Walkers and cyclists take to the east front of the U.S. Capitol during the outbreak of the coronavirus disease (COVID-19), as…
أميركا دخلت في تجارب صعبة ومعموديات نار وحروب عديدة وخرجت منها أقوى. هذا ليس زمن أفول أميركا

حذّر المسؤول الفدرالي عن الصحة العامة جيرون آدامز الأميركيين أنهم سيعبرون أسبوعا هو "الأقسى والأكثر حزنا" في حياتهم، بسبب الخسائر البشرية التي سيحصدها فيروس كورونا. هو أسبوع يمكن مقارنته "بلحظة مشابهة لهجوم بيرل هاربر" أو لحظة مماثلة لهجمات سبتمبر 2001 الإرهابية.  

وللتدليل على خطورة هذه الجائحة طلبت منسقة فريق العمل الصحي في البيت الأبيض ديبورا بيركس من الأميركيين الامتناع حتى عن زيارة الصيدليات طلبا للأدوية وحتى محلات شراء الأغذية والبقالة. 

جاءت هذه التحذيرات على وقع وفاة ألف مصاب بفيروس كورونا في اليوم، ومع وصول عدد الوفيات إلى أكثر من عشرة آلاف، (حوالي نصفهم في ولاية ومدينة نيويورك) وازدياد عدد المصابين بأعراض الوباء إلى أكثر من 300 ألف أميركي. 

خلال أقل من شهر عطلت جائحة كورونا الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أقوى دولة في العالم، بعد أن تبين بشكل محرج وفضائحي أنها تصرفت وكأنها فوجئت بهذا الغزو غير المرئي، كما فوجئت بقصف بيرل هاربر في 1941، وتفجيرات 2001. وللمرة الأولى منذ بيرل هاربر بدت الولايات المتحدة هدفا هشا، مكشوفا ومعرضا للأخطار وكأنها بيت دون سقف. 

خلال الأيام والأسابيع الماضية نشرت كبريات الصحف الأميركية تحقيقات طويلة، مفصلة وموثقة حول الإخفاق القيادي للرئيس دونالد ترامب في مواجهة الوباء بدءا من نكرانه ومروا بالتقليل من أهميته وانتهاء بالعجز عن تعبئة الموارد البشرية والمادية والعلمية الهائلة الموجودة بوفرة لمواجهة الطاعون الجديد.

الثلاثة العظام: واشنطن ولينكولن وروزفلت

الولايات المتحدة دولة فريدة من نوعها لأسباب عديدة سياسية وفكرية وتاريخية وحتى جغرافية. صحيح أنها دولة مؤسسات تعتمد دستورا بقيت تعمل بموجبه خلال حروب خارجية بمن فيها حربين عالميتين، وأزمات داخلية خانقة بما فيها حربا أهلية قتل فيها 750 ألف جندي، واضطرابات وعنف داخلي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا انها كانت محظوظة حين واجهت أصعب اللحظات في تاريخها القصير نسبيا، في ظل رؤساء تاريخيين وعظام لا نزال نعيش في ظلهم ونستفيد من تركتهم. 

يلتقي معظم المؤرخين على أن أهم وأعظم رؤساء الولايات المتحدة هم ثلاثة: جورج واشنطن قائد القوات التي حققت الاستقلال وأحد مؤسسي الجمهورية وأول رئيس أميركي. الرئيس السادس عشر، ابراهام لينكولن الذي حافظ على وحدة الاتحاد الفدرالي بعد أن دحر الحركة الانفصالية التي أدت إلى الحرب الاهلية، والرئيس الذي تخلص من مؤسسة العبودية. والرئيس الثاني والثلاثين فرانكلين ديلانو روزفلت الذي أخرج الولايات المتحدة من الكساد الاقتصادي الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي وقادها إلى الانتصار في الحرب العالمية الثانية لتصبح القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم. 

لا تزال الولايات المتحدة مؤهلة للعب دورها القيادي في العالم بسبب قدراتها الاقتصادية والعلمية

ما يميز هؤلاء الرؤساء هو قدراتهم القيادية الخارقة. القدرة الفكرية والسياسية على استيعاب طبيعة التحدي، إرادة صلبة وثقة قوية بالنفس لا تمت للغطرسة بصلة، ووضع المصلحة العليا للشعب والبلاد فوق أي اعتبار آخر شخصي أو سياسي. الرؤساء الثلاثة نجحوا بامتياز في امتحان معمودية النار والحرب.

عندما أغارت اليابان على القاعدة الرئيسية للأسطول الأميركي في المحيط الهادئ في بيرل هاربر بولاية هاواي، كانت الولايات المتحدة ذات قدرات عسكرية محدودة حيث لم يتعد عديد القوات الأميركية المسلحة 180 ألف عسكري. ومع نهاية الحرب خدم حوالي 16 مليون أميركي في القوات المسلحة. ولكن إدارة الرئيس روزفلت نفضت الاقتصاد الاميركي رأسا على عقب وحولت مصانع السيارات إلى مصانع للأسلحة، وتم توظيف الملايين في المصانع ـ بعد أن كان معدل البطالة 15 بالمئة في بداية الحرب ـ وفي مختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى ما اقتضى توظيف أعداد هائلة من النساء للمرة الأولى. 

وحين دعا روزفلت إلى إنتاج خمسين ألف طائرة حربية في السنة، سخر منه العديد، ولكن مع حلول سنة 1944 وصل إنتاج الولايات المتحدة إلى 96 ألف طائرة في السنة. خلال سنوات الحرب أدى إبداع الأميركيين إلى تطوير تقنيات جديدة وأساليب حديثة في تدريب العمال والخبراء، أصبحت لاحقا جزءا عضويا من البنية الاقتصادية والعلمية التي سمحت للولايات المتحدة أن تصبح الدولة الرائدة في جميع مجالات العلوم بعد نهاية الحرب. 

الدولة التي عانت من كساد اقتصادي رهيب في عقد الثلاثينيات، أصبح حجم اقتصادها في 1945، حوالي 45 بالمئة من حجم الاقتصاد العالمي. الولايات المتحدة كانت الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي لم يدمر اقتصادها في الحرب، بل على العكس نمى باضطراد هائل. طبعا هناك أسباب موضوعية عديدة لهذا الإنجاز الأميركي التاريخي، ولكن قيادة وشخصية الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت كانت جزءا أساسيا من هذا الإنجاز.

من كينيدي إلى أوباما

خلال أحلك الأيام في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في 1961 بدأ الرئيس جون ف. كينيدي بتطوير طموح لبرنامج الفضاء الأميركي، وألزم الولايات الولايات المتحدة بإنزال أول رجل فوق سطح القمر قبل نهاية العقد. جاء قرار كينيدي بعد إنجازات حققتها موسكو في الفضاء بعد إطلاق أول قمر اصطناعي "سباتنيك" في 1957، وبعد أن أصبح الاتحاد السوفياتي أول دولة ترسل إنسانا إلى الفضاء بعد نجاح مهمة رائد الفضاء يوري غاغارين الذي دار حول العالم في 1961.

بعد أسابيع من هذا الإنجاز السوفياتي ألقى كينيدي خطابا في الكونغرس ربط فيه نجاح الولايات المتحدة في سباق الفضاء بالمعركة السياسية والاقتصادية بين الديمقراطية والشيوعية، وحض الكونغرس على تخصيص الموارد المالية لتطوير برنامج الفضاء الأميركي. 

A person with a walker crosses 42nd Street in a mostly deserted Times Square following the outbreak of Coronavirus disease …
فيروس العداء للولايات المتحدة!
حمى وباء كورونا أنتجت معها، من بين أمور أخرى، حمى التبشير بقرب سقوط الولايات المتحدة الأميركية وصعود الصين وروسيا، في مشهد يذكر بأولئك الراكضين إلى عرض البحر لالتقاط ما تسرب من سفينة ألقت بجزء من حمولتها لتخفيف الوزن، فيما هم يظنون بأن السفينة قد غرقت

في السنوات التي تلت اغتيال كينيدي وبعد تعبئة مختلف الموارد المالية والعلمية والبشرية، نجحت وكالة الفضاء الأميركية بتحقيق رؤية كينيدي في 1969 حين أصبح رائد الفضاء نيل أرمسترونغ أول إنسان يمشي على سطح القمر. مرة أخرى، ساهمت قيادة ورؤية رئيس أميركي في وضع الولايات المتحدة في موقع متفوق.

حتى الآن الثمن الاقتصادي لجائحة كورونا هائل. عشرة ملايين أميركي انضموا إلى صفوف البطالة. الخبراء في شؤون الصحة العامة يقدرون عدد الضحايا بين مئة ألف وربع مليون نسمة حتى في حال امتثال الأميركيين إلى التعليمات الصحية، مثل تفادي الاختلاط الاجتماعي، استخدام القفازات البلاستيكية والأقنعة الواقية وغيرها.

الجائحة التي فرضت على العالم حجرا صحيا لا مثيل له في التاريخ، ستغير سلوك الناس والدول بطرق لا نعرف في هذا الوقت المبكر مدى عمقها وآثارها الاجتماعية والاقتصادية. 

خلال مثل هذه الأزمات الصحية أو البيئية وحتى الاقتصادية والسياسية التي كانت آثارها عابرة للدول وحتى القارات، التي واجهها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، كانت الدول والمنظمات الدولية تنظر إلى الولايات المتحدة لتوفر الحلول أو لتقود الجهود الدولية لمواجهة هذه التحديات. 

خلال انتشار وباء إيبولا في غرب أفريقيا بين 2014 و2016 لعبت الولايات المتحدة دورا قياديا في القضاء على الوباء من خلال إيفاد الخبراء والاطباء وانتهاء بنشر حوالي 4 آلاف جندي في ليبيريا حيث أقاموا المستشفيات الميدانية وقضوا على الوباء. 

مرة أخرى قامت الولايات المتحدة بعمل إنساني خدم ضحايا الوباء، وخدم مصلحتها ومصلحة العالم لأن الأوبئة لا تعترف بالحدود السياسية ولا بسيادة الدول، والقضاء عليها يتطلب تعاونا دوليا. وحتى إجراءات الحماية والعزل وحظر السفر وغيرها من الإجراءات الصعبة، يمكن تنسيقها والاتفاق حولها، إذا توفرت إرادات الدول والقيادات السياسية الحكيمة التي تدرك أنها تواجه عدوا مشتركا يتطلب دفاعا مشتركا.

حروب ترامب ضد الأعداء المتخيلين

إخفاق الرئيس ترامب في تعبئة الموارد الأميركية لمواجهة الوباء، أو تنسيق الجهود الدولية لتخفيف أضراره الجسيمة ليس مفاجئا بحد ذاته، وإن كان حجم الإخفاق صادما ويصعب تصديقه. 

الإجراء الوحيد الذي اتخذه ترامب بعد وصول الوباء إلى الولايات المتحدة والذي ينسجم مع نظرته الانعزالية للعالم كان في منع الرعايا الصينيين من السفر إلى أميركا. ولكنه حتى قبل 5 أسابيع كان يقول ـ في الواقع يتمنى ـ انحسار الوباء واختفائه. ما هو واضح الآن أن ترامب أضاع ما بين ستة أسابيع أو شهرين وهو يترنح بين نكران الوباء والتقليل من أهميته أو مواجهته بتردد وبشكل جزئي، ودون التنسيق مع الولايات أو الاعتماد الكامل على الكفاءات العلمية في البلاد لمساعدته على تطوير خطة فعالة للتصدي للوباء. 

وبدلا من أن يعين مسؤولا حياديا ومؤهلا علميا لمواجهة الوباء عين نائبه مايك بينس، الذي يكيل المديح المحرج لترامب "وقيادته الحاسمة" كلما فتح فمه ليتحدث عن إجراءات مكافحة الوباء. وبما أن ترامب لا يثق بأحد خارج عائلته، جلب صهره جاريد كوشنر مرة أخرى للمشاركة في جهود الحكومة، على الرغم من عدم أهليته لمثل هذه المهمة وساهم بذلك في عرقلة عمل الأجهزة البيروقراطية التي عليها الآن أن تنشط بين القنوات المتنافسة التي يستخدمها كل من بينس وكوشنر.

الصين منافس هام لأميركا، ولكن الصين بنظامها الأوتوقراطي والقمعي ليست المكان الذي يريد أن يتوجه إليه المخترعون والمبدعون علميا وفنيا

وفي الأسابيع الماضية وبعد أن أصبحت ولاية (ومدينة نيويورك)، وكذلك ولاية واشنطن المناطق المنكوبة أكثر من غيرها في البلاد، ومع ارتفاع شكاوى الحكام ـ وشاءت الصدف أن يكون حكام الولايات المنكوبة من الديمقراطيين ـ من عدم وجود جهة فدرالية مسؤولة عن تنسيق جهود مساعدة الولايات وتوفير المعدات والأجهزة الطبية وتوسيع قدرات المستشفيات على استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين، رد ترامب على هذه المطالب والشكاوى بتصعيد هجماته الشخصية ضد هؤلاء الحكام.

ووصل الأمر بترامب إلى حد تأنيب نائبه بينس علنا لأنه تجرأ على الاتصال بحاكم ولاية واشنطن جاي أينزلي الذي انتقد بطء الحكومة الفدرالية، حين قال إنه طلب من نائب الرئيس أن لا يتحدث مع حاكم واشنطن "لأنه حية". وحين اشتكى ترامب من حاكمة ولاية ميتشغان غريتشين ويتمير، فإنه لم يذكرها بالاسم بل تحدث باحتقار واضح "عن تلك المرأة" ما عكس مرة أخرى احتقاره لكل امرأة تتمتع بشخصية قوية أو قيادية، كما يتبين من مبارزاته الدون كيخوتية مع عدد من المراسلات المتفوقات اللواتي يغطين أخبار البيت الأبيض.

وبدلا من مطالبة الشركات الأميركية بالتعجيل في إنتاج المعدات والأجهزة التي تحتاجها المستشفيات مثل أجهزة التنفس الاصطناعي، رفض ترامب استخدام قانون الإنتاج الدفاعي الذي أقر في 1950 ويسمح للرئيس بأمر الشركات الأميركية في الحالات الطارئة إنتاج ما تحتاجه البلاد للدفاع عن نفسها مدعيا، ضد كل الأدلة "بأننا لا نحتاجه". 

وحتى الاسبوع الماضي استمر ترامب على رفضه، وحين رضخ للضغوط، أمر بتفعيل القانون، ولكن بشكل جزئي. وفي الوقت ذاته كان ترامب يضلل الأميركيين بأن الأوضاع تحت السيطرة، وفي الأيام الماضية بدأ بتسويق دواء لأمراض الملاريا وغيرها على أنه يمكن أن يكون فعالا ضد فيروس كورونا، لأنه سمع بذلك من بعض معارفه على الرغم من أن المؤسسات الصحية لم تصرح رسميا باستخدام الدواء لمعالجة فيروس كورونا.

The Sovran family stands outside their front door shining flashlights towards their nearest hospital during the first night of …
إعصار، زلزال، وباء: حبل الشماتة القصير
الوباء اليوم يؤذي الولايات المتحدة، وأهلها لا يطلبون مطلبا من أحد. وأمام أهل الخير من العرب والمسلمين أحد سبيلين، إما الشماتة والتشفي، أو التعاطف ورجاء الخير. لهم أن يفعلوا كما يطيب لهم. ومهما فعلوا اليوم، يوم تدور الأيام، وتقع الواقعة في ديارهم، لهم أن يتوقعوا بأن أهل الإحسان في الولايات المتحدة، كما فعلوا بأمسهم دون ضوضاء، سوف يمدون لهم يد الإخاء

وحتى خلال الأيام الكالحة التي يتم خلالها الكشف عن معدلات هائلة من الموظفين والعمال الذين خسروا وظائفهم، ومع الارتفاع المضطرد لضحايا الوباء، يجد ترامب الوقت الكافي لنشر تغريدات شخصانية وانتقامية ضد زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السناتور تشاك شومر "المنتحب" والذي كان يجب التخلص منه قبل الأزمة على حد قوله، أو التحدث عن الجدار الذي يبنيه على حدود المكسيك، أو حتى التبجح خلال إيجاز يومي حول الوباء بأنه يحتل "المرتبة الأولى على فيسبوك" (طبعا، هذا ادعاء لا أساس له من الصحة).

خلال السنوات الماضية شن ترامب حملة انتقامية ضد ما يسميه "الدولة العميقة" بما في ذلك أجهزة الاستخبارات، والنظام القضائي، والبيروقراطية بشكل عام، إضافة إلى حربه ضد وسائل الإعلام الأميركية التي يسميها "عدو الشعب". وتميزت سنوات ترامب بالاستقالات العديدة لكبار المسؤولين من البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي ومختلف الوزارات والأجهزة. 

المسؤولون الذين استقالوا من هذه المناصب خلال سنوات ترامب زادوا عن عدد الذين استقالوا خلال ولايات الرؤساء رونالد ريغان والرئيسان جورج بوش الاب والابن والرئيس باراك أوباما معا. ومعظم المسؤولين الذين يستقيلون يتم استبدالهم بمناصرين لترامب، أو تترك مناصبهم شاغرة ويقوم بوظائفهم نوابهم أو مسؤولين مؤقتين. وهذا الوضع يعني أن ترامب قد "فرّغ" الأجهزة البيروقراطية من المسؤولين المؤهلين.

على الصعيد العالمي، قوض ترامب عن قصد، جميع البنى والمنظمات والأحلاف الدولية التي بنتها واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من حلف الناتو إلى الاتفاقات التجارية، وفرض العقوبات الاقتصادية على حلفاء واشنطن في أوروبا وكندا وكوريا الجنوبية. 

في المقابل عزز من علاقاته مع القادة الأوتوقراطيين من الروسي فلاديمير بوتين، إلى كيم يونغ أون الكوري الشمالي، إلى التركي رجب طيب إردوغان، إلى السعودي الامير محمد بن سلمان، الذي وصفه ترامب "صديقي" بعد آخر اتصال هاتفي معه، على الرغم من أن وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) وجهت إليه أصبع الاتهام بجريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي. 

تقويض هذه الأحلاف الدولية باسم أسطورة "أميركا أولا"، أدى عمليا إلى تخلي إدارة ترامب عن دورها القيادي العالمي. ضعف هذا الدور، أو استقالة أميركا من موقعها كدولة أولى في العالم، أضعف حلفاء واشنطن التقليديين وخاصة في أوروبا، وعزز من مكانة روسيا، ومكانة الصين وخاصة في شرق آسيا.

النظام السياسي الأميركي، على الرغم من بعض مشاكله، لا يزال النظام الأكثر قدرة على التأقلم مع التحديات والمتغيرات بسبب جوهره الديمقراطي

خلال الازمة الراهنة، لاحظ العديد من المراقبين أن روسيا قد أرسلت طائرة محملة بالمعدات الطبية، كما تبرعت الصين بأجهزة تنفس اصطناعي، وذلك في مفارقة محرجة، ومحاولة لتحقيق اختراق دعائي وخاصة لروسيا. ترامب رحب بهذه الخطوات الدعائية دون أي حرج. خلال الأزمات المماثلة في السابق، كانت طائرات الإغاثة الأميركية تصل إلى المناطق المنكوبة في العالم محملة بالإمدادات والخبراء.

هذا الوضع المزري، دفع بالبعض في العالم للتحدث عن بروز الصين كدولة عظمى جديدة، وأفول نجم الولايات المتحدة، وهو موقف يعكس تمنيات هؤلاء وليس بالضرورة مبنيا على تحليل للوقائع والحقائق. 

حكم الولايات المتحدة رؤساء عظام، ورؤساء جيدون، ورؤساء تافهون وضعفاء. في هذه المرحلة الحرجة، تحتاج الولايات المتحدة إلى لرئيس جيد، لأن العظام ربما يأتون مرة في كل قرن، ولكنها منيت برئيس غير مؤهل لقيادتها وهي في أحسن حالاتها فكيف وهي تواجه تحديا ضخما. 

القيادة الأميركية للعالم تزعزعت مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض. ولكن، موضوعيا، لا تزال الولايات المتحدة مؤهلة للعب دورها القيادي في العالم، بسبب قدراتها الاقتصادية والعلمية وبسبب وجود بعض أهم وأبرز الجامعات والمختبرات العلمية فيها، وبسبب دينامياتها الاجتماعية والفكرية والعلمية، وقدرتها على الترحيب واستيعاب الطاقات العلمية والفنية من العالم كله، على الرغم من محاولات ترامب بناء جدار عازل بين أميركا والعالم. 

الديمقراطية الأميركية في ظل ترامب اصيبت بوعكة صحية، ولكنها قادرة على تخطيها. الصين منافس هام لأميركا، ولكن الصين بنظامها الأوتوقراطي والقمعي ليست المكان الذي يريد أن يتوجه إليه المخترعون والمبدعون علميا وفنيا. 

والنظام السياسي الأميركي، على الرغم من بعض مشاكله، لا يزال النظام الأكثر قدرة على التأقلم مع التحديات والمتغيرات بسبب جوهره الديمقراطي. تزامن تحدي فيروس كورونا مع وجود ترامب في البيت الأبيض شكّل نكسة لأميركا في هذه المرحلة التاريخية الحرجة. ولكن أميركا دخلت في تجارب صعبة ومعموديات نار وحروب عديدة وخرجت منها أقوى. هذا ليس زمن أفول أميركا.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.