Saudi Arabia's Deputy Crown Prince Mohammed bin Salman (L) looks on as Chinese President Xi Jinping (R) gestures to greet…
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين

ستشهد العشرية القادمة، وفقا لأغلب الترجيحات والتكهنات، تزايدا في الحضور الصيني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسينفث "التنين العملاق" نفوذه المنافس للمراكز الدولية الأخرى، من بوابة التجارة والاستثمار، وسيتحدى بحضوره، لا الولايات المتحدة التي ينخرط معها في "حرب باردة"، تسخن أحيانا، بل حلفاؤه وأصدقاؤه الدوليين والإقليميين من موسكو إلى أنقرة، مرورا بطهران.

باستثناء "الفيتو" الأميركي المُشهر في وجه دول المنطقة لمنعها من توسيع مظلة التعاون مع الصين، لا يعترض الزحف الصيني الهادئ والمتدرج إلى المنطقة، أية جدران أو عوائق من أية نوع. 

فالصين بخلاف من غيرها من الاقتصادات الكبرى، أقل حذرا حين يتعلق الأمر بالاستثمار في مناطق "عدم الاستقرار"، وشركاتها لا تنتظر "شهادة حسن سلوك"، لا من صندوق النقد ولا من البنك الدوليين، وهي لا تبالي بتصنيفاتهما ولا بـ"تحليلات المخاطر" التي تصدر عنهما، والأهم من كل وذاك وتلك، أن الصين في تعاملاتها مع الأنظمة والحكومات لا تحتفظ بأية "شروط مسبقة" أو "معايير صارمة"، فهي أقل اكتراثا بالخلافات السياسية و"حروب الهويات"، كما أنها أقل اهتماما بملفات من مثل: "طبيعة الحكم" والديمقراطية وحقوق الإنسان، إن لم نقل أنها ليست مهتمة بها على الإطلاق.

مقاربتها للمنطقة، التي تحمل اسم "مبادرة الحزام والطريق"، متخففة من السياسة وتعقيداتها. تقيم أفضل العلاقات مع إسرائيل والفلسطينيين، السنة والشيعة، الإمارات وتركيا، السعودية وإيران، الجزائر والمغرب... مقاربتها "عابرة لخرائط" الانقسامات السياسية والأيديولوجية والدينية والمذهبية، طالما أنها تقوم على توسيع شبكة نفوذها الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وتنجح في فرض نفسها كلاعب لا يمكن الاستغناء عن خدماته لآجال قادمة، إن لم يكن بقوة "المصالح المشتركة"، فبقوة العقود والاتفاقات المبرمة، التي تمكنها من "وضع اليد" على قدرٍ ليس بيسير من "موجودات" هذه الدول.

سيترتب على هذه العلاقة التنافسية بين العملاقين، أن تتحول دول عربية إلى ساحات وميادين لحرب باردة أميركية ـ صينية هذه المرة

على أن "الفيتو" الأميركي المشهر في وجه التمدد الصيني في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، يأخذ في فقدان فعاليته وتأثيره، تدريجيا ويوما إثر آخر، ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب، أهمها: (1) أن واشنطن بلا مشروع حقيقي في المنطقة، بعد أن حصرت اهتمامها بمواجهة إيران وأمن إسرائيل... (2) وأن واشنطن، تنتهج منذ باراك أوباما، وبالأخص في عهد دونالد ترامب، سياسة "إدارة الظهر" للشرق الأوسط، ما يدفع دوله ومجتمعاته للبحث عمّن يملأ فراغها... (3) أن واشنطن بانتهاجها سياسات "انكفائية" دوليا، وتنصلها المتكرر من التزاماتها المقررة بموجب اتفاقات ومعاهدات دولية وثنائية، لم تعد مصدرا للثقة والطمأنينة لدى عدد متزايد من دول المنطقة وحكوماتها... (4) أن الكلف الباهظة للتكنولوجيا والسلاح الأميركيين، تبدو عصية على الاحتمال بالنسبة لكثير من دول المنطقة، التي تنتقل من فشل اقتصادي إلى فشل أعمق وأشد، وتشتد حاجتها كما لم يحدث من قبل، لمدّ يد العون من الخارج، والصين تقف دائما على أهبة الاستعداد لمد هذه اليد، بما يخدم مصالح شركاتها العملاقة أولا، ويوفر الاحتياجات الضاغطة لدول المنطقة ثانيا.

النموذج الصيني الجاذب

في مقال سابق على هذا الموقع حمل عنوان "هل بمقدور الصين قيادة العالم؟"، تحدثنا عن أركان القيادة الثلاثة: القوة، الثروة و"الشرعية"، القوة بمعانيها الأوسع من الاقتدار العسكري، والثروة بمعنى توفر مصادر وفيرة لإدامة التفوق، و"الشرعية" المستمدة من منظومة قيمية وأخلاقية... 

بالنسبة لحكومات الشرق الأوسط وأنظمتها، ليست "الشرعية" متطلبا ضروريا لفتح أبواب دولها ومجتمعاتها لهذه القوة الدولية أو تلك، بل أن هذه الحكومات والأنظمة تفضل التعاون مع مراكز دولية، لا تؤرق رأسها بحكايات عن "الانتخابات الشفافة" وحقوق المثليين والنساء والأطفال، ولا بالتعددية وتداول السلطة...

هذه المفردات تكاد تكون "مُطاردة" على امتداد الإقليم، فإن كانت لدى الصين القدرة على توفير متطلبين اثنين، فإنها ستفتح لها أبواب خزائنها ومكامن ثرواتها: الملاءة التمويلية والاستثمارية المناسبة وهذا متوفر للصين، والقدرة على توفير "شبكة أمان" لأنظمة لا شرعية لها، وهذا أمرٌ مشكوك في حتى الآن على الأقل.

من الكويت حتى موريتانيا، نجحت الصين في التغلغل في اقتصادات دول المنطقة، الكويت تنشئ صندوقا استثماريا مشتركا مع الصين (10 مليار دولار)، وتوكل لها مهمة بناء "هونغ كونغ جديدة" على خمسة من جزرها في الخليج العربي... في موريتانيا التجارة الثنائية تتضاعف والاستثمارات إلى زيادة... 

في العراق، تردد أن عادل عبد المهدي فقد موقعه في رئاسة الحكومة بعد أن أبرم أو كاد يبرم صفقات بقيمة نصف ترليون دولار مع الصين... في مصر حديث عن استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في الطاقة ومشاريع قناة السويس والموانئ... في سوريا ثمة تقديرات بأن الصين، ستتفوق على إيران وروسيا مجتمعتين في حجم الحصة التي ستحظى بها في مشاريع إعادة الإعمار، والعين الصينية على ميناء على شرق المتوسط، لا سيما وأن التسهيلات التي تحصل عليها في ميناء حيفا تبدو مهددة بعد زيارة مايك بومبيو المفاجئة لإسرائيل في مايو الفائت، في "عز الجائحة"... 

الصين أقل اكتراثا بالخلافات السياسية و"حروب الهويات"، كما أنها أقل اهتماما بملفات من مثل: "طبيعة الحكم" والديمقراطية وحقوق الإنسان، إن لم نقل أنها ليست مهتمة بها على الإطلاق

في لبنان، ثمة عرض صيني واستجابة لبنانية غير رسمية لمشاريع من شأنها أن تغير صورة لبنان: محطات توليد كهرباء، قطارات و"أوتوسترادات" وشبكات نقل عملاقة وأنفاق جسورة تربط البقاع ببيروت في دقائق بدل ساعات... وليس كل ما ذكر، سوى غيض من فيض.

أما في إسرائيل، فقد جاء الدخول الصيني على خط الاقتصاد من أوسع بوابات الطاقة والمياه والموانئ والاتصالات والبنى التحتية، وهو ما أثار قلق وواشنطن، ودفعها للطب علنا من حليفتها المفضلة، بوقف عدد من المشاريع الهامة، وبالفعل تم تجميد استثمارات صينية بقيمة مليار ونصف المليار بعد زيارة بومبيو المذكورة.

لا حدود ولا سدود في وجه تدفق الاستثمارات الصينية إلى المنطقة، وصولا إلى دول الخليج جميعها، وحوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فيما قرون الاستشعار الصينية تعمل على مدار الساعة، من أجل التقاط الفرص وعدم إهدارها.

يتوازى ذلك مع انتعاش "دبلوماسية المساعدات والإغاثة الإنسانية"، لا سيما في زمن كورونا، إذ راقبت دول المنطقة ومجتمعاتها كيف تمكنت بكين من احتواء الوباء، وكيف تعلن واشنطن خروجه عن السيطرة، فتكون النتيجة لصالح توثيق التعاون مع الصين، مؤيدة من فئات متزايدة من الرأي العام، القلق والغاضب بدوره، من تخبط السياسات الأميركية في طول الإقليم وعرضه.

وتجد الصين في "المأزق" غير المسبوق، الذي تعيشه الديمقراطية وحقوق الانسان عالميا، مناسبة لشن هجوم معاكس على الولايات المتحدة والغرب، في مسعى للبرهنة على فشل نظريات "نشر الديمقراطية" و"تعميم حقوق الانسان" وإسقاط مفهوم "القيم المشتركة" لصالح مفهوم "المستقبل الإنساني المشترك" الذي جعلت منه الصين راية وشعارا لها.

غالبية الأنظمة العربية، يروقها بشكل أو بآخر، "النموذج الصيني"، الذي حقق "معجزة اقتصادية" من دون الاضطرار للسير بعيدا على طريق نشر الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وثمة "تنظير" متعاظم في المنطقة، لـ"صوابية" هذا الخيار، وكلفه المتواضعة، لا سيما بعد فشل تجارب الانتقال الديمقراطي التي أعقبت ثورات الربيع العربي، وتحولها إلى العنف والاحتراب الأهلي... ولا تبالي هذه الأنظمة والحكومات كثيرا بالمقولات الاستشرافية التي تتحدث عن صدام ضروري منتظر بين النموذجين السياسي والاقتصادي في الصين، بين اقتصاد قائم على "التعددية" و"الملكية الخاصة" في قسم رئيس منه، ونظام حكم قائم على "الفرد الواحد" و"الحزب القائد".

الحرب الباردة شرق أوسطيا

في مقابل عوامل الجذب، الاقتصادية أساسا، التي تشد دول المنطقة إلى التجربة الصينية، تجد الأنظمة والحكومات العربية، "غير الشرعية" في معظمها، نفسها بحاجة ماسة (حتى الآن على الأقل) للحماية الأميركية، لا سيما تلك الأنظمة الأشد إيغالا في القمع والاستبداد داخليا، أو الأكثر ميلا للمغامرات والحروب خارج حدودها، ولهذا السبب، ليس متوقعا أن يكون الحضور الصيني في الإقليم، إحلاليا، أي بديلا عن الدور الأميركي فيه، والأرجح أن يكون بموازاته وبالتنافس معه، أقله لعقد أو أزيد من السنوات.

لكن سيترتب على هذه العلاقة التنافسية بين العملاقين، أن تتحول دول عربية إلى ساحات وميادين لحرب باردة أميركية ـ صينية هذه المرة... ولمّا كانت واشنطن، ليست بصدد، ولا هي قادرة على مواجهة الصين في الميدان الاقتصادي والاستثماري في المنطقة، فإن من المرجح أن تلجأ إلى وسائل وأدوات أخرى للحد من اندفاعة التنين الصيني وبناء السدود على طريقه... 

ليس مستبعدا أبدا، أن تفضي "الحرب الباردة" على الأسواق والاستثمارات والبنى التحتية في المنطقة بين العملاقين، إلى دفع الصين إلى تخطي حذرها التقليدي في اللجوء إلى "الوسائل الخشنة" في سياساتها الخارجية

هنا، يتوقع المراقبون أن يزداد ميل واشنطن لممارسة ضغوطٍ سياسية ودبلوماسية، مصحوبة بالتلويح بسيف العقوبات الاقتصادية والتجارية، على الحكومات التي تجتاز أو تفكر باجتياز "الخط الأحمر" في تعاملاتها مع الصين، وسيسهم هذا التنافس بين العملاقين، في خلق انقسامات داخل المجتمعات والنخب السياسية (لبنان والعراق نموذجين على ذلك)، كما أنه قد يفضي إلى زعزعة الأمن والاستقرار محليا وعلى مستوى الإقليم.

وليس مستبعدا أبدا، أن تفضي "الحرب الباردة" على الأسواق والاستثمارات والبنى التحتية في المنطقة بين العملاقين، إلى دفع الصين إلى تخطي حذرها التقليدي في اللجوء إلى "الوسائل الخشنة" في سياساتها الخارجية، والتفكير بزيادة وجودها العسكري في المنطقة، فتحت عنوان حماية طرق التجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي، أنشأت الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي، وربما تحت عناوين مماثلة، تتوخى تأمين "الحزام والطريق"، سيجري العمل على زيادة انتشارها العسكري على امتداد "الطريق والحزم" أو عند مفترقاته ومفاصله الأكثر أهمية.

تدلل على ذلك، التوجهات الأخيرة التي أقرها الحزب الشيوعي الصيني، والتي تقضي برصد موازنات ضخمة لإعادة تطوير وتحديث الجيش الصيني خلال العقد القادم، ليكون قادرا على حماية البلاد داخل حدودها... وخارجها كذلك.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.