US President Donald Trump speaks during a Coronavirus Task Force press briefing in the Rose Garden of the White House in…
وجد ترامب في الإيجازات اليومية فرصته الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع بكثير من الجمهور المحدود الذي كان يحضر مهرجاناته الانتخابية

في البدء كان النكران. ولكن الوباء الذي كان ينكره الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسابيع، ويخشى من مضاعفاته السلبية على الاقتصاد وبالتالي على فرص فوزه بولاية ثانية، يحاول الآن استغلاله سياسيا وانتخابيا.  

استطلاعات الرأي الاخيرة تبين أنه بعد أسابيع من التخبط عاد ترامب إلى السيطرة على الهاجس الوحيد لملايين الأميركيين المأسورين في بيوتهم: فيروس كورونا وكيفية احتوائه ودحره.

الرئيس ترامب كان يعلم من التقارير الاستخباراتية في بداية السنة أن الوباء يمثل خطرا حقيقيا، وأنه في طريقه إلى الولايات المتحدة. ومع اكتشاف الحالات الأولى، لجأ ترامب إلى التقليل من أهمية وخطورة فيروس كورونا، وصاحب ذلك تمنيات بانحسار عدد حالات المصابين بأعراض الوباء "إلى الصفر"، وحتى تمنيات بحدوث "أعجوبة" تخلص الولايات المتحدة من هذا الطاعون الجديد، الذي كان يصر الرئيس ترامب حتى قبل أيام قليلة على وصفه "الصيني".  

انتقادات الخبراء والسياسيين الديمقراطيين لبطء الرئيس في التعامل بجدية وفعالية ضد الوباء وتردده في تعبئة موارد وطاقات الولايات المتحدة الكبيرة لاحتواء انتشار الوباء، وما رافق ذلك من انحسار كبير في موارد الأسواق المالية في وول ستريت، في نيويورك، وضعت ترامب في موقع دفاعي. 

راهن ترامب على التحول إلى الوجه الرسمي لمكافحة فيروس كورونا

عندما عين ترامب فريقا خاصا لقيادة جهود مكافحة فيروس كورونا، أراد أن يكون نائب الرئيس مايك بينس، الوجه الرسمي لهذه الجهود. ولكن الرئيس ترامب الشخصاني، الذي حرمه الوباء من استخدام المهرجانات الانتخابية التي كان يخاطب جمهوره من خلالها، وجد في الإيجازات اليومية فرصته الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع بكثير من الجمهور المحدود الذي كان يحضر مهرجاناته الانتخابية أو يراقبها على شبكة فوكس التلفزيونية المؤيدة له. وهكذا راهن ترامب على التحول إلى الوجه الرسمي لمكافحة فيروس كورونا.

وهكذا بدأ ترامب زياراته اليومية لمنازل عشرات الملايين من الناخبين، شاؤوا أم أبوا، ليحدثهم ـ أحيانا بتفصيل ممل، وأرقام مبهمة ـ عن قيادته لجهود الدولة الفدرالية في مكافحة فيروس كورونا. وتماشيا مع تقاليد الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه بإعلان الحروب ضد الآفات الاجتماعية والسياسية، مثل حرب ليندون جونسون ضد الفقر، وحرب ريتشارد نيكسون ضد الجريمة، وحرب جورج بوش الابن ضد الإرهاب العالمي، ادعى ترامب أنه يخوض حربا ضد عدو غير مرئي اسمه فيروس كورونا.

بدأ ترامب يردد: أنا رئيس في حالة حرب. لا توجد هناك سوابق من هذا النوع يمكن استخدامها كمرجعية حين تحليل سياسة ترامب الراهنة، وخاصة تأثيرها على انتخابات رئاسية ستجري بعد 7 أشهر. ما يراه الملايين من الأميركيين يوميا، هو رئيس لخّص بشخصه الرد الطبي واللوجستي والعلمي على الوباء الذي غزا الولايات المتحدة، حيث يتحدث عن المعدات الطبية والعلاجات المقترحة وكأنه أخصائي في مكافحة الأوبئة، دون أن يبالي بالأخطاء أو الشطحات أو المبالغات، طالما هو في دائرة الضوء والاهتمام الاعلامي. وقبل أيام استلمت، كما الملايين غيري من المواطنين، ورقة صادرة عن مراكز ضبط ومنع الأمراض بعنوان: "إرشادات الرئيس ترامب لأميركا حول فيروس كورونا".

استطلاعات الرأي الأخيرة، والتي أظهرت تحسنا محدودا في تأييد الأميركيين لأداء ترامب، تعطينا فكرة عن المزاج الشعبي العام في هذه اللحظة، ولكن كل ما نعرفه عن الوباء وضحاياه يبين أنه هدف متحرك ومن الصعب جدا التنبؤ بمسيرته، أكثر من القول إنه وباء خطير لا يرحم ضحاياه، وإن النماذج المعتدلة التي وضعها الخبراء حول تطور الوباء تبين أنه يمكن أن يؤدي إلى حصاد ما بين مئة ومئتي ألف ضحية. 

خلال أقل من أسبوع تضاعف عدد ضحايا الوباء إلى 2400 شخص، وفاق عدد المصابين بأعراضه في الولايات المتحدة عدد المصابين بهذه الأعراض في الصين، التي خرج منها الوباء. وهناك اجماع بين الخبراء أن عدد الضحايا سوف يتضاعف بسرعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يبدأ بالانحسار تدريجيا. 

ولاية نيويورك، وخاصة مدينة نيويورك التي يزيد عدد سكانها عن 8 مليون نسمة، هي أكثر مدينة منكوبة في البلاد. ولكن الوباء الذي يتحرك في مختلف الاتجاهات سوف يجعل مدينة نيوأورلينز في ولاية لويزيانا الجنوبية المدينة التي ستحتل هذه المكانة، وبعدها ربما أتى دور مدينة ديترويت بولاية ميتشغان في وسط غرب البلاد، وهكذا.

وإذا تعرضت الأنظمة الصحية في المدن الكبيرة لضغوط ضخمة وعجزت، كما يتخوف البعض، عن استيعاب ومعالجة العديد الكبير من المرضى، فإن الرئيس سيجد صعوبة كبيرة في الإفلات من تحمل مسؤولية التأخر لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع في معالجة الوباء بجدية في بداية الأزمة. 

وحتى الآن لا تزال مستشفيات عديدة في المدن الكبرى تحتاج إلى المعدات الضرورية لمكافحة الوباء مثل أجهزة التنفس الاصطناعي وحتى الأقنعة والقفازات وغيرها. 

وتوقعا منه لخسائر بشرية كبيرة، بدأ ترامب بتبرير هذه الخسائر المحتملة من خلال الادعاء بأنه لو لم يتخذ الإجراءات الحاسمة لكان يمكن أن تتكبد البلاد خسائر بشرية جراء فيروس كورونا تزيد عن مليوني نسمة. جاء ذلك بعد أن أبلغه الفريق الصحي أن الخسائر المحتملة قد تتراوح بين مئة ومئتي ألف ضحية.

معظم نشاطات الرئيس ترامب الآن تتمحور حول فيروس كورونا، وكلها تنضح بالاعتبارات السياسية والانتخابية. وبما أن خطر هذا الوباء سوف يبقى مخيما فوق البلاد لبضعة أشهر على الأقل، وبما أن الأميركيين سوف يبقون في منازلهم حتى نهاية أبريل، فهذا يعني أن الوباء سوف يصبح عاملا هاما، إن لم نقل العامل الأهم في التأثير على خيارات الناخبين في نوفمبر المقبل. 

لا أحد يعلم إلى أين ستصل البلاد في منتصف الصيف أو مطلع الخريف، ولكن ترامب سيستغل أي تحسن ولو بطيء لصالحه انتخابيا، وإذا بقي الوضع قاتما سوف يجد من يلومه ويحمله المسؤولية. ولكن مما لا شك فيه، أنه إذا استمرت شبكات تلفزيون الكابل في بث الإيجاز اليومي لترامب ومساعديه، فإنه سوف يدخل إلى ملايين البيوت الأميركية بصفته الرئيس ـ القائد في هذه المرحلة الصعبة. 

الانتخابات ستكون إلى حد كبير استفتاء على أداء ترامب في المواجهة مع الوباء

وخلال الأسابيع الماضية غاب منافس ترامب المتوقع من الحزب ديمقراطي، نائب الرئيس السابق عن المشهد الانتخابي والسياسي إلى حد كبير. صحيح أن الحزب الديمقراطي بدأ ببث دعايات انتخابية تنتقد تأخر ترامب في الرد على الفيروس والأخطاء والتخبط لحكومته، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، ولا تعوض عن غياب بايدن عن السجال السياسي والانتخابي.

وجاء في استطلاع لصحيفة واشنطن بوست وشبكة التلفزيون أي بي سي أن ترامب بدأ بردم الهوة بينه وبين بايدن. وبينما كان بايدن متقدما على ترامب بسبعة نقاط في فبراير الماضي، أظهر الاستطلاع الأخير أن ترامب أصبح متخلفا عن بايدن بنقتطين فقط. 

وحين سؤال الناخبين المسجلين أنه لو جرت الانتخابات الآن لمن سيقترعون، أجاب 49 بالمئة أنه سيختارون بايدن، بينما قال 47 بالمئة إنهم سيصوتون لترامب. وجوابا على سؤال حول من هو المؤهل لمعالجة فيروس كورونا اختار 47 بالمئة الرئيس ترامب، بينما اختار 43 بالمئة جون بايدن. 

وأظهر استطلاع لمؤسسة بيو أن نسبة الأميركيين المعجبين بأداء الرئيس ترامب قد ارتفعت بنسبة 5 نقاط منذ يناير الماضي، حيث وصلت نسبة مؤيديه إلى 44 بالمئة. اللافت أن الاستطلاع أظهر أن تحسن أداء ترامب كان في أوساط الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين.

قلب فيروس كورونا المشهد الانتخابي الأميركي رأسا على عقب. ومعظم المسلمات السابقة لم تعد حاضرة. ما نعلمه بيقين هو أن هذا الوباء سيكون عاملا هاما في التأثير على خيارات الناخبين، ما يعني أن الانتخابات ستكون إلى حد كبير استفتاء على أداء ترامب في المواجهة مع الوباء. ما لا نعلمه بدقة هو ما إذا كان فيروس كورونا سيكون العامل الأساسي في انتخاب الرئيس المقبل.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.