Palestinian Hamas police cadets show their skills during a graduation ceremony from the Police Academy in Gaza City on May 7,…

تم الإعلان في أواخر عام 1987 عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي تنص المادة الثانية من ميثاقها على أنها "جناح في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أكبر الحركات الإسلامية في العصر الحديث". وأعلنت الحركة فور تأسيسها أنها لا تؤمن بوجود أي حق "لليهود" على أرض فلسطين التاريخية التي هي "وقف" إسلامي، لأن المسلمين فتحوها بالقوة، والأرض التي تفتح عنوة تنتقل إلى سيادة الدولة الفاتحة، والفتح اختصاص إسلامي "لأنه جاء لإنقاذ العباد والبلاد وتحرير الإنسان، ولم يكن يوما احتلالا، ولذلك فقد أقر أهل البلاد السابقين المسلمين الفاتحين ورحّبوا بهم".

وبذلك أورث الله هذه الأرض للمسلمين إلى يوم القيامة، ولم يعد من الجائز التصرف بها إلّا وفق مراد الله، وهي وقف لجميع المسلمين من مشارق الأرض لمغاربها ولا تخصّ شعبا مسلما دون آخر، ومن المحرّم على أي شخص قبول تعويض عن أرضه في أي تسوية أو حل "لأن أوطان الإسلام لا تقبل التنازل أو التعويض عنها بحال من الأحوال ومن فعل ذلك فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين".

وترى الحركة أن فلسطين قضية دينية لأنها تضم مقدّسات إسلامية، وتحريرها لا يمكن أن يتم إلا بالجهاد الذي هو فرض عين على كل مسلم. وقال القيادي البارز في "حماس" محمود الزهار أن "تحريرها حقيقة قرآنية ستتحقق قريبا والجيل الحالي سيصلّي في المسجد الأقصى محرّرا". 

وبما أن التسويات السياسية تعني التسليم ببقاء الاحتلال في بعض المناطق فإن هذا يدخل في نطاق المحظور الذي لا يمكن القبول به في الفقه الإسلامي، ولذلك يرفض ميثاق الحركة كل ما يسمّى الحلول السلمية للقضية الفلسطينية، كما يرفض استبدال إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية وتبنّي الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من أساس الدين، وعلى أتباع الديانات الأخرى أن يكفّوا عن منازعة الإسلام في السيادة على هذه المنطقة حسب المادة 31 من ميثاق الحركة.

لم ينجم عن سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة إلا مزيد من بؤس ومعاناة شعبها وانخفاض في مستوى المعيشة إلى أقل من نصف مستواه في الضفة

هذا المزيج من الأساطير وأحلام اليقظة هو البرنامج السياسي لحركة "حماس"، والذي لا يتضمن آليّات أو وسائل واقعية لتنفيذه. فأقصى ما بإمكان الحركة فعله على أرض الواقع هو إصدار بيانات شجب واستنكار وتنظيم مسيرات احتجاج في المناسبات الدينية والوطنية وبناء ورشات لتصنيع صواريخ بدائية، من غير المستغرب أن يتم تصنيف مستخدميها بالإرهابيين لأنها أسلحة عمياء غير دقيقة، كما أنها لا تستطيع إحداث فرق ذو قيمة في ميزان القوى العسكري فالفجوة التكنولوجية مع إسرائيل هائلة. 

ومع تزايد صعوبة تسويق مثل هذا البرنامج قامت الحركة بإصدار وثيقة عام 2017، استبدلت فيها بعض مفردات الميثاق دون إحداث فروق جوهرية في مضمونه. وفي النتيجة لم ينجم عن سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة إلا مزيد من بؤس ومعاناة شعبها وانخفاض في مستوى المعيشة إلى أقل من نصف مستواه في الضفة. لكن في متناول الحركة ذريعة مثلى تستطيع إرجاع كل المصائب إليها وهي الاحتلال.

ولكن ذريعة الاحتلال لا تفسّر مغادرة الكثير من المسيحيين لغزة بعد انسحاب إسرائيل وسيطرة حركة "حماس" عليها، إذ رغم قول "حماس" بأنها لا تتعامل مع المسيحيين على أساس ديني، ولكن بعض أعضائها كتبوا على جدران منازل مسيحيين وقتها "بعد السبت يأتي الأحد" في إشارة إلى الرغبة بالتخلّص من مسيحيي غزة، مما لعب دورا في انخفاض عددهم من بضعة آلاف وقتها إلى بضع مئات اليوم. ونتيجة أسلمة المجتمع الفلسطيني بشكل عام فقد انخفضت أعداد المسيحيين في الضفة أيضا حتى وصلت عام 2017 إلى 45 ألفا 2 في المئة منهم في غزة.

ولو كان الاحتلال هو السبب لما كانت أعداد المسيحيين قد ارتفعت في إسرائيل نفسها من 34 ألفا عام 1949 إلى 177 ألفا عام 2019، لتكون إسرائيل البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي ازدادت فيه أعداد المسيحيين، بل يتميّز مسيحيو إسرائيل بأنهم أكثر تعليما من اليهود والمسلمين ولديهم أعلى نسبة من الأطباء ومن خريجات الجامعات من النساء.

وكذلك لا دور لإسرائيل في الهجوم العسكري الواسع الذي قامت به حركة "حماس" على أجهزة السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير في غزة عام 2007 والذي قتلت فيه وأصابت بإعاقات دائمة مئات الفلسطينيين. ثم ما هي مسؤولية الاحتلال عن سياسة "حماس" الإقليمية التي لم تترك لها كثيرا من الأصدقاء، فالحركة تعتبر الحكم المصري خائنا لأنه وقّع اتفاق سلام مع إسرائيل، وبالمقابل تتهم السلطات المصرية حركة "حماس" بأنها قامت ببناء علاقات مع بعض عشائر سيناء لتهريب أسلحة وغيرها للقطاع مما ساعد على تحويل هذه المنطقة إلى بؤرة للتنظيمات الإرهابية.

برنامج "حماس" وضع الفلسطينيين أمام طريق مسدود. لا هم قادرون على تحقيق النصر ولا هم راغبون بالسلام

وعلاقة "حماس" المتوترة مع الأردن هي نسخة مماثلة لعلاقتها مع مصر، كما تدهورت مؤخرا علاقة "حماس" مع دول الخليج لوقوف الحركة المكشوف مع إيران مما دفع السعودية لاعتقال عشرات الفلسطينيين بتهمة الانتماء لتنظيم إرهابي وجمع أموال بطريقة غير مشروعة، فما كان من الحوثي إلا عرض مبادلة هؤلاء المعتقلين مع أسرى سعوديين لديه، وما أعقبه من ترحيب "حماس" بهذه المبادرة لتؤكد الحركة بذلك أنها فصيل رئيسي في المحور الإيراني، رغم أن السعودية هي أكثر الدول العربية والإسلامية تبرّعا للشعب الفلسطيني، لكن إخلاص "حماس" الشديد لإيران تجلّى في وقوفها مع النظام السوري ضد الشعب الذي ثار عليه، مما يدل على أن "حماس" لم تدرك حتى الآن أنها لا تقف بسياساتها هذه ضد حكومات وأنظمة عربية بل ضد أغلبية شعوب المنطقة بما فيهم الشعب الإيراني نفسه.

وكما نجحت "حماس" في خلق الكثير من الأعداء الإقليميين فقد كان لها نجاح مماثل في خلق أعداء دوليين، لأنها بفكرها الأصولي القادم من غياهب التاريخ تعتبر الغرب "صليبي" وترفض ديمقراطيته وانفتاحه وحريّته ومفاهيمه، لكنها لا تستطيع إعلان ذلك فتقول أنها تختلف فقط مع بعض قادة الغرب حتى لا تبدو على حقيقتها تنظيم إسلامي متطرّف، خصوصا لأن الضفة وغزة تتلقّى أعلى معدلات المساعدات الدولية في العالم فقد حصلت بين عام 1994 وعام 2019  على ما يعادل 35.4 مليار دولار أتى أغلبها من الاتحاد الأوروبي وأميركا والسعودية والإمارات الذين تعتبرهم حماس من أعدائها.

أي أن برنامج هذه الحركة وضع الفلسطينيين أمام طريق مسدود. لا هم قادرون على تحقيق النصر ولا هم راغبون بالسلام فلم يبقى أمامهم سوى الإحباط والغضب الذي تستثمره الحركة في تجنيد جيل جديد من اليائسين في صفوفها، ولكن "حماس" اليوم ومع زيادة تعقيدات الموقف الإقليمي والدولي أصبحت أمام مفترق طرق: إمّا ترك السلطة والاعتراف بفشل برنامجها، أو الإصرار على متابعة خياراتها الخاطئة ودفع غزة نحو التحوّل رسميا إلى أمارة إسلامية لا تختلف كثيرا عن نظيراتها في الصومال وأفغانستان.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.