Pro-Armenian protesters display placards and flags while riding on a vehicle and calling for an end to hostilities in Nagorno…
أرمن يتظاهرون اعتراضا على الأعمال العسكرية الأذربيجانبة

تكاد أخبار حرب القوقاز كأنها لا تصدق. الحرب التي شنتها أذربيجان على جارتها أرمينية دون مقدمات تحذيرية أو تمهيدية، تشبه في وجوهٍ كثيرة منها حروب القرون الوسطى، حينما كانت جماعة أو دولة ما، أكثر شكيمة وقوة عسكرية من واحدة مناظرة، على خوض حرب مفتوحة ضدها، ثم تتلقى تأييدا ومساعدة من الجماعات والدول التي تطابقها في الهوية، ويسعون سوية لمحق هذا الكيان النظير، يحطمونه عسكريا ويلغونه سياسا ويستولون ويتوزعون خيرات أرضه ومجتمعه.

كل ذلك حاضر في كل تفصيل من هذه الحرب، فخلال أقل من أسبوعين فحسب من الحرب، هُجر نصف سكان المنطقة المتنازع عليها، ودُمرت مئات القرى والبلدات في الجانب الأرمني من الحدود؛ وكل ذلك بسبب كثافة النيران والتقنيات العسكرية الاستثنائية التي يستخدمها جيش أذربيجان، والتي حصلت عليها من حليفتها العرقية تركيا، وبفضل عائدات استخراج النفط والغاز. مقابل دولة حبيسة جغرافيا ومسالمة سياسيا ومتواضعة الإمكانيات عسكريا، لكن أولا مختلفة عرقيا ودينيا، كأرمينيا.

ما كان هذا الخلل التكويني في علاقة الطرفين أن يحدث لو فاعلين خارجيين، لكن تأسيسيين في الحدث القوقازي. يتعلق الأول بطبيعة النظامين الحاكمين في تركيا وأذربيجان، المشيدان على صلابة قومية لا تخفي نزعاتها العرقية، والمستعدة لفعل وممارسة كل شيء في تلك الرؤى والمخيلات القومية المتطرفة، بما في ذلك خوض حروب عسكرية، عرقية ومفتوحة، وقبل أية خيارات أخرى قد تكون مفتاحية لحل للمسائل المُختلف عليها.

لم يحاسب أي من الجناة الفاعلين، لا جنائيا ولا رمزيا، ولم يعاقب الكيان الذي نفذ الجريمة، التي لم يعترف بها أساسا، لا هو ولا وريثته السياسية، دولة تركيا الحديثة

العامل الثاني يتعلق بالمنظومات الإقليمية والدولية المحيطة بالمشهد. فجوهر النظام السياسي الإقليمي القوقازي كان قائما تقليديا على توازن معقول بين روسيا وإيران من طرف وتركيا من طرف آخر. لكن راهنا تبدو تلك الدول الثلاث متفقة تماما على إزاحة جميع العوائق والخلافات فيما بينها، فقط في سبيل تقاسم الغنائم، والعوائق في هذه الحالة هُم مهشمو المنطقة، من الأكراد إلى الأرمن، مرورا بالسوريين والعراقيين والقبارصة. 

يساعد روسيا وتركيا وإيران في ذلك نظام عالمي مسترخٍ تماما وخالٍ من أية قيمة أخلاقية أو نزعة سياسية ذات مضمون وقيمة، وفوق ذلك مُصرٌ على الانسحاب التام من ملفات المنطقة، بالذات من قِبل الولايات المتحدة؛ كذلك، فإن الخلافات الداخلية في المنظومة الأوروبية لا تسمح لها بلعب أي دور فعال في مثل هذه الملفات الساخنة.

كل تلك التفاصيل تعيد للذاكرة الجمعية إمكانية تكرار مأساة الشعب الأرمني، التي نفذتها الجيوش العثمانية/التركية وملحقاتها ابتداءً من العام 1915، وراح ضحيتها قرابة ثلثي ذلك الشعب، وفقد بموجبها أكثر من ثلاثة أرباع مناطق سكنه التاريخية.

فمثل الآن تماما، كانت تركيا وقتئذ دولة يقودها نظام سياسي قومي/عرقي، يتبنى قادته من تنظيم "تركيا الفتاة" خطابات وأفكار القومية الطورانية، التي تنزاح لأن تتخيل وتسعى لاختلاق إمبراطورية عُظمى، من حدود الصين إلى بحر إيجة، مبنية على اتحاد أبناء العرق التركي في مختلف الدول التي في هذه الجغرافيا الشاسعة، وقابلة لمحق كل المعترضين عليها.

كانت الإبادة الجماعية بحق أبناء الأرومة الأرمنية تتويجا وتعبيرا وأوليا لتلك النزعة العرقية الشعبوية التركية وقتئذ، لكنه أيضا كان حدثا ما كان له أن يجري لولا "الحلف المقدس" الذي أبرمته دولة عظمى كألمانيا وقتئذ مع الإمبراطورية العثمانية، ولولا التراجع الروسي في دعم الأرمن عقب الانتصار في معركة "صاري قاميش" في أوائل العام 1915، وتاليا انسحاب السوفيات تماما من الحرب، ودعمهم فيما بعد لأتاتورك، بعد الثورة البلشفية عام 1917، ذلك الدعم الذي على أساسه أعاد أتاتورك بناء تركيا القومية/العرقية، وخاض حربه الثانية ضد الأرمن عام 1920، وحاصرهم في أرمينيا الشرقية، التي صارت فيما بعد دولة أرمينيا الراهنة.

كل شيء مطابق تماما لما يجري راهنا.

صحيح أن العالم شهد طوال قرنٍ كامل مضى منذ ذلك التاريخ الكثير من الحروب وأشكال الإبادة العرقية والجماعية، مثل سلوكيات الاستعمار وسياسات الفصل العنصرية والشموليات العسكرية والمحارق النازية بحق اليهود الأوروبيين، لكن الإبادة الأرمنية وما يناظرها من بنيان سياسي للقومية العرقية التركية، وحدها شهدت هذا النوع الاستثنائي والفظيع من المسامحة والغفران والقبول من النُظم السياسية والثقافية والاجتماعية العالمية. ولذا بالضبط، فإنها الأكثر قابلية لإعادة الاندلاع والإنتاج والتكرار، وبنفس الآليات التي كانت.

بالنسبة للاستعمار والعنصرية ومعاداة السامية، في دول مثل الجزائر وألمانيا وجنوب أفريقيا، وحتى الولايات المتحدة وغيرها الكثير من الدول الأخرى، فإن الكيانات والمجتمعات التي جرت فيها تلك الأحداث خاضت نضالات متراكمة لمحاسبة المرتكبين وتجاوز الجروح الجماعية. كانت الأنظمة التشريعية والبرامج التعليمية والبُنى السياسية أساسا لذلك التجاوز، بطريقة صار فيها المجتمع والفضاء العمومية يملك حسا نقديا رفيعا ومناعة ذاتية تجاه إمكانية تكرار تلك الوقائع المشينة.

على مستوى نظير، فإن تلك الأفعال صارت محل حط من الذات العالمية، صارت المنظمات العالمية والدول الأكثر ديمقراطية وتصالحا مع الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان تعد تلك الممارسات مسا بكرامة الذات الإنسانية، وأداة لمعاقبة مرتكبيها بشكل أو آخر.

كانت الإبادة الجماعية بحق أبناء الأرومة الأرمنية تتويجا وتعبيرا وأوليا لتلك النزعة العرقية الشعبوية التركية وقتئذ

لم يحدث شيء من ذلك مع المأساة الأرمنية، أو حدث بأشكال بائسة وخجولة، تكاد لا تذكر، مثل اعتبار برلمان هنا المجزرة الأرمنية إبادة جماعية، أو إصدار حكومة هناك بيان تنديد بمناسبة الحدث. أشياء تكاد ألا تُرى، مقارنة بحجم الكارثة.

لم يحاسب أي من الجناة الفاعلين، لا جنائيا ولا رمزيا، ولم يعاقب الكيان الذي نفذ الجريمة، التي لم يعترف بها أساسا، لا هو ولا وريثته السياسية، دولة تركيا الحديثة. فوق ذلك، فإن القيم الأدبية والخطابية للمنظومات والمؤسسات الدولية تكاد أن تكون خالية من أية إشارة لتلك الفاجعة، مثلما تُشير وتندد بالنازية والعنصرية والاستعمار ومعاداة السامية.

على العكس تماما، بقيت الدولة التركية الحديثة تتكون في نفس السياق الذي أقدم فيه المرتكبون على تنفيذ فعلتهم، كدولة قائمة على المفاهيم والقيم والنزعات القومية العرقية، في جميع مؤسسات ومكامن قوة الدولة، في التعليم والقضاء والسياسية، وأولا في الجيش. وطبعا دون أي اعتبار أو تنديد لما جرى، وغالبا الافتخار به.

العرقية الفوقية التي حفظها وطورها النظام السياسي التركي، التي نتجت عن غض نظر دولي وتحالفات إقليمية، كانت المؤسس لإمكانية سرطنة أية دولة أو نظام سياسي لكيان أقل شأنا وسطوة، مثل أذربيجان ونظامها الشمولي الحاكم، الذي يرى في تركيا ونظامها القدوة التي يجب أن تُحتذى. لذا فإن الإبادة الأرمنية قابلة للتكرار، وبكل بساطة، بالضبط مثلما حدث قبل قرن من الآن.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.