(L-R) Angela Sauretti and Tatiana Llazmin, both from Queens, take a selfie under a blossoming tree in Flushing Meadows-Corona…
شابتان تأخذان سيلفي أمام الورود المتفتحة في نيويورك

السرعة الهائلة التي انتشرت فيها نظريات المؤامرة التي أحاطت بجائحة كورونا جعلت التصدي لهذه النظريات الخطيرة بأهمية التصدي للوباء الذي حصد حوالي ربع مليون نسمة في العالم، من بينهم حوالي ستين ألف أميركي. نظرية المؤامرة قديمة قدم المجتمعات المنظمة. 

الحروب والأوبئة والكوارث والاضطرابات السياسية، بما فيها الاغتيالات السياسية تجلب معها نظريات المؤامرة. الكثيرون يجدون في نظرية المؤامرة الأجوبة المؤكدة والنهائية وخاصة إذا كان الحدث معقدا أو غير مألوفا، أو إذا كانت المعلومات الأولية عنه غير كاملة. الأجوبة التي توفرها نظريات المؤامرة، تعطي المؤمن بها "اليقين" الذي ينشده ويسعى إليه. 

نظرية المؤامرة عادة تجد أرضا خصبة في المجتمعات التي تفتقر إلى حياة ديمقراطية ولا توجد فيها حرية صحافة تسمح بتبادل المعلومات في مناخ غير قمعي. ولكن نظرية المؤامرة تجد من يتمسك بها ويبشر بصدقيتها في المجتمعات الديمقراطية والمفتوحة، خاصة وأن وسائل الاتصالات الحديثة وشبكة الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي تجعل نشر نظريات المؤامرة سهلا للغاية مع غياب كبير لسبل محاسبة ومساءلة المسؤولين عن نشر هذه النظريات. 

في الولايات المتحدة، ساهمت الانتقادات والهجمات التي يشنها المحافظون واليمينيون منذ عقود ضد الحكومة الفدرالية، والتي أعطاها الرئيس الأسبق رونالد ريغان زخما كبيرا حين قال إن الحكومة الفدرالية هي المشكلة وليست الحل، ساهمت في خلق الأرضية الخصبة للتشكيك بالكثير من التأكيدات الرسمية. 

انتشرت نظريات المؤامرة على وسائل الاتصال الاجتماعي وشبكة الإنترنت فور الكشف عن جائحة كورونا

طبعا، تضليل الحكومات أو تقويماتها الاستخباراتية الخاطئة، أو فساد المسؤولين الكبار، مثل اتهام إدارة الرئيس ليندون جونسون لفيتنام الشمالية الباطل بخلق حادثة "خليج تونكين" لتبرير التدخل العسكري في فيتنام، إلى فضيحة ووترغيت وتورط الرئيس ريتشارد نيكسون في التغطية عليها، إلى الادعاء بوجود أسلحة دمار شامل في العراق لتبرير الغزو، كلها ساهمت أيضا في تقليص ثقة الأميركيين بحكومتهم الفدرالية.

كشف تضليل وخطورة نظريات المؤامرة يصبح صعبا للغاية إذا وقف وراء هذه النظريات قادة سياسيون، أو شخصيات معروفة في مجالات السياسة أو الفن أو الرياضة، أو قوى سياسية من داخل أو خارج البلاد تريد خدمة أهداف سياسية محددة. 

بعد 57 سنة من اغتيال الرئيس جون ف. كينيدي، لا تزال هناك شريحة من الأميركيين لا تصدق أن لي هارفي أوزوولد هو القاتل، حيث يشير البعض إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية السي آي إيه، هي المسؤولة عن قتله، أو الرئيس ليندون جونسون الذي خلفه وذلك من بين قائمة من الأطراف التي لها مصلحة باغتياله باعتقاد مروجي المؤامرات. 

وبعد مرور 19 سنة على هجمات سبتمبر الإرهابية، لا تزال نظريات المؤامرة داخل الولايات المتحدة وخارجها تدعي أن قوى أخرى غير تنظيم "القاعدة" شنت الهجمات.

جائحة كورونا، التي لا يزال الخبراء بالأوبئة وغيرهم من الاختصاصيين يدرسون كيفية نشوئها وانتشارها خلقت حالة هلع في العالم، وشلت الاقتصاد العالمي أكثر مما فعلته حروب شاملة في القرون الماضية. من الطبيعي في أعقاب مثل هذا الخطر، ومع اعتراف الخبراء والمسؤولين بأن إيجاد لقاح لن يتم قبل سنة أو 18 شهرا، ومع استمرار الغموض والجدل حول كيفية احتواء الوباء أو كيفية ووتيرة استئناف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، أن تنتشر نظريات المؤامرة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي حيث يروجها أولئك الذين يميلون إلى التشكيك بالتفسيرات الرسمية حتى عندما تكون مقنعة وعلمية، إضافة إلى أولئك الذين يروجونها لأسباب سياسية وتخريبية. 

طبعا، لجوء قادة مثل الرئيس دونالد ترامب، وغيره من الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس أو الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو إلى التقليل من خطر الوباء أو الترويج لعلاجات خيالية وخطيرة للوباء أو التلميح بأن الفيروس قد تم تطويره في مختبرات صينية أو أميركية زاد من خطورة هذه الظاهرة. 

ادعاءات بولسونارو الغريبة حول علاج الفيروس والتقليل من أهميته مثل القول بأنه "خيالي"، دفعت بفيسبوك وتويتر إلى حذفها. من جهته، قال رئيس وزراء ايطاليا ماتيو سالفيني إن الصين طورت فيروس خطير ضد الرئة من القطط والخفافيش. هذه التهم والادعاءات، إضافة إلى تهم وادعاءات المسؤولين الصينيين والإيرانيين بأن الأميركيين طوروا فيروس كورونا في مختبراتهم، كلها ساهمت في خلق هذا الكم الهائل من نظريات المؤامرة.

انتشرت نظريات المؤامرة على وسائل الاتصال الاجتماعي وشبكة الإنترنت فور الكشف عن جائحة كورونا. وكان هناك أكثر من طرف معروف وغير معروف وراء نظرية أن الفيروس صنع في مختبر وفقا لحسابات عديدة على فيسبوك وشبكة تويتر. وبرزت اتهامات لا أساس لها من الصحة تدعي أن عالما من كندا كان وراء نقل الفيروس إلى الصين، أو أن الفيروس هو جزء من برنامج بيولوجي للحكومة الصينية، إما تم نشره عن قصد أو أنه انتشر نتيجة لخطأ في المختبر. 

لاحقا قام مسؤول صيني بالترويج عبر تويتر بأن عسكريين أميركيين كانوا في زيارة لمقاطعة ووهان جلبوا الفيروس معهم من الولايات المتحدة. طبعا كان من مصلحة الحكومة الصينية الترويج لمثل هذه النظريات ـ التي تستطيع أن تنكرها رسميا ـ للتغطية على قرارها الخطير وحتى الإجرامي بالتغطية على حقيقة الفيروس وطبيعته خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت اكتشافه في مقاطعة ووهان. 

نظرية المؤامرة عادة تجد أرضا خصبة في المجتمعات التي تفتقر إلى حياة ديمقراطية ولا توجد فيها حرية صحافة

الرئيس ترامب وصف الفيروس "بالصيني"، وزير الخارجية مايك بومبيو، وصفه "فيروس ووهان". عضوي مجلس الشيوخ الجمهوريين توم كاتون وتيد كروز، ألمحا إلى أن الفيروس قد تم تطويره في مختبرات صينية، دون تقديم أي أدلة علمية.

إضافة إلى نظريات المؤامرة التي تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية مثل تشويه سمعة هذا البلد أو ذاك، أو للتمويه والتعمية والتهرب من المسؤولية، برزت نظريات مؤامرة اتسمت بالغرابة والشعوذة وإن لم تكن أقل خطورة. 

تمحورت نظريات المؤامرة وسخط بعض مؤيدي الرئيس ترامب من اليمين المتشدد ضد بيل غيتس، أحد مؤسسي شركة مايكروسوفت وأحد أبرز المساهمين بمكافحة الأوبئة في العالم، الذي يتهم بأنه وراء فيروس كورونا. ومنذ شهر فبراير كان هناك 1.2 مليون ادعاء أو اتهام يربط غيتس بالفيروس على وسائل الاتصال الاجتماعي. هذه الاتهامات الباطلة شملت تحريف وتشويه مقصود لكتابات وخطب ومقابلات لغيتس، واتهامه بأنه يسعى لجني الأرباح من الوباء، أو لتطوير وسائل جديدة عبر شركته للتجسس على الناس. وقبل أيام نظم بعض مؤيدي الرئيس ترامب تظاهرات صغيرة ولكن صاخبة على وقع هتافات: "ألقوا القبض على غيتس".

إحدى نظريات المؤامرة الغريبة تتمحور حول التقنية المتطورة للهواتف النقالة المعروفة بـ 5G التي كان يدعي مروجوها في السابق بأن موجاتها الصوتية تتسبب بالسرطان، وأصبحوا يقولون الآن أنها تتسبب بفيروس كورونا من خلال إضعاف نظام المناعة لدى الناس. بعض الشخصيات السينمائية مثل الممثل Woody Harrelson روجوا لهذه المؤامرة. بعض مروجي هذه النظرية حاولوا حرق بعض الأبراج التي تحمل أنتينات 5G في بريطانيا، ما دفع بشبكة يوتيوب إلى حذف الأشرطة التي تروج لهذه النظرية. جميع المعلومات المؤكدة حول الفيروس تبين أنه انتقل من الحيوان إلى الانسان، والعدوى تنتقل من إنسان إلى آخر ولا تأتي من أي مصدر آخر.

وتشكل العلاجات الافتراضية والخيالية جزءا أساسيا من النظريات الغريبة التي تحيط بفيروس كورونا. خطورة الفيروس ساهمت بالترويج لعلاجات سريعة وعجائبية يمكن اعتمادها الآن قبل تطوير لقاح فعال في المستقبل. من بين هذه العلاجات شرب مواد التعقيم والتبييض bleach .

يوم الخميس الماضي صعق الرئيس ترامب فريقه الصحي والأميركيين والعالم حين اقترح خلال الإيجاز الصحفي اليومي في البيت الابيض شرب المواد التي تبيد الجراثيم disinfectants   كعلاج ممكن لفيروس كورونا. فور انتهاء الإيجاز، تلقت الهيئات الصحية والمستشفيات آلاف الاتصالات من المواطنين للاستفسار عن ادعاءات ترامب. وسارعت بعض الشركات المصنعة لهذه المواد السامة إلى تحذير المواطنين من خطر شربها. 

مكافحة نظريات المؤامرة ونظريات العلاجات السحرية التي يمكن أن تكون قاتلة، فهي مهمة كل مواطن معني بالحقيقة والعلم والحقائق

ادعاء الرئيس ترامب في اليوم التالي أنه كان يسخر من الصحافيين لم يصدقه أحد. المرشح الرئاسي المفترض للحزب الديمقراطي جوزف بايدن قال للأميركيين مغردا "لا أستطيع أن أصدق ما سأقوله: أرجوكم لا تشربوا مواد التعقيم". 

وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها ترامب "بيع" الأميركيين دواء سحريا. خلال شهر مارس روج الرئيس ترامب بحماس كبير ويوميا تقريبا لدواء hydroxychloroquine الذي طور كعلاج لمرض الملاريا، مدعيا أنه فعال ضد فيروس كورونا، وأن هذا الدواء سيغير تاريخ الطب. أحد المواطنين استخدم الدواء دون استشارة أي طبيب اعتقادا منه أنه سيشفيه من أعراض فيروس كورونا، ولكن الدواء أدى إلى وفاته. ويوم الجمعة الماضي حذرت إدارة الاغذية والأدوية الوطنية من أن استخدام hydroxychloroquine لعلاج فيروس كورونا يمكن أن يؤدي إلى تعطيل خفقات القلب.

هذا الطوفان من نظريات المؤامرة والعلاجات العجائبية والمعلومات المغلوطة والإشاعات الخطيرة، دفعت بمنظمة الصحة العالمية إلى التحذير مما أسمته "جائحة المعلومات الخاطئة". مكافحة جائحة كورونا علميا، هي مهمة العلماء والخبراء بالأوبئة والمؤسسات الصحية. مكافحة نظريات المؤامرة ونظريات العلاجات السحرية التي يمكن أن تكون قاتلة، فهي مهمة كل مواطن معني بالحقيقة والعلم والحقائق والحريات الضرورية لنشرها ومناقشتها دون قلق أو ترهيب أو أي اتهامات للصحافة الحرة التي تقوم بهذه المهمة، بأنها "عدوة الشعوب". 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.