Afghan youth dance and peace activists gather as they celebrate the reduction in violence, in Jalalabad, Afghanistan February…
شبان أفغان يرقصون احتفالا بتوقيع اتفاق السلام في فبراير الماضي

يصل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى الدوحة اليوم معولا على اتفاق ما بين الأفرقاء الأفغان قد يأتي ببعض الاستقرار في أفغانستان، والأهم أنه يتيح للولايات المتحدة سحب معظم جنودها من البلاد.

لقاءات الدوحة التي تتقاطع مع الذكرى التاسعة عشرة لاعتداءات 11 سبتمبر 2001 والتي مهدت للحرب في أفغانستان، تعكس حجم تغير المشهد اليوم وتبدل طموحات وحسابات اللاعبين.

لنبدأ بالولايات المتحدة التي دخلت الحرب في 2002 لإسقاط حكم طالبان وإخراج تنظيم "القاعدة" وأسامة بن لادن يومها من جبال تورا بورا. نجحت واشنطن بتحقيق الهدفين وقتلت بن لادن في باكستان إنما معركة بناء الأمن والاستقرار والدولة في أفغانستان فشلت بعد 18 عاما، وفرضت على أميركا أن تغير حساباتها بدل الاستمرار بالوجود العسكري اللانهاية له هناك.

هذه الهدنة فاعلة اليوم، ومنذ فبراير لم تقتل طالبان أي جندي أميركي في البلاد، وهي تدرك منافع الانسحاب ورغبة ترامب بالقيام به

منذ العام 2018 وإدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى عبر مفاوضات مباشرة مع طالبان في الدوحة يقودها زلماي خليل زاد إلى إبرام اتفاق للانسحاب من أفغانستان. أولا، يحقق الانسحاب مطلبا انتخابيا لترامب وثانيا تؤيد غالبية الأميركيين الخطوة بحسب الاستطلاعات. وعليه جاء اتفاق 29 فبراير بين أميركا وطالبان ليرسخ أسس الانسحاب، والتي يمكن وصفها بهدنة بين الحركة والقوات الأميركية أكثر من هدنة في أفغانستان.

هذه الهدنة فاعلة اليوم، ومنذ فبراير لم تقتل طالبان أي جندي أميركي في البلاد، وهي تدرك منافع الانسحاب ورغبة ترامب بالقيام به. فأميركا اليوم تقف على منعطف يشبه حرب فيتنام في 1969 وبدء الانسحاب يومها من ذلك المستنقع. ومن أصل 8500 جندي أميركي في أفغانستان، يريد ترامب سحب النصف قبل موعد الانتخابات في 3 نوفمبر.

بالنسبة لطالبان التي باتت قياداتها تتلقى اتصالات من وزير الخارجية الأميركي وحتى من الرئيس نفسه بداية العام، لا يمكن تصوير ما يجري إلا أنه انتصار للمجموعة وقد يمهد لعودتها للحكم.

فإطلاق السجناء، رغم أن 68 في المئة منهم عادوا للقتال بحسب مجلة فورين بوليسي، هو مكسب للمجموعة كما هو جلوسها على طاولة المفاوضات مع الجانب الأميركي. لكن الحركة تستفيد أيضا من واقع الأمور داخل أفغانستان، وضعف الحكومة المركزية هناك. فرغم استثمارات التحالف السياسية والعسكرية والمالية، لم تفلح كابول في استنباط حكومة قادرة على مكافحة الفساد المستشري في البلاد وفي ظل تراشق النخب السياسية الاتهامات حول التلاعب بالانتخابات.

ما تبقى من حكم مدني واستقرار في أفغانستان فهو لم يعد من شأن أميركا كما لم يعد من شأن السوفيات في 1988

يضاف إلى هذه الفوضى، انتشار الميليشيات في أفغانستان. فطالبان ليست التنظيم الوحيد المسلح، فهناك "داعش" في خوراسان وشبكة الحقاني وتنظيم "القاعدة" وعشرات الحركات الإسلامية والأصولية في البلاد. وتستفيد طالبان من هذا الواقع كونها الأقوى من حيث البنية التحتية على الأرض، وباستغلال تحالفاتها لإضعاف السلطة المركزية مقابل فتح قناة مباشرة مع أميركا والصين وروسيا وإيران.

اليوم، وزارة الدفاع الأميركية غير مقتنعة بأرقام وسرعة الانسحاب من أفغانستان إنما القرار هو سياسي وبيد ترامب. ومع خروج الأميركيين وبعدهم التحالف، ستكون طالبان المستفيد الأول بشكل يمهد لعودتها للمشاركة في الحكم لكن من دون الهيمنة عليه وضمن قواعد جديدة تمنعها من تحويل أفغانستان إلى ملاذ للتطرف يهدد الغرب. أما ما تبقى من حكم مدني واستقرار في أفغانستان فهو لم يعد من شأن أميركا كما لم يعد من شأن السوفيات في 1988.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.