Burqa-clad women walk in the eastern Syrian village of Baghouz on March 13, 2020, a year after the fall of the Islamic State's …
سيدتان ترتديان البرقع في الباغوز منتصف شهر مارس

حدثت أمورٌ كثيرة منذ أن خسر تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") آخر قطعة من معاقله في بلدة باغوز السورية، هذا الأسبوع قبل عام. وكان أبرزها القضاء على أبو بكر البغدادي، أول خليفة للتنظيم الذي قُتل في غارة [جوية] شنتها القوات الخاصة الأميركية في باريشا، سوريا، في أكتوبر الماضي. وبعد ذلك الإعلان عن خليفته، أبو إبراهيم الهاشمي القرشي من قبل تنظيم "داعش"؛ ولم تكن هناك حتى الآن أي علامات على حدوث أي انقطاع في عمليات التنظيم نتيجة هذا الانتقال في السلطة. وبالفعل، على الرغم من التصريحات الصاخبة للحكومة الأميركية حول هزيمة تنظيم "داعش" في أعقاب سقوط الباغوز، إلا أن التنظيم لا يزال نشطا.
ومع ذلك، فمن السابق لأوانه أيضا الجزم بأن نشاط تنظيم "داعش" قد تجدد. والأصح القول إن التنظيم صامدٌ وينتظر اللحظات المناسبة لاستغلال الأوضاع ـ وليس بالضرورة بنفس الطريقة التي اتبعها في الفترة 2004 ـ 2006 (عندما اكتسب أهمية للمرة الأولى) أو في الفترة 2012 ـ 2014 (عندما عاد إلى الظهور بعد تكبده هزائم كبيرة في العراق). ومع ذلك، فما زالت العديد من الدينامكيات الكامنة، الطائفية منها وتلك المتعلقة بالحكم، التي أدّت إلى معاودة ظهوره قبل ثماني سنوات، قائمة في العراق وسوريا على حدٍّ سواء.

استمرار الولاء

في أعقاب خسائر الأراضي التي لحقت بتنظيم "داعش" في العام الماضي، أطلقت الجماعة حملة فيديو بعنوان "والنتيجة الأفضل يحققها الصالحون" بهدف إعادة تأكيد الولاء للبغدادي من قبل مختلف الجماعات التي تدور في فلك تنظيم "الدولة الإسلامية" داخل شبكته العالمية. وحصلت الحملة على دعم من الفروع الأساسية في العراق وسوريا وكذلك من "المحافظات" النائية والداعمين في أفغانستان وأذربيجان وبنغلاديش والشيشان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وليبيا وموزمبيق ونيجيريا والفلبين والصومال وتونس وتركيا واليمن.

من شأن الحفاظ على الاستقرار المحلي أيضا أن يخلق جدار حماية ضد نظام الأسد وحلفائه

وبعد وفاة البغدادي، أطلق تنظيم "داعش" حملة مشابهة من المقالات التصويرية التي أظهرت مناصري الجماعة في مختلف البلدان يبايعون القائد الجديد. وشملت الحملة هذه المرة فروعا في أفغانستان وأذربيجان وبنغلاديش وبوركينا فاسو والكونغو ومصر وإندونيسيا والعراق وليبيا ومالي وموزمبيق ونيجيريا وباكستان والفلبين والصومال وسوريا وتونس واليمن.

العمليات منذ الباغوز

منذ سقوط الباغوز حتى 19 مارس 2020، أعلن تنظيم "الدولة الإسلامية" مسؤوليته عن أكثر من 2000 هجوم في العراق وسوريا مجتمعة. وفي سوريا ادعى قيامه بـ 973 هجوما في المحافظات التالية:

المحافظة عدد العمليات
دير الزور 580
الرقة 150
الحسكة 141
حمص 48
درعا 33
حلب 16
دمشق 4
القنيطرة 1

وفي العراق، ادعى التنظيم شنه 1,143 هجوما في المحافظات التالية:

المحافظة عدد العمليات
ديالى 452
كركوك 171
بغداد 146
نينوى 138
الأنبار 133
صلاح الدين 71
بابل 32

ويمكن للمرء أن يستنتج من هذه البيانات، أن لتنظيم "داعش" قاعدة أقوى بكثير في منطقة دير الزور في سوريا ومنطقة ديالى في العراق من أي مكان آخر. ويشير التقرير أيضا إلى أن الخلايا الأصغر حجما لا تزال نشطة نسبيا في مناطق كركوك والرقة وبغداد والحسكة ونينوى والأنبار، حيث تشن حوالي 11 ـ 15 هجوما شهريا. وبالتالي، فإن البنية التحتية للقيادة والتحكم التابعة لتنظيم "داعش" تبدو سليمة.

المصدر: معهد واشنطن

على الرغم من أن عدد الهجمات يبدو مثيرا للوهلة الأولى، إلا أنه منخفض بالفعل من منظور مقارن (وإن كانت هذه الهجمات قد انتشرت بشكل مثير للقلق). ففي العراق، على سبيل المثال، شهد عام 2019 أدنى مستوى لعدد القتلى في صفوف المدنيين منذ حرب عام 2003، ويبدو أن هذا الاتجاه الانخفاض قد استمر هذا العام. ووفقا لمنظمة "إحصاء الجثث في العراق" (Iraqi Body Count) ، فقد قُتل 261 مدنيا هناك حتى شهر فبراير، وهو ما يصل إلى ما مجموعه 1،566 شخص إذا تم تقدير الأرقام استقرائيا لبقية العام. وهذا العدد أقل بكثير مما كان عليه في السنوات الماضية: على سبيل المثال، عانى العراق من:

السنة     عدد القتلى
2019     2,392
2018     3،319
2017     13،183
2014     20،218
في ذروة عام 2006 29،526

وبالطبع، إن تنظيم "الدولة الإسلامية" ليس مسؤولا عن جميع هؤلاء القتلى، لكنه كان الفصيل المتمرد المهيمن الذي يعمل في العراق على الأقل منذ عام 2009.
وقد تشير هذه البيانات أيضا حول هجمات تنظيم "داعش" أن العدد الفعلي لمقاتلي التنظيم المتبقين في العراق هو أقل بكثير من العدد المقدَّر عموما، بما أن مستوى العنف في البلاد أقل بكثير من أدنى مستويات النشاط التي سجلها التنظيم: وتحديدا بين عامَي 2009 و2011، بعد "صحوة" العشائر وزيادة عدد القوات الأميركية، عندما كان عدد القتلى السنوي يحوم حول 4,000 ـ 5,000. 
وخلال العام الماضي، أكدت الحكومة الأميركية والأمم المتحدة وأطراف أخرى أنه يوجد ما يصل إلى 25,000 مقاتل في العراق وسوريا مجتمعين: حوالي 11,000 في العراق و14,000 في سوريا. وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة، لكان من المرجح أن يكون العنف أسوأ بكثير خلال العام الماضي مما تشير إليه إحصائيات عدد القتلى. (ومع ذلك، إذا كانت تقديرات الولايات المتحدة/الأمم المتحدة تشمل أعضاء تنظيم "الدولة الإسلامية" المنخرطين في أنشطة غير عسكرية، فلا يمكن إجراء مقارنات مع الفترات السابقة التي برز فيها التنظيم من جديد باستخدام هذه المقاييس، لأن تنظيم "داعش" لم يكن لديه مثل هذا الجهاز البيروقراطي الواسع حتى عام 2013).

التطلع إلى المرحلة القادمة

ليس من المستغرب أن محافظة ديالى ما زالت تعتبر مركزا لهجمات تنظيم "داعش" في العراق، نظرا لدورها منذ مدة طويلة كمنطقة رئيسية للجماعة، سواء كانت مسرحا أثناء التمرد الناشئ في 2003 ـ 2004 أو كنقطة تراجع بعد هزائمها في الفترة 2007 ـ 2009. 
ويعود السبب في ذلك جزئيا إلى طبيعة الأرض الجغرافية، فتلك المنطقة غنية بالجبال والقنوات والبساتين وغيرها من التضاريس التي تجعل الاختباء ونصب الكمائن أكثر سهولة، والقيام بالعمليات المضادة الفعالة أكثر صعوبة. وبالإضافة إلى عمليات القتل المستمرة، شهدت ديالى أيضا عددا من عمليات الخطف في عام 2020 ـ وعلى الأرجح يتبع التنظيم هذه الطريقة للحصول على الفدية، كما فعل في الموصل بين عامي 2009 و2014 عندما كان يحاول تحقيق الاستقرار ومعاودة الظهور.
وتقع ديالى أيضا في تقاطع خطوط عرقية ودينية مختلفة بين العرب السنة، والعرب الشيعة، والأكراد، والتركمان. ويمكن لتنظيم "الدولة الإسلامية" الاستفادة من هذه الانقسامات لإيجاد فرص استهداف غنية، خاصة وأن "منظمة بدر" ـ وهي جماعة شيعية مدعومة من إيران وتشكل جزء من شبكة ميليشيات "الحشد الشعبي" العراقية ـ تسيطر حاليا على المنطقة. وهذه الدينامكيات نفسها تجعل من الصعب على القوات الخاصة الأميركية القيام بعمليات في ديالى. وفي الوقت نفسه، حدّ التكوين المختلط للمنطقة من قدرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على السيطرة الكاملة هناك، بما في ذلك في أحدث تكراراته.
ومن أجل قمع أنشطة تنظيم "الدولة الإسلامية" فعليا في هذه البقعة الساخنة، يجب على واشنطن أن تذكّر بغداد باستمرار بأن مسارها الحالي ـ تمكين الوكلاء الإيرانيين من فرض سيطرتهم المحلية ـ سيؤدي إلى إشعال التمرد المقبل لتنظيم "داعش". فقد أثبت تاريخ العراق في الفترة الأخيرة أن ترك الساحة للقوى الطائفية يُديم دورةً لا تنتهي من الانتعاش والانكماش المتكررين في الحركة الجهادية.
وعلى الرغم من أن انتشار العنف على مساحة أوسع من الأراضي العراقية أمر مثير للقلق، فمن المرجح أن تُركّز الشرارة المقبلة لتنظيم "داعش" في سوريا، حول البلدات على الجانب الشرقي من نهر الفرات. فالاستياء الذي يغلي تحت السطح في منطقة دير الزور يمنح التنظيم أكبر منصة للاستيلاء مجددا على الأراضي. ومن بين جميع المناطق الواقعة ضمن نطاق "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، فإن دير الزور هي أقل منطقة تخضع للسيطرة المباشرة من قبل الجناح العسكري لـ "الإدارة"، أي "قوات سوريا الديمقراطية" ـ خاصة منذ الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة والغزو التركي في أكتوبر الماضي. 
ونتيجة لذلك، ووفقا لـ "مركز معلومات روجافا"، انخفضت غارات "قوات سوريا الديمقراطية" وقوات التحالف ضد أهداف تنظيم "الدولة الإسلامية" في المنطقة من 32 في أوائل 2019 إلى 16 في أوائل 2020. بالإضافة إلى ذلك، كانت الظروف السائدة محدودة بالمساعدات الإنسانية وحالت دون أي محاولة لبدء جهود إعادة التأهيل والإعمار المحلية. وفي غضون ذلك، أفادت المحطة الإخبارية "دير الزور 24" أن تنظيم "الدولة الإسلامية" حاول إعادة فرض الضرائب على السكان المحليين في فبراير، مع حالات ملحوظة في بلدتي الحوايج والرغيب.
ويعود المستوى المرتفع لعمليات الجماعة في دير الزور أيضا إلى واقع كَوْن السكان في الشرق من العرب بشكل رئيسي، كما أن أماكن سكنهم بعيدة عن السلطات المركزية لـ "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي يتزعمها الأكراد في أقصى الشمال. ومن هذا المنطلق، أضاع التحالف فرصته لتأسيس هيكل حكم مستدام في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تتواجد القبائل المحلية على امتداد جانبي نهر الفرات، مما يمنح القوات القريبة التابعة لنظام الأسد وإيران والميليشيات الشيعية الوكيلة مجالا واسعا لإذكاء التوترات والانقسامات بين الأغلبية العربية السنية.
وفي ضوء هذه الظروف، يجب على التحالف التواصل مع المجالس المحلية في منطقة دير الزور التابعة لـ "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، بهدف تعزيز العلاقات وتقييد حرية حركة تنظيم "الدولة الإسلامية" وقدرته على البقاء نشطا في المنطقة. 

لم يتم الاتّعاظ من الدروس المستخلصة من هزائم التحالف بعد حملات الصحوة وزيادة عدد القوات الأميركية في العراق

وقد يعيق ذلك أيضا من محاولة الجماعة القيام بحملة أخرى "لكسر الجدران". وفي هذا السيناريو، يمكن لـ تنظيم "داعش" إطلاق سراح الآلاف من مقاتليه في السجون المحلية وعشرات الآلاف من مؤيديه في مخيمات اللاجئين المنتشرة في الشمال الشرقي، وبالتالي تجديد صفوفه العسكرية ومشروعه لبناء الدولة على حد سواء. وحدثت مثل هذه المحاولات من داخل سجون ومخيمات مختلفة في أعقاب الغزو التركي في أكتوبر الماضي، ومؤخرا في منتصف مارس، عندما حاول سجناء تنظيم "الدولة الإسلامية" الهروب في حي غويران بالحسكة. 
ومن شأن الحفاظ على الاستقرار المحلي أيضا أن يخلق جدار حماية ضد نظام الأسد وحلفائه الذين يحاولون استعادة هذه المنطقة، الأمر الذي لن يؤدي سوى إلى زيادة معاناة السكان وعمليات التجنيد من قبل تنظيم "الدولة الإسلامية".
أما بالنسبة لتفشي وباء كورونا في الشرق الأوسط، فمن السابق لأوانه التنبؤ بكيفية (ومدى) تأثيره على الدينامكيات المحلية وعلى تنظيم "الدولة الإسلامية" على وجه الخصوص. وعلى أقل تقدير، من المحتمل أن يؤدي إلى إعاقة العمل الدولي والمحلي ضد الجماعة بسبب تغيّر الأولويات. وقد أشار تنظيم "داعش" إلى هذا الاحتمال في نشرته الإخبارية "النبأ" قبل أسبوع، بقوله إن مؤيديه يجب ألا يظهروا أي شفقة ضد أعدائهم، بل في الواقع الضغط عليهم بأي شكل ممكن داخل البلدان [المختلفة] وخارجها.
وبالتالي، في حين أن تنظيم "الدولة الإسلامية" لم "يَعُد" بعد، أو حتى ليس بنفس القوة التي كان عليها في الفترة 2014 ـ 2016، فإن الذكرى السنوية لهزيمته وخسارته للأراضي عام 2019 لا تزال قاتمة. وحتى الآن، لم يتم الاتّعاظ من الدروس المستخلصة من هزائم التحالف بعد حملات الصحوة وزيادة عدد القوات الأميركية في العراق، مع احتمال أن تكون نافذة الفرصة لمعالجة الجذور السياسية لتجدد تمرد تنظيم "داعش" في المستقبل قد أُغلقت بالفعل مرة أخرى.

هارون زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب القادم "أبناؤكم في خدمتكم: مبشرو الجهاد في تونس".

المصدر: منتدى فكرة

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.