A handout picture provided by Iranian army official website on April 17, 2020 shows Iranian army soldiers wearing protective…
عرض عسكري للجيش الإيراني في زمن فيروس كورونا

وصل فيروس كورونا إلى إيران في واحدة من أسوأ الفترات التي مرّت على الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها قبل أربعة عقود. فقد تلقى النظام ضربات قوية لشرعيته الأيديولوجية، وشعبيته الثورية، وكفاءته العملية، وبنيته الاقتصادية، وسياسته الخارجية الإسلامية، وتطلعاته للهيمنة الإقليمية. ولكن رغم كل هذه التحديات والتأثيرات الساحقة لمرض "كوفيد-19"، إلا أن بإمكان الجمهورية الإسلامية أن تتحمل بسهولة [الظروف الصعبة] لسنوات عديدة أخرى ـ وإن كان ذلك لا يلغي إمكانية تغيير طبيعتها بشكل كبير.

قوة الدولة الضعيفة

تنطوي الأزمة الصحية العالمية الحالية على مفارقة، إذ ساهمت طبيعتها الوجودية في تمكين الأنظمة المضطربة كما في إيران. فكلما ازدادت الأضرار الناجمة عن وباء كورونا المستجد ("كوفيد-١٩") وزاد ذعر الناس، كلما زاد نظر الشعب إلى الحكومة على أنها الأمل الوحيد للمجتمع. 

لذلك، يشكّل المرض عنصرا فعالا بشكل استثنائي في تقليل المطالب السياسية للشعب، من المطالبة بالحرية وحقوق الإنسان إلى الاحتياجات الأساسية للغاية مثل الأمن البيولوجي. بالإضافة إلى ذلك، تخلق التوقعات العامة المتزايدة حول مسؤوليات الحكومة، أرضية خصبة لحدوث توسع كبير في سلطة الدولة.

وما ساعد في تمكين النظام الإيراني أيضا هو واقع أنه، على عكس المجتمعات الديمقراطية، لم يترك مجالا كبيرا للكيانات غير الحكومية للمشاركة في احتواء الوباء. وبالتالي لم يبقَ أمام المعارضين ومراكز النفوذ المتنافسة سوى القليل من الوسائل لاستغلال فقدان النظام لشرعيته وعلله الأخرى لإثبات أهليته كخيار بديل للقيادة.

بدأ الوباء فعلا في تغيير طبيعة النظام السياسي في إيران

على سبيل المثال، بعد اتهام رجال الدين بإعاقة المبادرات الوقائية التي قامت بها الدولة في المرحلة الأولية لتفشي الوباء، حاول هؤلاء تحسين صورتهم وذلك من خلال تنظيم مجموعات من "المتطوعين" للمساعدة في مكافحة المرض. ولكن ما لبث أن توقف القادة من رجال الدين عن محاولة الفصل بين حملتهم وبين الجهود الأوسع نطاقا التي يبذلها النظام لاحتواء الوباء. [وفي هذا الصدد]، اعترف علي رضا عرافي، "مدير مركز إدارة المعاهد الدينية"، مؤخرا أن رجال الدين يدعمون ببساطة "الحرس الثوري" الإيراني في المعركة ضد "كوفيد-19"، مشيرا إلى أنهم يُصلّون من أجل "عظمة ومجد" "الحرس الثوري".

ويساعد الوباء أيضا في تطبيع الدور الاستبدادي الذي يمارسه النظام في عالم الإنترنت، إذ يمكنه الآن تغيير وظيفة الأسلحة نفسها التي يستخدمها منذ فترة طويلة للتحكم في خدمة الإنترنت، ومراقبة النشاط السيبراني، وفرض رقابة على المعارضة، لاستخدامها كأدوات أساسية لتعقب المرض وحماية الصحة العامة. 

وفي السنوات الأخيرة، أصبح تطوير قدرات جديدة للمراقبة والحرب الرقمية إحدى أبرز الأولويات للجمهورية الإسلامية. ويصف المرشد الأعلى، علي خامنئي، الفضاء الإلكتروني بأنه ساحة معركة أساسية ويوجه بدقة سياسات النظام وعملياته في ذلك المجال. ولن تؤدي حالات الطوارئ لفيروس كورونا هذه سوى إلى توسيع الأنشطة وتقويتها، مع احتمال أن يصبح "الجهاد السيبراني" المعلن من قبل خامنئي أكثر أهمية بالنسبة لسياسات النظام في أعقاب الأزمة.

وبالمثل، يبدو أن النظام يعتقد أن التلاعب بالرأي العام من خلال وسائل الإعلام أصبح اليوم أكثر ضرورية لبقائه، خاصة مع انزلاق الاقتصاد بصورة أكثر نحو الانهيار. وقد أصبحت مؤخرا التغطية التلفزيونية والإذاعية، التي تسيطر عليها الدولة بالكامل، دعاية أكثر علانية، تقوم بلا خجل بتمجيد "الحرس الثوري" لدوره المحوري في "الحرب البيولوجية".

صعود "الحرس الثوري" بثبات

ساعد الوباء في تمكين "الحرس الثوري الإسلامي" أكثر من أي مؤسسة أخرى، خاصة في الوقت الحالي بعد أن علّق النظام القانون الوطني وأعلن حالة الطوارئ إلى أجل غير مسمى. ومُنحت قوات "الحرس الثوري" سيطرة غير مسبوقة على البلاد بعد أن قررت الحكومة أن تصبح أكثر صرامة بشأن فرض الحجر الصحي، والتباعد الاجتماعي، وما شابه ذلك من تدابير. 

وقد توسّع النظام الصحي والبنية التحتية الطبية التي يديرها "الحرس الثوري" والجماعات التابعة له توسعا هائلا ويعمل كل منهما حاليا بصورة أو بأخرى بشكل مستقل عن نظام الرعاية الصحية الوطني، مع الإشارة إلى أنهما قد أُنشئا خلال فترة الحرب بين إيران والعراق وتم تطويرهما بلا توقف منذ ذلك الحين.

ولسوء الحظ، فإن منح "الحرس الثوري" دورا أكبر في الأزمة ليس من الحكمة بالضرورة من وجهة نظر طبية. ففي 13 أبريل، بعث وزير الصحة، سعيد نمكي، رسالة إلى الرئيس حسن روحاني حذر فيها من العواقب الوخيمة لهذه المقاربة. وكتب نمكي مستخدما إحدى المواصفات التي منحها خامنئي لـ "الحرس الثوري" وميليشيا "الباسيج" التي تم تفويضها مسبقا للتدخل في الأزمات المحلية غير المتوقعة: "أي قرار غير مصرح به تتخذه القوى "المتأهبة"... سيعرّض النظام الصحي واقتصاد البلاد إلى الخطر في النهاية".

من المرجح أن تشكّل مقاومة رجال الدين الواضحة لمهام الدولة في مكافحة الفيروس نهاية ثقة الشعب برجال الدين إلى الأبد

ومع ذلك، لم يُترَك للوزراء، مثل نمكي، والحكومة المنتخبة بشكل عام سوى دور ثانوي خلال تفشي الوباء. فروحاني ليس له دور يُذكر في حالة الطوارئ، ومن المرجح أن تستمر إجراءات الأمن البيولوجي الخارجة عن نطاق القانون التي ينفذها "الحرس الثوري" قائمة لمدة طويلة بعد رفعها. 

كما أن تصوير الدولة للوباء على أنه هجوم أجنبي يساعد على تبرير هذه الإجراءات الأمنية الشاملة، في حين يوسع "الحرس الثوري" نطاق مهمته ليشمل ساحات معارك جديدة، وهي أجساد الناس. 

ومن جانبهم، قد يبدأ العديد من المواطنين في اعتبار مثل هذه الانتهاكات طبيعية بسبب مخاوفهم من المرض، وافتقارهم إلى السلطات البديلة، وارتفاع تكلفة الحفاظ على مجال عام مستقل وسط تصاعد الإجراءات الصارمة التي يتخذها النظام.

وفيما يتعلق بالتداعيات العسكرية لهذه الاتجاهات، من المحتمل أن يواصل "الحرس الثوري" تخطيط هجمات محتملة ضد القوات الأميركية في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو من خلال وكلائه من الميليشيات في العراق ودول أخرى. 

ويمكن أن تساعد مثل هذه العمليات في مواجهة الضرر الذي لحق بالسمعة المحلية التي طالت "الحرس الثوري" بسبب فضائح متعددة حديثة. ومع ذلك، فإن فعالية التكلفة لأي من هذه الهجمات سوف تعتمد بشكل كبير على ما إذا كان الوباء يثني الولايات المتحدة عن الانتقام الشديد.

ما الذي سيسّرع عملية الانتقال في إيران؟

في ضوء كل هذه العوامل، بدأ الوباء فعلا في تغيير طبيعة النظام السياسي في إيران. ومن المرجح أن تشكّل مقاومة رجال الدين الواضحة لمهام الدولة في مكافحة الفيروس نهاية ثقة الشعب برجال الدين إلى الأبد والشك في قدرتهم على العمل كرجال سلطة عقلانيين في المجال السياسي أو الاجتماعي. 

فقد أدّى فشلهم الذريع بالامتثال للحس السليم والضمير الحيّ إلى تهيئة الظروف التي قد تؤدي إلى علمنة القيادات المستقبلية في البلاد. إن الهوة الآخذة في الاتساع بين السلطات الشيعية من جهة، والطبقة الوسطى العصرية للغاية والشباب المثقف في إيران من جهة أخرى، ستجعل الجهات الفاعلة في السلطة أقل اهتماما بالسعي للحصول على دعم أيديولوجي أو سياسي من رجال الدين في مرحلة ما بعد خامنئي. وبما أن دور رجال الدين آخذ في التضاؤل، فإن المجتمع المدني ليس في وضع يسمح له بالتقدم إلى الأمام.

تنطوي الأزمة الصحية العالمية الحالية على مفارقة، إذ ساهمت طبيعتها الوجودية في تمكين الأنظمة المضطربة كما في إيران

ونتيجة لذلك، قد تكون إيران في خضم تغيير تطوّري. فالنموذج القديم قد شكّل نظاما ثوريا إسلاميا تم إدراجه بموجب مبدأ "ولاية الفقيه"، ولكنّ ذلك يمكن أن يفسح المجال أمام قيام نظام أمني وعسكري خاضع إلى حد كبير لسيطرة تحالف من الفصائل الرئيسية في "الحرس الثوري" من جهة وحلفاء الحرس المحددين حديثا والمستفيدين منه وعملائه من جهة أخرى.

وستأخذ هذه العملية قفزة كبيرة إلى الأمام إذا أصبح الانتقال على مستوى المرشد الأعلى ضروريا على المدى القريب. فخامنئي هو في الثمانين من عمره، لذلك فإن احتمال وفاته أو عجزه عن تأدية مهام منصبه كبير. وحتى لو بقي في السلطة لبعض الوقت، فقد يجد نفسه مهمشا في البيئة الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح أن يكون أي انتقال إلى زعيم جديد أو نظام قيادة جديد سريعا وتوافقيا على غرار ذلك الذي أعقب وفاة روح الله الخميني في عام 1989.

ومهما كانت الحالة، فإن الوباء جعل الدور الذي يلعبه "الحرس الثوري" حاليا، هو السيناريو الأكثر ترجيحا في إيران لإدارة مرحلة ما بعد خامنئي. وحتى ذلك الحين، لا شك في أن القيادة العسكرية الإيرانية تأمل في أن يؤدي الانكماش الاقتصادي العالمي الناجم عن الفيروس إلى ثني الولايات المتحدة وغيرها من "الأعداء" الأجانب عن المجازفة مع إيران، سواء عن طريق زعزعة استقرارها بالوسائل العسكرية أو تحويلها إلى دولة فاشلة من خلال سياسة "الضغط الأقصى".

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.