Paris police prefect Didier Lallement (L) speaks to a police officer adjusting a face mask as he came to visit police staff in…
شرطيان فرنسيان أحدهما يرتدي كمامة والآخر لا يرتدي

هل خُدِعنا؟
هذا السؤال لا أحتكر طرحه. كثيرون يفعلون. لم أكن السبّاق في رسم علامة الاستفهام هذه، بعدما هزّ فيروس "كورونا" ثوابت كنّا نتبنّاها ونروّج لها وندافع عنها وبعضنا يستشهد من أجلها.

ولا ينطلق هذا السؤال من الخوف، ولّاد الهواجس والأوهام، بل من الوقائع التي تستعرض نفسها في حياتنا، في إدراكنا، في مجتمعنا، وفي عالمنا.

وقائع تدفعنا الى الاعتقاد بأنّنا خرجنا، للتو، إلى حياتنا الطبيعية من قاعة سينما، حيث كنّا نشاهد فيلما طويلا عن عظمة البشرية وإبداعاتها واستثنائيتها.

الكمّامات

من منّا يستطيع أن يتحمّل مشهد هذه الدول الممتلئة بأخبار كبريات دور الأزياء وابتكاراتها وفنونها، وهي عاجزة أمام صناعة ما يكفي من كمّامات تقي الناس المرض والموت؟

كيف يعقل لمن هو قادر أن يبتكر هذا الكم الهائل إبرازا لجماليات الجسد، أن يقف مكتوف الأيادي، أمام صناعة كمامات، هي بالمقارنة مع أي فستان أو حذاء أو حزام أو قميص أو ربطة عنق أو حمّالة صدر، مجرد "رقعة"؟

من حقنا أن نسأل إذا كنّا قد خُدعنا، لأنّنا في عالم "ما بعد كورونا"، نحن من سوف يدفع الثمن الذي سيكون باهظا ومرهقا

كيف يعقل ألّا نصاب بدهشة سوداء، ونحن نقرأ أن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، مثلا، يتنافسان في الصين، ويزايدان بعرض الأسعار، حتى ينتزعا كمية من الكمامات؟

ماذا يبقى من عبقرية لدى أي مصمم وخيّاط وحائك، إذا كانت لا تصلح إلّا لأزمنة الترف؟ ولماذا ترانا نراكم ثرواتهم من أجل الزينة، فيما هم، في اللحظة التي يتهدد فيها الجسد بالفناء، لا حول ولا قوة لهم؟

أجهزة التنفّس

أمّا عن الحاجة إلى أجهزة التنفّس، فحدّث ولا حرج.

كيف لا نسأل عن الخديعة، ونحن نتلمّس، بأسى وذهول، التوقف عن معالجة كثير من المصابين بجائحة "كوفيد-19"، بسبب عدم القدرة على توفير هذه الأجهزة التي لا يحتاج تصنيعها لا إلى عباقرة ولا إلى عمالقة؟

ومن هم العاجزون عن ذلك، غير هؤلاء الذين يتبارون للوصول الى المريخ، لصناعة أكبر الطائرات مساحة، لابتكار أكثر الصواريخ تدميرا، ولتصميم أكثر السيارات سرعة؟

ماذا تنفع كل هذه المصانع، وهي العاجزة، في لحظة الحقيقة، عن "تدبّر أمرها" لصناعة أجهزة تنفّس، هي بالمقارنة، كغسل الوجه بالمياه؟

الحرب البيولوجية

ومن يلومنا على مناقشة الخديعة، ونحن كنّا نعتقد، بفعل ما قالوا وكتبوا وتفنّنوا وخططوا وناوروا، بأننا، فعلا، محميون من مخاطر أي "حرب بيولوجية"؟

ما أعظمها خدعة!

فيروس معروف أصله وفصله منذ سنوات، طوّر نفسه، وانتشر بيننا، فأُصِبنا بالهلع والإرباك والعشوائية، وهربنا نغلق على أنفسنا أبواب منازلنا، حيث اكتشفنا أن ما قيل لنا عن إنجاز الاستعدادات تصدّيا لأي حرب بيولوجية، لم يكن سوى مزحة سمجة، بسماجة العجز عن توفير الكمامات وأجهزة التنفس.

كأنّ الممسكين بأمر القوة والعظمة والسيطرة لم يدرسوا أن الضربة التي قصمت ظهر الإمبراطورية الرومانية جاءت من تدمير الطاعون لجيشها وقتل ربع سكانها، وكأنهم لم يتعلّموا أن طريق نابليون إلى "واترلو" عبّدها وباء "التيفوس" الذي أصاب جيشه العظيم في روسيا.

كانوا قد أوهمونا أنهم فعلوا.

النظام الطبي

وماذا ترانا نقول عن النظام الطبي؟

الحديث هنا لا يتصل بهؤلاء الأطباء والطبيبات والممرضات والممرضين والمسعفين والمسعفات الذين يبذلون أقصى ما عندهم من طاقة لأجلنا، ولا يتمحور حول النقص الاستشفائي الهائل في العدة والعديد حتى قبل حلول الوباء، بل في دخول كبار العلماء والاختصاصيين، في صراع استعملت فيه كل وسائل الدعاية وخدع السياسة، حول مدى نجاعة أو خطورة هذا الدواء أو ذاك.

إن هؤلاء الذين يفترض بهم، في عالم الخديعة الذي خرجنا منه على عجل، أن ينطقوا باسم العلم فيحسموا كل جدل، انضموا إلى من ينطقون ليشتهروا، ومن يتجنّدون ليثروا خدمة لمكاسب هذا المختبر أو تلك الشركة.

وبتناقض توصيات هؤلاء، تبرر السلطات السياسية قراراتها المرتبكة في مواجهة "كورونا فيروس".

علماء الاقتصاد

وتصل مشاعر الخديعة التي تجتاحنا إلى علماء الاقتصاد وآلاتهم الحسابية وقواعدهم الإحصائية ونسبهم التعجيزية وفوائدهم الربحية، ونحن نرى المدن ميدان أشباح والمطارات متاحف طائرات، ونحن نسمع أنين المصروفين من العمل وندب المزارعين الذين يتلفون نتاجهم، ونحن نقرأ نبوءات الكارثة الآتية وأرقام الخسائر المتراكمة.

كل العظمة التي أحاط بها هؤلاء أنفسهم، بعدما أتحفونا كتبا ومقالات وندوات ومحاضرات وجوائز وأوسمة، لم تنتج إلا توصية واحدة: الإقفال التام.

الإقفال التام نفسه الذي اعتمدته المجتمعات، في مواجهة الأوبئة، منذ قديم الزمان، أي في الزمن الذي لم تكن فيه لا مختبرات ولا جامعات، ولا أدوية، ولا مستشفيات ولا لقاحات، ولا إحصاءات، ولا ذكاء صناعيا، ولا جائزة نوبل، ولا أوسمة رئاسية.

هؤلاء الذين اصطحبناهم في رحلة سحرية إلى عالم "الإنسان-الإله" وإلى عالم "ما بعد الحداثة"، لم تتفتّق عبقريتهم إلا باللجوء إلى حلول اعتمدها "إنسان ما قبل الأبجدية" و"ما قبل الرياضيات" و"ما قبل الفيزياء" وما "قبل ابن خلدون وآدم سميث وتوماس مالتوس وكارل ماركس".

المتديّنون والأوبئة

وفي المقلب الآخر، لا يبدو السؤال عن الخديعة أقلّ مشروعية، عندما نقارن بين الوقائع المحققة من جهة وبين تحليلات المتديّنين وتفسيراتهم وشروحاتهم وحلولهم، من جهة أخرى.

وجد هؤلاء في جائحة "كوفيد-19" ملاذهم، فراحوا ينسبون ما حصل إلى غضب الله على "الكفّار" و"الشذّاذ" و"الخطأة" و"المرتدين" و"المنحرفين".

جميعهم، على رغم هذا الإبحار في عالمي اللاهوت والناسوت، لم يروا أن الفيروس كان قبل أن يكون الإنسان، وأنه هو أيضا، صنيعة الخالق، ولا يعدو كونه عاملا إضافيا من عوامل الموت الطبيعي للإنسان، بل وجدوه لعنة حلّت على من لا يتبعهم.

كان كل ما ذهبوا اليه ليستقيم، لولا أن الوقائع أظهرت أن الفيروس، إذا كان فعلا لعنة إلهية، فتكون هذه اللعنة قد حلّت على المتديّنين أنفسهم، لأنّه حلّ عليهم، وانتشر فيهم وعبرهم، وبهم ارتفعت أعداد ضحاياه.

ماذا تنفع كل هذه المصانع، وهي العاجزة، في لحظة الحقيقة، عن "تدبّر أمرها" لصناعة أجهزة تنفّس

ماذا نقول، والحالة هذه، عن استفادة "كورونا فيروس" من قم الإيرانية، معقل المدارس الدينية الشيعية، و"بناي براك" الإسرائيلية معقل اليهود الأرثوذكس ومدارسهم التوراتية، و"مولوز" الفرنسية حيث التقت وفود "إنجيليي" العالم، ولقاءات أديرة إيطاليا الكاثوليكية، والاحتفال الديني الحاشد في أحد مساجد ماليزيا، واجتماعات مسيحية مزدحمة في كوريا الجنوبية؟

والأهم، ما الذي يميّز هؤلاء المتديّنون، حاملو لواء اللعنة، عن مشجعي المباراة بين "أتالانتا برغام" الإيطالي و"فالنسيا" الإسباني، طالما أن الفيروس توسلهم، بالتساوي، لينشر نفسه على أوسع نطاق؟

أمام كل هذه الوقائع، من حقنا أن نسأل إذا كنّا قد خُدعنا، لأنّنا في عالم "ما بعد كورونا"، نحن من سوف يدفع الثمن الذي سيكون باهظا ومرهقا.

ولأنّ هذا الثمن سيقع على عاتقنا، من واجبنا أن نطرح الأسئلة المناسبة، وأن نعيد النظر في المفاهيم المكتسبة، حتى لا يتم تهميشنا في بناء المستقبل كما تمّ تهميشنا في بناء هذا الحاضر.

من حقنا أن نسأل لنعرف من هم الأغبياء الذين وصفناهم بالعباقرة، ومن هم الاستغلاليون الذين اقتنعنا بهم منقذين، ومن هم الطفيليون الذي وضعناهم في مقدمة المجتمع، ومن هم السفلة الذين ارتضينا بهم مرشدين، ومن هم السخفاء الذين نصبناهم حكّاما...

نعم، من حقنا أن نعرف من هو مخرج هذا الفيلم الطويل الذي كاد، لو لم يرمنا فيروس كورونا خارج قاعة السينما، أن يقنعنا أن ما نشاهده هو حقيقة فعلية وليس مجرد أسطورة تضاف إلى أساطير التاريخ.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.