Lebanese nurses take a selfie as they celebrate International Nurses Day at the Rafik Hariri public hospital in Lebanon's…
ممرضات في مستشفى رفيق الحريري الحكومي في بيروت يحتفلن بيوم العالمي للممرض/ة

وباء كورونا الذي قتل حتى الساعة أكثر من 300 ألف شخص حول العالم وأصاب أكثر من أربع ملايين ونصف، لا يقترب من نهايته، لا بل فإن فرص الموجة الثانية أو الثالثة من الفيروس هي أكبر اليوم من فرص اختفائه.

الموجة الثانية بحسب المختصين في منظمة الصحة العالمية والخبراء الأميركيين بينهم الدكتور أنتوني فاوتشي لا مهرب منها وقد تكون أقسى على عالمنا من الأولى. المسؤول الأميركي السابق عن إيجاد لقاح للفيروس ريك برايت أخبر الكونغرس أمس أن أميركا قد "ينتظرها أسوأ شتاء في التاريخ الحديث" بسبب موجة كورونا الثانية. العوامل الأربعة الأبرز التي ترجح هكذا موجة هي عدم وجود لقاح، الخلل العالمي في التعاطي مع الفيروس وبرودة الطقس والنقص المستمر في الاستعدادات الطبية:

١ ـ لا لقاح قريب: فيما هناك عشرات المحاولات عالميا من أوروبا إلى أميركا وكندا والصين لإيجاد لقاح وتعميمه، فما من اختراق متوقع قبل نهاية العام. وحتى في حال اكتشاف لقاح عندها، فتعميمه والتأكد من نتائجه سيستغرق شهورا، ما يحتم الاستمرار في نهج "الاحتواء" حتى ذلك الوقت للتعامل مع الوباء.

القدرات الطبية والنظام الصحي هي معيار الانفتاح الاقتصادي وليس العكس

2 ـ الخلل العالمي في التعاطي مع كورونا. فعدم اتخاذ دول مثل البرازيل إجراءات صارمة لاحتواء انتشاره، أو قيام دول أخرى مثل فرنسا أو سنغافورة قبلها أو لبنان برفع هذه الإجراءات سريعا، مهّد لعدد أكبر من الاصابات. يضاف إلى ذلك عدم إغلاق جميع الدول لحدودها، ما يعني استمرار انتشار المرض بسبب سرعة العدوى، والتواصل السكاني رغم الإجراءات. فالصين تسجل اليوم حالات جديدة معظمها من الخارج، وإيران التي أعادت فتح مساجدها، لا تقوم بما يكفي من الفحوصات لمعرفة مدى الانتشار.

3 ـ يوفر فصل الشتاء بيئة مناسبة للفيروسات. فبرودة الطقس، وما تعنيه لحياة الفيروس وطول مدتها، أو إمكانية تداخل فيروسات بينها كورونا والإنفلونزا وإحداث طفرة جينية تؤدي إلى نوع جديد يصيب المناعة البشرية، كلها عوامل ترجح الموجة الثانية. فالبرد يعزز من احتمالات بقاء كورونا ويفتح احتمالات تحوله إلى فيروس أصعب حتى قبل إيجاد لقاح للفيروس الحالي. هذا النمط شهده العالم مع الإنفلونزا الإسبانية في 1918 ـ 1919 والذي كانت ضحاياها في الموجة الثانية أكبر من الأولى بسبب غياب الاستعدادات وأدت إلى وفاة أكثر من 50 مليون شخص يومها.

4 ـ استمرار النقص في الاستعدادات الطبية على المستوى العالمي، ما يعني أن النظام الصحي ما زال هشا ولن يحتمل عددا كبيرا من الاصابات بسبب عدم وجود مستشفيات كافية وأجهزة تنفس وفحوصات. هذا النقص يتفاوت بين دولة وأخرى وحيث تتفوق ألمانيا على إيطاليا، إنما سيتسمر حتى الخريف المقبل، الموعد المرجح للموجة الثانية.

شبه حتمية الموجة الثانية من وباء كورونا تؤكد أهمية أن تكون استراتيجيات مكافحة الأوبئة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العالمي

هذه الأسباب يجب أن تغير حسابات الدول وشكل المعركة ضد كورونا. فبدل الخلاف الجيوسياسي بين الصين وأميركا والتنافس حول اللقاح وتراشق الاتهامات حول مسؤولية انتشار الفيروس واحتكار عدة دول الأدوات الطبية لمنع انتشاره، هناك حاجة لمنظومة تعاون دولي للتعاطي مع المرض. فمنظمة الصحة العالمية باتت حلبة صراع سياسي بين واشنطن وبكين، في وقت لا يرسل أي منهما ما يكفي من المعونات لأفريقيا وأميركا اللاتينية.

المتغيرات يجب أن تطال أيضا استراتيجية إعادة فتح الاقتصاد العالمي تدريجيا. فمن غير المنطق أن يتم فتح المدارس في لبنان من دون وجود جهوزية طبية لحمايتها. ومن غير المنطق أن تفتح الكويت حدودها من دون التنسيق مع الدول المجاورة. فالقدرات الطبية والنظام الصحي هي معيار الانفتاح الاقتصادي وليس العكس.

كورونا غير شكل العالم اقتصاديا وصحيا وجيو سياسيا وهذه المتغيرات ستبقى مع بقاء خطر الانتشار ومن دون لقاح فاعل. فارتياد المطاعم والسينما والمقاهي لن يكون كما كان قبل فبراير حين انتشر الفيروس عالميا، ووسائل النقل برا وجوا لن تعود كما كانت.

شبه حتمية الموجة الثانية من وباء كورونا تؤكد أهمية أن تكون استراتيجيات مكافحة الأوبئة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العالمي، وأولوية التلاقي حول آلية تحمي التعاضد البشري والاقتصادي ولا تشتته.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.