(FILES) In this file photo taken on February 26, 2020 a medical staff shows at the IHU Mediterranee Infection Institute in…
جاءت نتائج التجارب الإكلينيكية الأولية من معاهد الأبحاث الفرنسية بنسبة شفاء وصل 100 في المئة للحالات التي تم استخدام العقار لعلاجها

لم أكن أحلم أو أتصور وأنا طفل صغير يأكل قطعة من شكولاتة كانت تسمى "كورونا" أنه سيأتي يوم يطلق هذا الاسم على وباء عالمي يثير الرعب في العالم أجمع.

فقد انتشر وباء أو "جائحة" كورونا بصورة ربما لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية، لأن الأمر لم يقف فقط عند انتشار الفيروس أو المرض فحسب بل تابعه انتشار آخر للذعر عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت واليوتيوب وغيرها من وسائل التواصل الحديثة والتي لم تكن موجودة في السابق، ومن خلال هذه التقنيات أصبح المرض ذعرا عالميا في أسابيع قليلة فقط.

وتباينت ردود الأفعال للمرض. بعض الدول قامت بإغلاق المدارس فورا وبعضها فرض حظر تحرك على جميع المواطنين، وبعضها أقر عقار الملاريا الشهير "كلوروكين" أو أحد مشتقاته العلمية مثل "هيدروكسي كلوروكين" لعلاج المرض.

وحتى هذه اللحظة فإن الدول التي فرضت حظرا على تحرك المواطنين وأصرت على عزلهم كلهم في بيوتهم دون إقرار واستخدام لعقار كلوروكين في العلاج لم تشهد إلا زيادات مطردة وجنونية في الإصابات بالمرض ومعدلات الوفاة منه.

نستطيع هنا أن نقول باللغة البسيطة عن طريقة عمل كلوروكين إنه "متعدد المواهب!

ولذا فإن عقار "كلوروكين" قد يصبح في وقت قريب وكما نقول باللغة الدارجة "حبيبا للملايين".

والحقيقة أن هناك عدة أسباب قد تجعل "كلوروكين" فعلا حبيبا للملايين:

والسبب الأول أن كلوروكين كدواء يعمل على إحباط الفيروس وقدرته على إحداث المرض في جميع مراحله، فهو يمنع قدرة الفيروس على الالتصاق بالخلية، ويقلل من عملية تحفيزه داخل حويصلات خاصة في الخلية تسمى بالإندوزومات، والأهم من ذلك أنه يحبط الإنزيمات الخاصة داخل نواة الخلية والتي تساعد على تكاثر الفيروس بشدة داخل الخلايا.

ونستطيع هنا أن نقول باللغة البسيطة عن طريقة عمل كلوروكين إنه "متعدد المواهب!".

أما السبب الثاني والذي قد يجعل من كلوروكين حبيبا للملايين هو أن جميع الدول التي أقرت استخدامه ـ ولو بطرق متفاوتة ـ كانت نتائجها أفضل بمراحل من الدول التي اعتمدت على الحجر على المجتمع فقط دون استخدام العقار في علاج المرضى.

ولتوضيح الأمر فإن إيطاليا وهي من أوائل الدول التي استخدمت وسائل عديدة لمنع الناس من النزول من بيوتهم، وأغلقت كل المدارس، وفرضت حظرا للتجول قاسيا على المجتمع ولم تقر استخدام كلوروكين كعلاج، لديها اليوم واحدا من ـ إن لم يكن أعلى معدل في العالم ـ لاحتمالات موت المصابين بهذا المرض.

فقد وصل هذا الاحتمال عندهم بسبب الإصابة بالمرض (معدل الموت) إلى نسبة تفوق 40 في المئة، وتكرر الأمر في إسبانيا بنفس الصورة تقريبا وبنسبة معدل الوفاة من المرض تفوق أيضا 40 في المئة.

ومن الواضح أن هذه الدول والتي اتخذت من عزل مدينة "ووهان" الصينية مثلا لها لمواجهة المرض لم تدرك أن العزل وحده لا يكفي لإنهاء كورونا، فالصين لم تقم فقط باستخدام المنع والحجر لإنهاء الوباء عندهم، بل أقرت استخدام الدواء، أي كلوروكين، من منتصف فبراير.

كل المؤشرات حتى الآن تشير إلى أن كلوروكين قد يصبح فعلا وقريبا حبيبا للملايين!

ومنذ هذه اللحظة بدأ انحسار المرض عندهم، ونفس الشيء حدث مع كوريا الجنوبية، فالدولتان الآن تتمتعان بدرجة شفاء عالية للمرض، وانخفضت معدلات الوفاة بسببه في الدولتين إلى حوالي 4 في المئة فقط أو أقل كما هو الحال في كوريا الجنوبية.

ومقارنة بسيطة بين هذه النسبة وبين نسبة معدلات الوفاة من المرضى في إيطاليا وإسبانيا اليوم والتي فاقت 40 في المئة توضح أهمية ودور عقار كلوروكين في إنهاء هذا المرض (مع الوضع في الاعتبار استخدامه بصورة سليمة ومن خلال طبيب معالج).

وأخيرا وليس آخرا جاءت نتائج التجارب الإكلينيكية الأولية من بعض معاهد الأبحاث الفرنسية بنسبة شفاء وصل 100 في المئة للحالات التي تم استخدام العقار لعلاجها. والأمر الأخير تم إعلانه على لسان الباحث جريجوري ريجانو (بتاريخ 19 مارس) وهو مستشار طبي لكلية الطب بجامعة ستانفورد وجاء إعلانه على شبكات "فوكس نيوز" الأميركية مما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومؤسسة الغذاء والدواء الأميركية إلى البدء فورا في استخدامه لعمل بحث إكلينيكي على نطاق واسع كمرحلة أولية وأساسية لإقراره رسميا ربما في القريب العاجل كعلاج رسمي للمرض. وقد يتم إضافة عقارات أخرى إليه ليكون أكثر فاعلية في بعض الحالات.

ومما سبق يتضح أن كل المؤشرات حتى الآن تشير إلى أن كلوروكين قد يصبح فعلا وقريبا حبيبا للملايين!

وللحديث بقية!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.