US President Donald Trump speaks during a Coronavirus Task Force press briefing in the Rose Garden of the White House in…
وجد ترامب في الإيجازات اليومية فرصته الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع بكثير من الجمهور المحدود الذي كان يحضر مهرجاناته الانتخابية

في البدء كان النكران. ولكن الوباء الذي كان ينكره الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسابيع، ويخشى من مضاعفاته السلبية على الاقتصاد وبالتالي على فرص فوزه بولاية ثانية، يحاول الآن استغلاله سياسيا وانتخابيا.  

استطلاعات الرأي الاخيرة تبين أنه بعد أسابيع من التخبط عاد ترامب إلى السيطرة على الهاجس الوحيد لملايين الأميركيين المأسورين في بيوتهم: فيروس كورونا وكيفية احتوائه ودحره.

الرئيس ترامب كان يعلم من التقارير الاستخباراتية في بداية السنة أن الوباء يمثل خطرا حقيقيا، وأنه في طريقه إلى الولايات المتحدة. ومع اكتشاف الحالات الأولى، لجأ ترامب إلى التقليل من أهمية وخطورة فيروس كورونا، وصاحب ذلك تمنيات بانحسار عدد حالات المصابين بأعراض الوباء "إلى الصفر"، وحتى تمنيات بحدوث "أعجوبة" تخلص الولايات المتحدة من هذا الطاعون الجديد، الذي كان يصر الرئيس ترامب حتى قبل أيام قليلة على وصفه "الصيني".  

انتقادات الخبراء والسياسيين الديمقراطيين لبطء الرئيس في التعامل بجدية وفعالية ضد الوباء وتردده في تعبئة موارد وطاقات الولايات المتحدة الكبيرة لاحتواء انتشار الوباء، وما رافق ذلك من انحسار كبير في موارد الأسواق المالية في وول ستريت، في نيويورك، وضعت ترامب في موقع دفاعي. 

راهن ترامب على التحول إلى الوجه الرسمي لمكافحة فيروس كورونا

عندما عين ترامب فريقا خاصا لقيادة جهود مكافحة فيروس كورونا، أراد أن يكون نائب الرئيس مايك بينس، الوجه الرسمي لهذه الجهود. ولكن الرئيس ترامب الشخصاني، الذي حرمه الوباء من استخدام المهرجانات الانتخابية التي كان يخاطب جمهوره من خلالها، وجد في الإيجازات اليومية فرصته الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع بكثير من الجمهور المحدود الذي كان يحضر مهرجاناته الانتخابية أو يراقبها على شبكة فوكس التلفزيونية المؤيدة له. وهكذا راهن ترامب على التحول إلى الوجه الرسمي لمكافحة فيروس كورونا.

وهكذا بدأ ترامب زياراته اليومية لمنازل عشرات الملايين من الناخبين، شاؤوا أم أبوا، ليحدثهم ـ أحيانا بتفصيل ممل، وأرقام مبهمة ـ عن قيادته لجهود الدولة الفدرالية في مكافحة فيروس كورونا. وتماشيا مع تقاليد الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه بإعلان الحروب ضد الآفات الاجتماعية والسياسية، مثل حرب ليندون جونسون ضد الفقر، وحرب ريتشارد نيكسون ضد الجريمة، وحرب جورج بوش الابن ضد الإرهاب العالمي، ادعى ترامب أنه يخوض حربا ضد عدو غير مرئي اسمه فيروس كورونا.

بدأ ترامب يردد: أنا رئيس في حالة حرب. لا توجد هناك سوابق من هذا النوع يمكن استخدامها كمرجعية حين تحليل سياسة ترامب الراهنة، وخاصة تأثيرها على انتخابات رئاسية ستجري بعد 7 أشهر. ما يراه الملايين من الأميركيين يوميا، هو رئيس لخّص بشخصه الرد الطبي واللوجستي والعلمي على الوباء الذي غزا الولايات المتحدة، حيث يتحدث عن المعدات الطبية والعلاجات المقترحة وكأنه أخصائي في مكافحة الأوبئة، دون أن يبالي بالأخطاء أو الشطحات أو المبالغات، طالما هو في دائرة الضوء والاهتمام الاعلامي. وقبل أيام استلمت، كما الملايين غيري من المواطنين، ورقة صادرة عن مراكز ضبط ومنع الأمراض بعنوان: "إرشادات الرئيس ترامب لأميركا حول فيروس كورونا".

استطلاعات الرأي الأخيرة، والتي أظهرت تحسنا محدودا في تأييد الأميركيين لأداء ترامب، تعطينا فكرة عن المزاج الشعبي العام في هذه اللحظة، ولكن كل ما نعرفه عن الوباء وضحاياه يبين أنه هدف متحرك ومن الصعب جدا التنبؤ بمسيرته، أكثر من القول إنه وباء خطير لا يرحم ضحاياه، وإن النماذج المعتدلة التي وضعها الخبراء حول تطور الوباء تبين أنه يمكن أن يؤدي إلى حصاد ما بين مئة ومئتي ألف ضحية. 

خلال أقل من أسبوع تضاعف عدد ضحايا الوباء إلى 2400 شخص، وفاق عدد المصابين بأعراضه في الولايات المتحدة عدد المصابين بهذه الأعراض في الصين، التي خرج منها الوباء. وهناك اجماع بين الخبراء أن عدد الضحايا سوف يتضاعف بسرعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يبدأ بالانحسار تدريجيا. 

ولاية نيويورك، وخاصة مدينة نيويورك التي يزيد عدد سكانها عن 8 مليون نسمة، هي أكثر مدينة منكوبة في البلاد. ولكن الوباء الذي يتحرك في مختلف الاتجاهات سوف يجعل مدينة نيوأورلينز في ولاية لويزيانا الجنوبية المدينة التي ستحتل هذه المكانة، وبعدها ربما أتى دور مدينة ديترويت بولاية ميتشغان في وسط غرب البلاد، وهكذا.

وإذا تعرضت الأنظمة الصحية في المدن الكبيرة لضغوط ضخمة وعجزت، كما يتخوف البعض، عن استيعاب ومعالجة العديد الكبير من المرضى، فإن الرئيس سيجد صعوبة كبيرة في الإفلات من تحمل مسؤولية التأخر لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع في معالجة الوباء بجدية في بداية الأزمة. 

وحتى الآن لا تزال مستشفيات عديدة في المدن الكبرى تحتاج إلى المعدات الضرورية لمكافحة الوباء مثل أجهزة التنفس الاصطناعي وحتى الأقنعة والقفازات وغيرها. 

وتوقعا منه لخسائر بشرية كبيرة، بدأ ترامب بتبرير هذه الخسائر المحتملة من خلال الادعاء بأنه لو لم يتخذ الإجراءات الحاسمة لكان يمكن أن تتكبد البلاد خسائر بشرية جراء فيروس كورونا تزيد عن مليوني نسمة. جاء ذلك بعد أن أبلغه الفريق الصحي أن الخسائر المحتملة قد تتراوح بين مئة ومئتي ألف ضحية.

معظم نشاطات الرئيس ترامب الآن تتمحور حول فيروس كورونا، وكلها تنضح بالاعتبارات السياسية والانتخابية. وبما أن خطر هذا الوباء سوف يبقى مخيما فوق البلاد لبضعة أشهر على الأقل، وبما أن الأميركيين سوف يبقون في منازلهم حتى نهاية أبريل، فهذا يعني أن الوباء سوف يصبح عاملا هاما، إن لم نقل العامل الأهم في التأثير على خيارات الناخبين في نوفمبر المقبل. 

لا أحد يعلم إلى أين ستصل البلاد في منتصف الصيف أو مطلع الخريف، ولكن ترامب سيستغل أي تحسن ولو بطيء لصالحه انتخابيا، وإذا بقي الوضع قاتما سوف يجد من يلومه ويحمله المسؤولية. ولكن مما لا شك فيه، أنه إذا استمرت شبكات تلفزيون الكابل في بث الإيجاز اليومي لترامب ومساعديه، فإنه سوف يدخل إلى ملايين البيوت الأميركية بصفته الرئيس ـ القائد في هذه المرحلة الصعبة. 

الانتخابات ستكون إلى حد كبير استفتاء على أداء ترامب في المواجهة مع الوباء

وخلال الأسابيع الماضية غاب منافس ترامب المتوقع من الحزب ديمقراطي، نائب الرئيس السابق عن المشهد الانتخابي والسياسي إلى حد كبير. صحيح أن الحزب الديمقراطي بدأ ببث دعايات انتخابية تنتقد تأخر ترامب في الرد على الفيروس والأخطاء والتخبط لحكومته، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، ولا تعوض عن غياب بايدن عن السجال السياسي والانتخابي.

وجاء في استطلاع لصحيفة واشنطن بوست وشبكة التلفزيون أي بي سي أن ترامب بدأ بردم الهوة بينه وبين بايدن. وبينما كان بايدن متقدما على ترامب بسبعة نقاط في فبراير الماضي، أظهر الاستطلاع الأخير أن ترامب أصبح متخلفا عن بايدن بنقتطين فقط. 

وحين سؤال الناخبين المسجلين أنه لو جرت الانتخابات الآن لمن سيقترعون، أجاب 49 بالمئة أنه سيختارون بايدن، بينما قال 47 بالمئة إنهم سيصوتون لترامب. وجوابا على سؤال حول من هو المؤهل لمعالجة فيروس كورونا اختار 47 بالمئة الرئيس ترامب، بينما اختار 43 بالمئة جون بايدن. 

وأظهر استطلاع لمؤسسة بيو أن نسبة الأميركيين المعجبين بأداء الرئيس ترامب قد ارتفعت بنسبة 5 نقاط منذ يناير الماضي، حيث وصلت نسبة مؤيديه إلى 44 بالمئة. اللافت أن الاستطلاع أظهر أن تحسن أداء ترامب كان في أوساط الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين.

قلب فيروس كورونا المشهد الانتخابي الأميركي رأسا على عقب. ومعظم المسلمات السابقة لم تعد حاضرة. ما نعلمه بيقين هو أن هذا الوباء سيكون عاملا هاما في التأثير على خيارات الناخبين، ما يعني أن الانتخابات ستكون إلى حد كبير استفتاء على أداء ترامب في المواجهة مع الوباء. ما لا نعلمه بدقة هو ما إذا كان فيروس كورونا سيكون العامل الأساسي في انتخاب الرئيس المقبل.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.