بين إيران وإسرائيل والغرب: فالخناق السياسي والاقتصادي المفروض على النظام إنما زاده تشددا وإصرارا على الورقة الأمنية وخيار التصعيد النووي. وفيما تنتظر واشنطن موعد مجلس الأمن الدولي في 18 أكتوبر لتجديد حظر الأسلحة على إيران. الفشل في ذلك، وهو مرجح إزاء الرفض الروسي والصيني، سيعني عودة العقوبات الدولية المشددة على إيران واستمرار هذه المعادلة وقطبي التشدد بين إيران والغرب.

هذه المعطيات والتنافس الأمني بين إيران وخصومها مرجح بالاستمرار سواء فاز دونالد ترامب أو جوزيف بايدن في الانتخابات الأميركية. فتزايد نفوذ الحرس الثوري في إيران، وشبه انهيار الاتفاق النووي الايراني مقابل عجز الأوروبيين عن تقديم بدائل واحتدام التنافس بين الصين وأميركا ورفع طهران نسب التخصيب، يوحي بمرحلة شد حبال في المعترك الإيراني وحرب استخباراتية داخل وخارج المنشآت النووية لوقف مسار التسلح النووي واستغلال الثغرات الأمنية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.