Lebanese light candles near the seaport of Beirut, as they mark one month since the devastating Aug. 4 explosion in Beirut,…
إضاءة شموع تكريما لضحايا انفجار مرفأ بيروت

تتلوّن الحقيقة بوعي العارف كما يتلون الماء بلون الزجاج 
ابن عربي 

 

لم يكن مقدرا لمبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللبنانية أن تصل إلى غير ما وصلت إليه، نظرا للخلفية التي بنيت عليها. وصل الرئيس الفرنسي لبنان في لحظة غضب شعبي هائل وسلطة متداعية وفي أسوأ حالاتها. عملت مبادرته على خطين: خط تهدئة الشارع وإعطائه الأمل بأن قضيتهم في أيادٍ أمينة، ما كان له مفعول إبرة مورفين. والثاني وهو الأخطر أنها وفرت المخرج للمتسلطين وانتشلتهم من حفرة انفجار المرفأ. استغلوا المبادرة لتحويلها مجرد هدنة سمحت لهم بإعادة تنظيم صفوفهم. 

حاور السيد ماكرون الطاقم الحاكم، تحت ذريعة "أنتم انتخبتموهم" (أي اللبنانيين)؛ متجاهلا أن ما حصل في 17 أكتوبر، بمعزل عن التسميات؛ كان كافيا لنزع الشرعية المزعومة عن هؤلاء. مع أن الأبحاث تعتبر أن مجرد نزول حوالي 3,5 في المئة من السكان إلى الشوارع يعد ثورة وينزع شرعية السلطة. 

لم يعترف بمليشياوية "حزب الله" إلا بعد عرقلة هذا الأخير للمبادرة. واعتبر الثنائي الشيعي "كممثلين حصريين للطائفة الشيعية"! مع أن غالبية اللبنانيين صارت ترفض نسبة الطائفة الشيعية بكاملها لهذا الثنائي الحزبي الأجنبي الولاء. 

وطمأنهم في معرض الأسئلة التي وجهت إليه أنه في حال فشل المبادرة فيمكن الحديث عندها عن تعديل النظام أو العقد (pacte) اللبناني! 

استعادة سلطة الدولة والقانون يكفل حقوقنا كمواطنين، سواء كنا شيعة "محرومين" أو سنة "محبطين" او مسيحيون خائفين"

ولو كنت مكان "حزب الله" لعطلت السير بأي حكومة أو اتفاق بانتظار أن تحين فرصة تعديل النظام التي طالما سعى إليها. 

وهو ما خلصت إليه فذلكات خطاب حسن نصرالله، الذي بالرغم من ارتباكه بعد عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتانياهو لصور مخازن أسلحته، استقوى على الدولة اللبنانية وحدد مساراتها وأهدافها وما ترفض وما تريد نيابة عن الرئيس الذي يزعم أنه يدافع عن صلاحياته. 

ومع أنه لم "يسمع" بانفجار عين قانا أو عرف به، بعد أن منع الجيش والصحافة والأهالي من الاقتراب من مكان التفجير؛ لكنه سمع ابتزاز نتانياهو فسارع إلى فتح أحد المراكز التي أشار إليها خطاب الأخير في الأمم المتحدة. طبعا لم تكن الصواريخ مركونة في موقف المبنى. 

الخبطة الكبرى، أننا وبعد بطولات وصولات وجولات ممانعاتية ودروس الحفاظ على حقوق اللبنانيين وتوزيع الخيانات والعمالة، ظهر "أرنب" رئيس مجلس النواب نبيه بري فصار ترسيم الحدود مع إسرائيل جاهزا ناجزا. أكان يتوجب دفع ثمن هذا الترسيم تفجيرين ومئات القتلى وآلاف الجرحى والمدمرة بيوتهم عدا الخسائر المادية في جهنم بلد مفلس كي نرسّم الحدود؟ 

وإذا كان هذا ثمن الترسيم مع العدو، فما هو ثمن الترسيم مع الشقيق؟ 

انفجار عين قانا، بعد المرفأ، كشف للبنانيين كيفية تخزين الذخائر والصواريخ ولوازمها ومصانعها بين السكان الآمنين. والمهم هنا المواطن اللبناني، من سيصدق: زعم نصرالله أم زعم نتانياهو؟ 

ربما النصيحة المجانية لنصرالله، أو من يساعده في تحضير خطاباته، الاختصار وعدم استغباء المواطنين، ولا الرهان على فقدانهم الذاكرة. فليراجع خطاباته السابقة وينتبه "للمنطق" احتراما لعقل من بقي لديه القليل منه، قبل إلقاء خطاب جديد. 

فمن بين خبريات نصرالله أن لبنان لولا "حزب الله" لكان في وضع أسوأ! بالله عليكم ما هو الأسوأ مما نحن فيه؟ وأنه حمى لبنان من "داعش" ومنع زيادة الضرائب وحافظ على وحدة الدولة والدستور والمالية العامة وصلاحيات رئيس الجمهورية...إلخ. 

نذكّره مجددا بخطه الأحمر لمنع الجيش من محاربة متطرفي مخيم نهر البارد وبمنظر الباصات الخضر المكيفة وخطبته العصماء في إدانة "لا إنسانية" أميركا التي أرادت "قصف الأبرياء"! ولينتبه للصدف التي تحيي "داعش" فقط عندما تزيد حدة الضغوطات على إيران ويضيق الخناق عليها وعلى حزبها وعندما يراد توتير الساحة اللبنانية. 

أما عن نكتة حماية اللبنانيين من الضرائب؛ خصوصا زيادة خمسة آلاف على سعر البنزين! يا سيدي فليتوفر أولا البنزين في السوق، وليتوقف تهريبه مع الطحين والدواء المدعوم من جيب اللبناني وأمواله المسروقة، علنا إلى سوريا! 

أوليس الأجدى أيضا تسهيل تشكيل حكومة إصلاحية تقبل بها الأطراف الدولية والعربية التي ستمدنا بالتمويل اللازم لوقف الانهيار التام والقبول بمساعدة صندوق النقد؟ والاهتمام بتسهيل وتعجيل إعادة إعمار ما هدمه الانفجار بدل ترك العائلات دون مأوى؟ 

وليسمح لنا بسؤال: هل ستصمد الهرولة نحو الاتفاق على ترسيم الحدود الجنوبية غداة انفجار عين قانا! أم أنها مجرد هدنة لكسب الوقت بانتظار الانتخابات الأميركية؟ 

هل تُمكِّننا هذه "المصادفات" أن نستنتج أنه يهادن إسرائيل، حفاظا على قوته في بيئته؟ وأن شعار تحرير مزارع شبعا، يسقط مقابل إدامة هيمنته على لبنان؟ أم أن هناك اتفاقيات سرية ما؟ وماذا تريد إيران بالضبط في لبنان؟ 

أما في المقلب الآخر، ولا أقصد الأفرقاء السياسيين المشاركين في السلطة الذين أصبحوا مجرد كومبارس، بعد أن ساهموا بإيصال اللبنانيين إلى جهنم، بل أقصد الثوار على الأرض، ما دورهم وأين أصبحوا؟ 

لم ينكشف دور "حزب الله" في إيصال لبنان إلى ما هو عليه، بالرغم من لاءات نصرالله الشهيرة غداة ثورة 17 أكتوبر، كما هو عليه الآن. مع ذلك هناك من "الثوار" من لا يزال يصرّ على أن المشكلة تكمن في الفساد وحده أو المصارف فقط أو الطبقة السياسية. لكنهم ينزهون "المقاومة".

وفي هذا المجال، وبالرغم من الاجتماعات ومحاولات إنشاء التجمعات التي تعمل على ضم مجموعات الثورة ومحاولة التقريب بينها لإيجاد مظلة تحمل مطالب الثورة الأساسية، لا يزال الحال، كما جاء على لسان البعض: "نحن مازلنا ندرس وننسق ونحاول وسنعمل وسنعلن..." على غرار ما كان حال رئيس الحكومة المستقيل. 

إضافة إلى الحواجز الموجودة بين المجموعات لجهة التنافس وتضخم "الإيغو" وهاجس الانتخابات والسلطة بالنسبة للبعض. لكن الأهم العجز عن الاتفاق على البرنامج أو الشعار الأساسي الذي يجب رفعه لتحقيق هدف الثورة في تخليص لبنان مما هو فيه. 

في هذه المرحلة الدقيقة على الثوار أن يعوا المخاطر التي تتهدد وجود لبنان، بحيث يمنعون من تحويل مئويته الأولى مناسبة لإعلان نهايته. المطلوب، قبل التفكير بتعديل الدستور المنبثق عن الطائف، تطبيقه كما هو في الأصل وليس كما شوهته الوصاية السورية. والمطلوب مقاومة أي تشريع وأي مؤتمر تأسيسي عتيد، قبل ضبط سلاح "حزب الله". إن أي مس بالدستور تحت سلطة السلاح مرفوض. تطلّب الوصول إلى صيغة اتفاق الطائف، الذي أعلن لبنان وطنا نهائيا ذو وجه عربي، الكثير من الدماء. فقط استعادة سلطة الدولة والقانون يكفل حقوقنا كمواطنين، سواء كنا شيعة "محرومين" أو سنة "محبطين" او مسيحيون خائفين".  

ربما على المجموعات الثورية أن تعترف باختلاف أهدافها وأولوياتها ولا بأس من وجود خطان للثورة

المشكلة الأخرى التي لا يواجهها الثوار هي ضرورة تشكيل أعرض جبهة وطنية للضغط من أجل استعادة سيادة الدولة. التغيير لن يحصل دفعة واحدة، ولا بواسطة العنف. من هنا مطلوب قيام أوسع تحالف وازن ليتمكن من التأثير وتحريك الجمود القائم. وهذا يفترض التنسيق مع بعض السياديين من السياسيين "المعارضين" ممن كانوا في السلطة ويقبلون بهذه الأولويات لتحرير لبنان من الاحتلال المقنع. مع أن القضاء وحده يحاسب على الفساد. لكن أعطونا دولة وقضاء مستقل ومحمي أولا. 

ربما على المجموعات الثورية أن تعترف باختلاف أهدافها وأولوياتها ولا بأس من وجود خطان للثورة. هناك فئة تريد أن تجد أن سلاح "حزب الله" سلاح مقاوم لا يمس ويكفيها أن تقضي على الفساد الاقتصادي والإداري كي يستعيد البلد عافيته. فليكن لهم خطتهم وتحالفهم. لكن ليتجمع الباقون الذين يعتبرون أن حماية سلاح "حزب الله" للفساد هي التي تمنع أي قدرة على الإصلاح، وأن ترك الأمور تحت رحمته والسلطة التي يحميها سيؤدي إلى الدمار الشامل. 

هذه السلطة مستعدة لابتلاع فضائحها وإهانتها، على مستوى العالم أجمع، دون أن يرف لها جفن. وهي مستعدة لحرق (وبدأت الحرائق المتنقلة فعليا) وتدمير لبنان على سكانه فقط مقابل الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها. 

علّ ابن عربي يصدق: حين نصل إلى الهاوية نمتلك إرادة التغيير. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.