Anti-government protesters chant slogans as they march during a demonstration in the central Iraqi holy shrine city of Karbala…

في 20 شباط الماضي نشرت مجلة فورن بوليسي مقالا لجون حنا نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وكان عنوانه "العراق يحتاج لتغيير النظام مجددا". تزامن نشر هذا المقال مع فترة التظاهرات وحراك السيد محمّد توفيق علاوي لتشكيل حكومة جديدة بدلا عن حكومة عادل عبد المهدي، والتي فشل علاوي في نيل الثقة لتلك الحكومة من البرلمان.

ركز المقال على نقطة مهمة جدا، وهي أساس الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي في العراق، والتي وصفها كاتب المقال بـ "انهيار شرعية الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد عام 2003".

استحضر هذا المقال، بعد مرور سبعة عشر عاما على تغيير النظام الدكتاتوري في العراق، لكنه يعود إلى نقطة البداية، فهو اليوم على مفترق طريق بين الإبقاء على واقع اللادولة وديمومة الفوضى والتفكير بحلول تواجه أزمة الشرعية المتصاعدة رغم وجود انتخابات وعناوين لمؤسسات سياسية.

ما يعانيه العراق اليوم هو البقاء ضمن دائرة الأزمات التي تنتجها متلازمة التغيير والاضمحلال السياسي والتي شخصها صامويل هنتنغتون في الأنظمة التي شهدت تحولا سياسيا، وقتئِذ يصل اليأس من النظام السياسي إلى حالة التمزق، ولا تتمتع المؤسسات السياسية فيه سوى بقدر قليل من السلطة، وبقدر أقل من السيادة، وبانعدام المرونة. 

يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى 

ونتيجة هذه الأزمات يصل النظام إلى أزمة "الانحلال السياسي". ويشخص هنتنغتون المشكلة الرئيسة التي تواجه الأنظمة السياسية التي تعاني من مشكلة عدم الاستقرار على أنها الهبوط في النظام السياسي، والتقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، وهو نتاج إلى حد كبير للتغيّر الاجتماعي السريع لفئات جديدة في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.

ويبدو أن عجلة النظام السياسي في العراق متوقفة عند عتبة هذه الأزمات، إذ تتفق الطبقة السياسية جميعها على أن العراق يعيش فعليا أزمات الانسداد السياسي، بيد أنها تبدو عاجزة تماما عن طرح حلول لتجاوز ذلك. 

فالقوى السياسية تريد الإبقاء على منظومة سياسية تدار بمنطق التخادم المصلحي الذي لا يمكنه إلا أن يعيد تدوير ثنائية الفشل والفساد. ومن جانب آخر، لا تفكر بحلول عَمَليّة قادرة على تجاوز حالة الانسداد، وبدلا من ذلك تُسخّر كل ماكيناتها الإعلامية للترويج لنظرية المؤامرة الخارجية التي تسعى للانقلاب على هذا النظام، وبالتأكيد هم يتحدثون هنا عن نظامهم الذي أسسوه، وليس النظام السياسي المُرتبط بإدارة مصالح المجتمع.

والمفارقة، أن هذه الطبقة السياسية تريد من الجمهور أن يرفض أيَّ محاولة لتغيير النظام، وتتجاهل تماما، أن العراقيين باتوا لا يستحضرون أيَّ أمل بالتغيير إلا بالتدخل الخارجي! إذ يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى عند التفكير بتغيير الطبقة السياسية التي تتقاسم الحكم وتصادر الدولة. ومن ثم تكون جميع الاحتمالات للتغيير مُرحَّبٌ بها.

لا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي

الطبقة السياسية الآن تفتقد تماما إلى شرعية المنجَز، وتمثيلها للمجتمعِ ينحسر يوما بعد آخر، حتى يصل إلى مستوى مجموعة من الناخبين يرتبطون بمصالح مع شخوص تلك الطبقة، ويتم تحشيدهم في مواسم الانتخابات. وبالنتيجة، تتآكل الشَّرعية السياسية والدستورية وتنعكس على الأداء السياسي ووظائف الدولة.

إذا، ما هو الحل؟

شخصيا، لا أرى في الانقلاب العسكري حلا للأزمة، بل هو تفكير ماضوي سخيف يريد العودة مرة ثانية إلى حكم العسكر بعد أن غادرته أكثر الدول تخلفا. كذلك الانقلاب الذي يتم بإرادة حزبية أو ميليشياوية وبدعم خارجي سيواجه الأزمة عينها التي تواجهها الانقلابات العسكرية بوجود نخب خاسرة تسعى لاستعادة موقعها في النظام السياسي، ونخب صاعدة تحاول أن تمركز بقاءها بالسلطة، والنتيجة عدم الاستقرار السياسي، ويكون السِلم الأهلي مهددا باللجوء إلى العنف.

هناك مسألتان يجب استحضارها عند مناقشة حلّ أزمة النظام السياسي وشرعية الطبقة السياسية؛ الأولى هي حركة الاحتجاجات التي ساهمت بإعادة الاعتبار للجمهور مرة أخرى، بعد أن كان مجرّد أرقام في حسابات الطبقة السياسية في فترة الانتخابات. والثانية، التفكير بالحلول يجب أن يبقى في حدود الممارسات الديمقراطية والسعي لترسيخها، وليس بالانقلاب عليها بدعوى وجود خلل في تطبيقها.

تبدأ أولى خطوات الحل بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني في العراق لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية. وبسبب السلوك السياسي للطبقة السياسية سوف تبقى مؤشرات انعدام الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم

أهم إشكاليات النظام البرلماني هي مصادر قرار البرلمان كمؤسسة تُعبّر عن إرادة ممثلي الشعب، من قبل الزعامات السياسية التي لا تزال تتمتع بنفوذها السياسي من خلال مظاهر الشرعية التقليدية كالزعامات الدينية أو الكاريزمات التي صنعها عنوان المنصب السياسي. وبذلك تتم مصادرة القرار السياسي للبرلمان وللنواب ممثلين الشعب، وتكون النتيجة تمركز السلطة بيد الزعامات وليس المؤسسات الشرعية.

يخطأ كثيرون عندما يعتقدون أن النظام شبه الرئاسي يعني غياب البرلمان، بل على العكس هو قد يمثّل حلا لإعادة الاعتبار في الفصل بين السلطات، بعد أن أثبتت تجربة الأعوام السبعة عشرة من انحراف النموذج العراقي عن تطبيقات النظم البرلمانية، فالجميع بالسلطة والجميع في المعارضة. 

ومن ثم، التوجه نحو تطبيق النظام شبه الرئاسي سيسهم بإعادة التوازن المفقود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكونهما يعيدان الاعتبار للإرادة الشعبية في التمثيل السياسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم، فهو قد يشكل الفرصة الأخيرة لكسب الوقت، وقد يكون مدخلا لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي. وربما قد يكون مجرّد التفكير بأن التغيير سيتم على يد الطبقة السياسية الحاكمة هو أيضا نوع من الوهم.

A Lebanese youth runs with a national flag as smoke billows from burning tires during a demonstration in Jal el-Dib area on the…
من واجبنا أن نغضب، لأن "أخذكم بحلمنا" قزّمنا، جوّعنا، عطّشنا، أعمانا، لوّثنا، وذلّنا

يحكموننا على طريقة الزعران والبلطجية، ويأمروننا أن نردّ على طريقة القديسين والأولياء.

يدوسون على رقابنا، ويتطلعون إلى أن نقبّل أحذيتهم.

يصادرون جنى عمرنا ويسطون على رواتبنا، ويطلبون منّا أن نهتف لعروشهم وكراسيهم وقصورهم.

يسرقون وينهبون ويهرّبون، ويفرضون علينا أن نحترمهم ونجلّهم.

يُسقطوننا ضحايا تحوّلهم إلى مرتزقة في حروب الأجندات الإقليمية، ويُهدّدوننا إنْ لم نقدّسهم ونحمدهم ونبتهل لهم.

إنّهم يأخذون حريتهم في إذلالنا وتعذيبنا وتهميشنا وتهشيمنا واحتقارنا واعتقالنا ونفينا واغتيالنا، ويريدون النيل من حقّنا في أن نغضب.

غضبنا مدخل إلى الكرامة، إلى الحرية، إلى الاكتفاء، إلى الحقوق، إلى المساواة، إلى العدالة، وإلى الوطن

يَتلون علينا أقوال الحكماء في مضار الغضب، ويخفون عنّا تأكيدات العلماء أن كَبْت الغضب جلّاب الويلات الفردية والجماعية، وأن التعبير الجماعي عنه هو رغبة بمعاقبة من يظلمنا، ويولّد فينا شجاعة وتجدّدا سياسيا ومواطنيه راسخة.
الغضب ليس المؤامرة، بل التسبّب به. والغاضبون ليسوا متآمرين، بل يَكسرون طوق المؤامرة التي لا تتوقّف عن استهدافهم.

الغضب ليس هدفا ثانويا، بل هو حاجة ملحة لإنقاذ الحياة من الذين يسطون عليها، تماما كالتنفّس، كالدواء، كالماء، وكالطعام.

كيف نستكين ونبتسم ونلهو، ولم يبقَ لنا طريق نسلكه إلا حدّ الشفرة؟

لن نصفع وجوهنا، لن نشدّ شعرنا، لن نفتح أوردتنا، لن نُطلق النار على رؤوسنا، ولن نُعاقب أنفسنا على ما أجرمتم به بحقّنا.

رشوتُم، خدعتُم، خُنتُم، كذّبتُم، حتى تحكموا، فأنتجتم لنا الويلات، ولكنّكم تحسبون أن معسول الكلام هو مسكّن للجماعة ومانع للغضب، وتظنون أن الترهيب هو نصيركم الدائم.

لم يعد لديكم نصير، في مواجهة غضبنا.

من كان يُخيفه قمعكم، أصبح يُخيفه بقاؤكم.

من كان يُرعبه سلاحكم، أصبحت تُرعبه ويلات استخدامه.

الغضب ليس هدفا ثانويا، بل هو حاجة ملحة لإنقاذ الحياة من الذين يسطون عليها، تماما كالتنفّس، كالدواء، كالماء، وكالطعام

من كان يخشى أن تخنقه أحذيتكم، بدأت تقتله سيطرتكم.

ليس من حقّنا أن نعبّر عن غضبنا، بل من واجبنا أن نفعل.

من واجبنا أن نغضب، لأن "أخذكم بحلمنا" قزّمنا، جوّعنا، عطّشنا، أعمانا، لوّثنا، وذلّنا.

الغضب شعور تصاعدي. لم تروا منه حتى الآن سوى رجفة الأيادي، واحمرار الوجنات، وصرخات الحناجر.

يوما بعد يوم، سترون ما تبقّى من عوارض الغضب. ستجدوننا بلا عيون ترى ما تفعل، بلا أياد تُدرِك ما تكسّر، وبلا أرجل تختار ما تركل، وبلا عقل يميّز واحدكم عن الآخر.

عقولكم باردة، لأنكم تظنون أنكم تسيطرون علينا بآلاتكم الحاسبة، وبأجهزة التحكّم عن بُعد، لكنكم، مع كل شروق وبعد كلّ غروب، ستكتشفون أنكم كما تجهلون مزايا الحكّام الصالحين لا تعرفون شيئا عن شعب أمعنتم في التعدّي عليه.

انتهى الأمر. نحن تحوّلنا إلى جماعات غاضبة. بعضنا طهّر دمه من مسكّناتكم. بعضنا الآخر لا يزال يجهد من أجل ذلك، لأن المقادير التي حقنتموه بها أدخلته في غيبوبة وصلت إلى خواتيمها.

لا تتكّلوا على ما تبقّى في مخازنكم من أفيون، لأنكم، من كثرة موبقاتكم، حتى أفيونكم هذا فَسُد، فالاستعانة بالعدو لم تعد تنفع، واجتهاداتكم الدينية لم تعد تُجدي، ومناوراتكم بتغيير الأقنعة الحاكمة أصبحت مسخرة.

غضبنا المبرّر سوف يجرفكم. لا تغشّكم قلة المياه المتدفّقة من ينبوع ترونه، لأن الينابيع التي لا ترونها أصبحت كثيرة، والغيوم تَسوَدُ وأمطارها غزيرة، والمياه التي تسير بهدوء تتواعد على فالق زلزالي تتنعّمون بأسفله.

من كان يُرعبه سلاحكم، أصبحت تُرعبه ويلات استخدامه

ظنّكم أننا سنُحبَط ونيأس سَقَط. توهّمتم أننا خِراف يُمكن أن تسوقونا واحدا تلو الآخر إلى المسلخ، ولكنكم ستكتشفون أننا شعب يعي من هم جلّادوه، ومن هم مستغلّوه، ومن هم مفقِروه، ومن هم المتاجرون به.

أنساكم اللعب بمصيرنا أن ثمة غضبا، وأن الغضب، وإنْ جرى احتواؤه مرة، فيستحيل احتواؤه كلّ مرة.

لسنا سعداء بغضبنا، ولكننا بلا غضبنا لن نكون، بفعل ما ترتكبون، سعداء يوما.

غضبنا مدخل إلى الكرامة، إلى الحرية، إلى الاكتفاء، إلى الحقوق، إلى المساواة، إلى العدالة، وإلى الوطن.

ترون الأقليات ماذا تفعل إنْ هي غضبت. تخيّلوا ماذا يُمكن للأكثريات أن تُنجزه إنْ هي غضبت.

أغلقوا أفواهكم، أقفلوا معتقلاتكم، عقّلوا أمنكم وضبّوا زعرانكم، فكل ذلك لا يهدّئ غاضبا بل يُغضب ساكنا.

لا تريدوننا غاضبين، ونحن لا نريد أنفسنا كذلك.

تريدوننا هادئين، فاغربوا وموبقاتكم عن وجوهنا وعن عيوننا وعن عقولنا وعن... رقابنا.