A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on April 1, 2020 shows Jordanian King Abdullah II (screen, L) and his…
اجتماع للحكومة الأردنية بتقنية الاتصال المرئي

سجل الأردن قصة نجاح عالمية في التعامل مع جائحة كورونا، وحظيت الحكومة لأول مرة منذ سنوات طويلة بثقة شعبية غير مسبوقة، وأصبح بعض الوزراء في حكومة الدكتور عمر الرزاز نجوما تتغزل السوشيل ميديا بهم.

بعد أكثر من شهر ونصف الشهر على إعلان حظر التجول في الأردن، وإعلان تدابير وإجراءات استثنائية تحد من مظاهر الحياة الطبيعية، بدأت قصائد المديح للحكومة تتلاشى وتختفي، وتعالت أصوات ناقدة بقسوة حتى من مُقربين محسوبين على الدولة، وهو ما فتح باب التكهنات، والأسئلة إذا ما كانت هذه الانتقادات تأتي تعبيرا عن ضيق الناس من الإجراءات التي تحد من حريتهم وتنقلاتهم، ومسّت معيشتهم وأعمالهم، أم أن هذه التوجهات والانقلابات مُدبرة ومُصنعة، حتى لا يبقى هناك أبطال بعد أن يتغير المشهد، وتتبدل الظروف، ففي أدبيات النخبة السياسية الأردنية هناك قناعة عند الكثيرين أن "الدولة تأكل أبنائها"، مُذكرين برجالات هُشمت صورتهم، وأصبحوا في عِداد النسيان.

بصراحة لا أميل إلى سيناريو أن الانتقادات القاسية للحكومة مُدبرة لاعتقادي أولا أن حكومة الرزاز لم ينتهِ دورها، وصلاحيتها ـ على الأقل ـ حتى عبور أزمة كورونا، والفهم الأرجح عندي أن الحكومة بعد تقبّل الناس وسكوتهم على الإجراءات الاستثنائية المُقيدة لهم مع بدء تفشي الوباء، وتزايد مخاوفهم؛ لم يعد بإمكانهم الطاعة، وتقبل أوامر الحكومة، وهم يروْن انحسارا وسيطرة على الوباء، وإحساسهم أن المخاطر الاقتصادية والمعيشية لا تقل تهديدا لهم عن فيروس كورونا، يُضاف لكل ذلك أن بعض قرارات الحكومة لم تكن مُتسقة، ومفهومة، ومبررة، ولا يُمكن الدفاع عنها، وحتى بعض الوزراء حين سألتهم لم يؤيدوها، وعارضوها سرا وليس علنا.

قصائد المديح للحكومة تتلاشى والقناعة أن "الدولة تأكل أبنائها"

الانتقادات والمؤامرات ـ إن جاز التعبير ـ لا تسلم منها حكومة في الأردن، ولكن الأهم أنها تفتح باب أكثر الأسئلة إلحاحا، ومنها متى ستنتهي حالة وزمن قانون وأوامر الدفاع، أو ما تُعرف بالطوارئ، خاصة بعد أن اتهمت الحكومة أنها تُطيل أمد هذه المرحلة الاستثنائية، وتستثمر بها لتُثبت وجودها، وتُمرر تدابير وإجراءات اقتصادية؟

وهذا السؤال مرتبط حكما بسؤال آخر، هل حكومة الرزاز باقية بعد السيطرة على وباء كورونا؟ وماذا عن البرلمان الذي أوشكت دورته الأخيرة على الانتهاء؟ هل سنشهد انتخابات مُقبلة في صيف 2020 أم تتأجل؟ وهذا كله سيفرض، ويقضي بتوجهات دستورية تُنهي الشكوك وتضع الأمور في مسارها الصحيح.

قبل محاولة الإجابة على أسئلة المستقبل المنتظرة عند الشارع الأردني يسعى وزير الإعلام الأسبق محمد المومني لفك شيفرة الهجوم على الحكومة، وتفسير ما يحدث في مقال له بجريدة الغد بالقول "الثقة التي أعطاها الناس للجهات الرسمية والتفافهم وتعاضدهم ليس شيكا على بياض ولا يجب أن تفهم أنها كذلك".

إذن آن الأوان ـ وفقا لرؤية المومني ـ لإجراء جردة حساب للحكومة، ومساءلتها على تصرفاتها، وقراراتها، وفعليا تواجه الحكومة اختبارا عسيرا، وتتعرض للضغط لإعادة الأعمال والحياة لطبيعتها، وتُسأل كل لحظة ماذا ستفعل للناس الذين تضررت مصالحهم؟

يحتاج الأردن بعد انقشاع غبار أزمة كورونا إلى مراجعة حساباته، وتغيير جذري في قواعد اللعبة أكثر من إعادة إنتاج برلمان هزيل، أو الاستمرار في لعبة تبديل الحكومات.

تحتاج الدولة الأردنية إلى "ماكينة" تُجدد خلايا الإدارة، وتضخ أفكارا، ووجوها قادرة على احتواء "كارثة اقتصادية"، قد تتبدى بعد زوال مخاطر الوباء، والمطلوب مثلما نجحت الدولة في تطويق الفيروس أن تنجح في تطويق تداعيات الأزمة اقتصاديا، وسياسيا؛ لتحافظ على منعة وقوة المجتمع، وتماسكه.

يحتاج الأردن بعد انقشاع أزمة كورونا لمراجعة حساباته وتغيير قواعد اللعبة

في العقود القريبة الماضية كان الأردن أحيانا، وفي كل "عشرية" يواجه استحقاقات وجودية، وكان التعامل معها والانتصار عليها يتطلب من قيادته القفز عن المخاطر بمبادرات تصنع التفافا، وتأييدا حوله، والتاريخ القريب وليس البعيد يشي بذلك، فمع "هبة نيسان" عام 1989 التي تزامنت مع انهيار الدينار الأردني، وانهيار المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي، واحتلال الرئيس الأسبق صدام حسين للكويت، أنجز الراحل الملك الحسين مصالحة تاريخية مع شعبه بإلغاء الأحكام العرفية، وإعادة الحياة البرلمانية، وتكرر السيناريو عام 2011 بانطلاق موجة الربيع العربي التي خرج العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني منها أكثر قوة بإجراء تعديلات دستورية رسخت مصالحات مجتمعية، وأعادت التوازن للحياة السياسية.

التاريخ لا يُعيد نفسه، ولكنه يُعلّم ويُذكر أن الأحداث الجسام تتطلب تحولات قادرة على امتصاصها وتجاوزها، وهذا على ما يبدو متطلبا بعد أن تمضي "موجة كورونا" التي أطاحت بأعتى الدول التي رسبت بالامتحان.

القصة في الأردن أبعد من مصير برلمان أفل زمنه، وانتخابات على الأبواب، فهذا كله مقدور عليه، والتعامل معه سهل؛ فالسياسيون والخبراء يعتقدون أن إجراء انتخابات في صيف هذا العام بسبب جائحة كورونا صعبة، والحملات الانتخابية على الأرجح متعذرة، وسندا لهذه المعطيات، فإن حل البرلمان غير وارد، ورحيل الحكومة ليس أمرا محتوما، ويرجحون اللجوء إلى المادة 68 من الدستور التي تنص "إذا لم يكن الانتخاب قد تم عند انتهاء المجلس، أو تأخر بسبب من الأسباب يبقى المجلس قائما حتى يتم انتخاب مجلس جديد"، وهذا يعني بقاء البرلمان الحالي إذا جاء يوم 27 سبتمبر دون إجراء الانتخابات.

رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة يستبعد إجراء انتخابات هذا الصيف، ويؤكد أن الملك يملك دستوريا خيارات مفتوحة، وإن لم يكن هناك تمديد لمجلس النواب الحالي، فإن "مجلسا يُسلم مجلس" هو الخيار الأكثر ترجيحا.

خلال أزمة كورونا التي غيرت معالم الأردن، لم يكن مجلس النواب يشغل المجتمع، وبعد مضي أكثر من شهر ونصف لم يسمع الناس صوته، وانتقدوا غيابه المدوي، وتجاهلت الحكومة إشراكه على الأقل علنا في قراراتها، وأوامر دفاعها، ولم يعقد البرلمان اجتماعا واحدا طارئا لتبرئة ذمته أمام الشعب، حتى ولو بتقنية الاتصال المرئي، كما كانت وما زالت تفعل الحكومة.

كل "عشرية" يواجه الأردن استحقاقات وجودية والانتصار عليها كان يتطلب من قيادته مبادرات للقفز عن المخاطر

لن يبكي الأردنيون حزنا على غياب مجلس النواب، وإن رحل سيكسرون وراءه "ألف جرة"، وقد يلاقي خيار التمديد له إن استحكمت الظروف والضرورات لذلك رفضا وغضبا شعبيا.

مرحلة ما بعد كورونا ليست كسابقاتها في الأردن، والتكيف مع الاستحقاقات قد يفعل وينجز ما عجزت المتغيرات السابقة عنه.

اقتبس ما قاله الكاتب فهد الخيطان في توصيف المرحلة "روح التضامن التي صاحبت الأزمة ستتراجع، وموجة التعاطف والمودة تجاه المسؤولين ستخبو كثيرا، الابتسامات أمام الكاميرات ستفقد مفعولها".

ويُتابع "لكن ثمة مفاجأة سارة وسط هذا كله، الدولة بمواردها، ومؤسساتها راكمت رصيدا من الثقة واليقين الوطني غير مسبوق منذ عقود طويلة، كنز جديد أعاد الأردنيون اكتشافه، وصار لزاما أن نصونه ونرفع من قيمته".

ويُكمل "ما بعد كورونا المعادلة الحالية لم تكن قابلة للحياة من قبل، وتبدو مستحيلة في المستقبل الصعب الذي ينتظرنا".

كلما عادت الحياة إلى طبيعتها كلما تفقد الناس أجسادهم، وأرواحهم ليكتشفوا الجراح والندوب التي تركتها " كورونا" فيهم، وهذا ينطبق على الدولة حين تتفقد جسدها لترى بأم أعينها الخراب الذي أحدثه هذا الوباء، فتبحث وسط ركام الفوضى، والدمار على بصيص نور للمضي نحو المستقبل، وهو ما تُحاول الدولة في الأردن أن تفعله لشحذ الهمم والتغلب على هذه المحنة.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.