Conspiracy theorist QAnon demonstrators protest during a rally to re-open California and against Stay-At-Home directives on May…
مناصرة لنظرية المؤامرة التي يسوقها مؤيدو ما يسمى بجماعة QAnon

أراقب الانتخابات الأميركية منذ 48 سنة، وأغطيها باهتمام كبير وأحيانا بولع للقراء والمشاهدين الذين يتحدثون العربية منذ أكثر من 35 سنة. كنت أستمتع بشرح تعقيدات الموسم الانتخابي الطويل، من الانتخابات التمهيدية، إلى المناظرات الصاخبة، إلى المؤتمرات الحزبية الوطنية بطقوسها الفولكلورية وخطبها الرنانة، مع التركيز الدائم على ديمقراطيتها وشفافيتها لقراء ومشاهدين يعيشون بمعظمهم في دول غير ديمقراطية. ولكن هذه هي المرة الأولى التي أغطي فيها الانتخابات بقلب مثقل بالقلق وحتى الخوف على مستقبل الديمقراطية الأميركية.

لم يحدث أن رأيت من قبل مثل الاستقطابات السياسية والثقافية والأيديولوجية التي نراها اليوم. ولم أر منذ وصولي إلى الولايات المتحدة في 1972 سباقا إلى البيت الأبيض يتسم بالمواقف المطلقة للطرفين اللذين يقولان للناخب الأميركي إن عليه عمليا أن يختار بين الخير والشر، بين الضوء والظلام. 

هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها المحللون والمؤرخون عن انتخابات يمكن أن تدفع المجتمع الأميركي المنقسم على نفسه إلى حافة الاقتتال. الحديث عن حرب أهلية، والذي نسمعه بين وقت وآخر غير مسؤول وغير دقيق لأسباب عديدة، ولكن ما هو صحيح وممكن هو احتمال حدوث أعمال عنف متفرقة يقوم بها أفراد أو جماعات صغيرة مماثلة لما حدث هذه السنة، أو ربما أكثر. 

ما يجعل الخلافات السياسية الراهنة أكثر خطورة من السابق، هو شيوع نظريات المؤامرة في المجتمع الأميركي بشكل غير معهود

هذه هي المرة الأولى التي يشكك فيها رئيس أميركي مسبقا بنزاهة وشفافية العملية الانتخابية ويرفض مساعدة الولايات على حل أي مشاكل أو تعقيدات إدارية أو تقنية لضمان صدقية الانتخابات كما يفعل الرئيس دونالد ترامب. وهذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها رئيس أميركي الالتزام مسبقا بقبول نتائج الانتخابات ومفهوم التبادل السلمي والديمقراطي للسلطة، كما يفعل الرئيس ترامب.

بعض التوترات الراهنة، وقسط كبير من السجال السياسي الراهن، ولجوء كل طرف، وخاصة الرئيس ترامب وأنصاره، إلى شيطنة الطرف الآخر، والتحذير من أن فوزه في الانتخابات يعني نهاية الديمقراطية في أميركا، كما يقول الكثيرون في معسكر المرشح الديمقراطي جوزف بايدن، أو انزلاق البلاد إلى الفوضى أو الحكم الاشتراكي كما يدعي ترامب وأنصاره، يذّكر بشكل عام، بالمناخ السياسي الداكن والخطير الذي ميّز خمسينيات القرن التاسع عشر، أي العقد الذي سبق الحرب الأهلية الأميركية. هذا قطعا لا يعني أننا مقبلون على حرب أهلية، ولكنه يعني وجود شرائح أو جماعات متطرفة، وبعضها مسّلح، تؤمن بطهارتها السياسية بطريقة مطلقة وترفض بالحدة ذاتها شرعية خصومها. وللمرة الأولى في تاريخ الانتخابات يقوم مرشح، في هذه الحالة الرئيس ترامب، بوصف منافسه بايدن بأنه "مجرم" يشرف على "مشروع إجرامي" عائلي.

السجال المطلق وشبه اللاهوتي بين ترامب وبايدن يدفع بأي مراقب إلى اليأس، باحتمال حدوث انتخابات خالية من الشغب. المرشح بايدن يرى أن ترامب أوصل البلاد "إلى مكان خطير"، وتساءل حول ما إذا كان رفض ترامب الالتزام المسبق بنتائج الانتخابات يمكن أن يزعزع المجتمع ويمكن أن يؤدي إلى العنف. من جهته يواصل ترامب تخويف الأميركيين من حكم الغوغاء في حال فوز بايدن بالانتخابات واستيلاء اليسار والاشتراكيين على السلطة ما يعني أنه "لن يكون هناك إنسان آمن". هذه المواقف تفسر رفض أعداد هامة من الناخبين في المعسكرين الاعتراف بشرعية الرئيس المنتخب، إذا لم يكن مرشحهم.

الاستقطابات الراهنة صعبة وخطيرة بحد ذاتها، ولكن خطورتها ازدادت لأنها تأتي في سياق جائحة خطيرة لم تشهد مثلها البلاد منذ أكثر من قرن، وجلبت معها أزمة اقتصادية تاريخية، فاقمها أكثر انفجار الاحتجاجات الشعبية على العنصرية المنظمة التي تمارس في مدن مختلفة من قبل بعض رجال الشرطة ضد مواطنين من أصل أفريقي. الاحتجاجات التي عقبت قتل جورج فلويد ـ الذي خنقته ركبة شرطي أبيض قبل أشهر في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا ـ أشعلت الحرائق في عدد من المدن الأميركية، التي لم تشهد مثل هذه الحرائق والعنف الذي صاحبها منذ حرائق 1968 التي عقبت اغتيال زعيم حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ.

ما يجعل الخلافات السياسية الراهنة أكثر خطورة من السابق، هو شيوع نظريات المؤامرة في المجتمع الأميركي بشكل غير معهود، وهذا يعود لأسباب عديدة من بينها سهولة تسويق هذه النظريات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبسبب وجود رئيس أميركي يؤمن بها أو على الأقل يؤمن بفعالية تسويقها واستغلالها لتعبئة وتخويف قاعدته.

هذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها رئيس أميركي الالتزام مسبقا بقبول نتائج الانتخابات ومفهوم التبادل السلمي والديمقراطي للسلطة

وجاء في استطلاع للرأي أن حوالي ثلث الحزب الجمهوري يؤمنون بنظرية المؤامرة التي يسوقها مؤيدو ما يسمى بجماعة QAnon المؤيدة لترامب والتي تدعي وجود نخبة معادية لترامب تسيطر على الدولة العميقة وتعمل على هزيمة الرئيس. هذه الجماعة تؤمن بأن الزمرة الحاكمة في البلاد مؤلفة من الذين يستغلون الأطفال جنسيا ومن عبدة الشيطان ويديرون شبكة عالمية للاتجار بالأطفال، وبأن الرئيس ترامب هو المنقذ الوحيد من خطر هذه المؤامرة. 

ووفقا لنظرية المؤامرة هذه فإن المعلومات حول هذه الزمرة الحكومية الخطيرة تأتي من مسؤول أميركي بارز ينشر هذه المعلومات ويوقعها بحرف Q. وكان مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) قد حذّر من أن  QAnon وغيرها من نظريات المؤامرة المماثلة لها "سوف تعزز من التوترات السياسية وأعمال العنف والإجرام". ولا يزال الرئيس ترامب يرفض إدانة هذه الجماعة ونظرية المؤامرة التي يسوقونها، ويدعي أنه لا يعرف الكثير عنها باستثناء عدائها للاستغلال الجنسي للأطفال. وفي السابق اكتفى بالقول بأن الجماعة تؤيده، وهذا أمر يرحب به.

بعد حوالي 4 سنوات من تشكيك الرئيس ترامب وأنصاره بالصحافة الحرة، وبالعلوم، (ترامب وصف الأخصائيين بمكافحة الأوبئة مثل جائحة كورونا "بالأغبياء") والحقائق، وبنزاهة المؤسسات والقضاء واستغلال ونشر نظريات المؤامرة، دفعت بالعديد من المواطنين الأميركيين إلى التساؤل حول ما هو صحيح، وما هو موثوق، وكيف يمكن التحقق من الحقائق؟

هذا هو المشهد الأميركي الراهن قبل ثمانية أيام من أهم انتخابات رئاسية منذ أكثر من نصف قرن، وهذا ما يحدث حين تصر قوى سياسية متطرفة على أن تحوّر الحقائق وترسم لنفسها وللعالم صورة نافرة للبلاد وكأنها تقول: هذه هي أميركا بالأسود والأبيض.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.