U.S. Secretary of State Mike Pompeo delivers a statement on the Trump administration's position on Israeli settlements in the…

في 18 مايو، أدت الحكومة الجديدة في إسرائيل اليمين الدستورية، منهية بذلك 507 يوما من حكم تصريف الأعمال تخلّله ثلاث انتخابات غير حاسمة. وبموجب الاتفاق الائتلافي الذي توصل إليه رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع الجديد بيني غانتس، يمكن عرض قرار بتطبيق السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية على مجلس الوزراء في الأول من يوليو على أقرب تقدير ـ شرط أن تحصل الحكومة على "موافقة كاملة" من الولايات المتحدة على هذه الخطوة، وتجري "مشاورات دولية"، وتضمن "الحفاظ على معاهدات السلام الإسرائيلية ـ العربية القائمة". 

وعلى الرغم من أن وجهات النظر الداخلية في واشنطن والقدس بشأن هذه المسألة لا تزال تبدو وكأنها تتبلور، فقد تكون رحلة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى إسرائيل في 13 مايو قد وفرت بعض الأدلة المبكرة.

إشارات حذر من بومبيو

لم تكن مسألة الضمّ القضية الوحيدة على جدول أعمال بومبيو عندما وصل إلى القدس. فقد كان أحد أهدافه الرئيسية إثارة مخاوف الولايات المتحدة من أن الإطار التنظيمي لإسرائيل ليس صارما بما يكفي للتدقيق في التعاون التكنولوجي للقطاع الخاص مع الصين، وأنه يجب أن يكون أكثر يقظة إزاء تغلغل بكين في مشاريع البنية التحتية الإسرائيلية (على سبيل المثال، كانت [إسرائيل] على وشك اتخاذ قرار حول عقْدْ [لبناء] محطة رئيسية لتحلية المياه). 

وكان الهدف الآخر من الزيارة هو معالجة المخاوف الإسرائيلية بشأن إيران، من بينها وتيرة تخصيبها لليورانيوم، ودورها الخطير في سوريا، وهجومها السيبراني الأخير على منشآت المياه الإسرائيلية. (هناك تكهنات بأن القدس استشارت بومبيو قبل أن ترد بهجوم سيبراني على ميناء إيراني كبير في 9 مايو).

ومع ذلك، أراد بومبيو أيضا جس النبض لمعرفة شعور غانتس ووزير الخارجية الجديد غابي أشكنازي بشأن عملية الضمّ، لأن وجهتي نظرهما تختلفان عن وجهة نظر نتانياهو. وسابقا، تباحث بومبيو مع نتانياهو فقط حول هذه الأمور، إلا أن هذه الزيارة شملت عقد اجتماعات فردية مع الزعيمين الآخرين أيضا.

عادة ما يكون نتانياهو حذرا لتجنب الاشتباكات المفاهيمية المباشرة مع رؤساء الأمن، الذين يفضلون نهجا عمليا تجاه سياسة ضم الأراضي من أجل الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع نظرائهم العرب في مجال الأمن

وحتى الآن، ظلت واشنطن حذرة بشأن تفاصيل الضمّ، غير معلنة عن موافقتها الصريحة على الجدول الزمني الإسرائيلي المحدد في الأول من يوليو. وقرابة وقت زيارة بومبيو، قال مسؤول في البيت الأبيض بعيدا عن الأنظار إن هذا التاريخ "ليس مقدسا" بالنسبة للولايات المتحدة، وكما أشارت المقابلات التي أجراها الوزير في الآونة الأخيرة أنه يجب على إسرائيل توخي الحذر بشأن الاندفاع نحو بلوغ مثل هذا الموعد النهائي. 

وكان النهج العام للإدارة الأميركية هو تجنّب اتخاذ موقف علني يتعارض مع موقف إسرائيل مع الاستمرار في التأكيد على ضرورة قيام القدس بمعالجة المسألة بتأنّ. وكما قال أحد كبار المسؤولين بعيدا عن الأنظار في أعقاب زيارة بومبيو، "حصلَتْ [إسرائيل] على حكومة ائتلافية تشمل عناصر متنوعة. وأعتقد أنه سيستغرقهم بعض الوقت للعمل معا حول ما سيفعلونه".

وفي الوقت الحالي، يبدو أن الرحلة قد مكّنت معسكر غانتس ـ أشكنازي. وعلى الرغم من أنه بإمكان نتانياهو الحصول على عدد الأصوات الضروري في "الكنيست" (البرلمان) للمضي قدما في عملية الضمّ دون شريكيه في الائتلاف، إلا أن المسؤولين الأميركيين يشيرون بصورة غير علنية إلى أن الإدارة الأميركية ترغب في رؤية موافقة إسرائيلية أوسع نطاقا على هذه الفكرة تتخطى قاعدة نتانياهو، وأن الدعم من غانتس وأشكنازي أمر مهم.

وأحد المخاوف التي عبّر عنها الوزيران علنا هو رد الفعل العربي المحتمل بشأن الضمّ. ويقول المسؤولون الأميركيون في المجالس الخاصة إنهم يشككون في قدرة واشنطن على تليين إلى حدّ كبير أي ردّ سلبي من الأردن وغيره من الجهات الفاعلة في المنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما إذا كانت رحلة بومبيو قد خففت التوقعات الإسرائيلية بما يكفي في هذا الصدد.

وسؤال آخر هو ما إذا كان اللاعبون الرئيسيون في إدارة ترامب متوافقون جميعهم حول هذا الأمر. فهم يتفقون على أن إظهار الدعم لإسرائيل أساسي بشكل خاص خلال هذا العام الذي سيشهد انتخابات أميركية، لكن وجهات نظرهم بشأن عملية الضمّ مختلفة. 

ويبدو أن كبير المستشارين للرئيس الأميركي جاريد كوشنر يعتبر الموضوع مجرّد أداة للضغط على الفلسطينيين من أجل تقديم عرض مضاد، مما يحول بالتالي دون ضمّ فوري من جانب واحد ويؤدي إلى مفاوضات تحت رعاية خطة ترامب للسلام. ويتكهّن بعض المراقبين أن بومبيو كان حريصا على التوافق مع نهج كوشنر. 

غير أن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ديفيد فريدمان يدعم أيديولوجيا الحركة الاستيطانية، ودعا إلى المباشرة بكافة عمليات الضمّ المقترحة. وفي مقابلة لفريدمان مع صحيفة "يسرائيل هيوم" (إسرائيل اليوم") قبل وقت قصير من وصول بومبيو، أعرب السفير الأميركي عن أمله في أن تتم مثل هذه الخطوات في غضون أسابيع. ومن المعروف أنه يسخر من إمكانية قيام دولة فلسطينية، وفي أفضل الأحوال وصف هذا الاحتمال هدفا بعيدا للغاية.

العوامل التي يُمكنها أن تُحدد تفكير نتانياهو

تشير العديد من الأدلة إلى أن نتانياهو قد لا ينوي ضم النسبة المقدرة بـ 30 في المئة من أراضي الضفة الغربية المخصصة لإسرائيل بموجب خطة ترامب على الفور، وأن الجدل الحقيقي هو بين تأجيل القضية بالكامل أو ضم جزء أصغر حجما، ربما يشمل بعض أو كافة الكتل الاستيطانية المتاخمة إلى حد كبير للمناطق الحضرية الإسرائيلية. 

ويتمثل المؤشر الأول في أن نتانياهو لديه تاريخ طويل في إطلاق بالونات اختبار معتقدا أنه من الأسهل التأكيد على موقف افتتاحي متطرف، ثم تقييم رد الفعل وتقديم التنازلات خلال عملية مساومة لاحقة. وبهذا المعنى، قد يكون ضغطه من أجل التطبيق الكامل للسيادة في يوليو مجرد تكتيك تفاوضي.

يدرك نتانياهو جيدا أن أوروبا، أكبر شريك تجاري لإسرائيل، قد انتقدت الفكرة بشدة

ثانيا، لم يضم نتانياهو الحزب المؤيد للاستيطان "يمينا" إلى ائتلافه. وعلى الرغم من أن عداوته الشخصية الطويلة الأمد مع قيادة الحزب لا لبس فيها، فقد يكون قد استبعد الحزب أيضا لتجنب تقييد قدرته على المناورة في عملية الضم. ومن المفارقات أن قيام "يمينا" بانتقاده علنا من اليمين يمكن أن يساعده في التعامل مع المحاورين الأجانب والمحليين الذين يضغطون من أجل الحصول على تنازلات في هذه القضية.

ثالثا، في ملاحظات أدلى بها نتانياهو بعد أدائه اليمين الدستورية هذا الأسبوع، أدرج رئيس الوزراء العديد من القضايا الأخرى كأولويات عليا قبل عملية الضم، وهي: مكافحة موجة جديدة متوقعة من "كوفيد-19"، والتصدي للتداعيات الاقتصادية العميقة للوباء، والتعامل مع التحديات من إيران، ومعالجة احتمال أن تبدأ "المحكمة الجنائية الدولية" تحقيقا في إسرائيل. وأشار نتانياهو إلى عملية الضم باعتبارها أولوية خامسة أدنى [أهمية] من جميع القضايا الأخرى، واصفا إياها بأنها "تفضيل شخصي".

رابعا، قد تؤثر مداولات "المحكمة الجنائية الدولية" على حسابات الضم التي يقوم بها نتانياهو. وفي الأسابيع المقبلة، من المتوقع أن يُصدر ثلاثة قضاة دوليين حكمهم بشأن ما إذا كانت المدّعية العامة في "المحكمة" تتمتع بصلاحية التحقيق مع إسرائيل ـ وهو احتمال وصفه نتانياهو بأنه "تهديد استراتيجي". فهل سيدفع به هذا الأمر إلى تأجيل قرار الضمّ إلى حين صدور حكم "المحكمة الجنائية الدولية" بشأن مسألة الصلاحية؟ ومن جانبه، علق بومبيو علانية على الموضوع بعد يوم من زيارته، عارض فيه فكرة فتح تحقيق من قبل "المحكمة الجنائية الدولية" وهدد بعواقب إذا حدث ذلك.

خامسا، عادة ما يكون نتانياهو حذرا لتجنب الاشتباكات المفاهيمية المباشرة مع رؤساء الأمن، الذين يفضلون نهجا عمليا تجاه سياسة ضم الأراضي من أجل الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع نظرائهم العرب في مجال الأمن. 

وفي أوائل أبريل، أصدر أكثر من 200 جنرال إسرائيلي متقاعد رسالة مشتركة سلطت الضوء على العوامل العديدة التي يجب على إسرائيل مراعاتها في اتخاذ قرارها، بما في ذلك مستقبل معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية، وخطر اندلاع اضطرابات في الضفة الغربية، والتوقف المحتمل للتعاون الأمني لـ "السلطة الفلسطينية" مع إسرائيل، وحتى الانهيار المحتمل لـ "السلطة الفلسطينية" نفسها. 

وقد تعززت هذه المخاوف في مقال رأي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" مؤخرا بقلم عاموس جلعاد، الذي هو شخصية بارزة في مجال الدفاع، خلص فيه إلى أن عملية ضم الأراضي توفر فوائد قليلة [وتقابلها] سلبيات كبيرة. 

وفي الواقع، عندما أجرى العاهل الأردني الملك عبد الله مقابلة مع صحيفة "دير شبيغل" في الأسبوع الماضي، أشار إلى أن أي خطوة من هذا القبيل ستؤدي إلى "صراع واسع النطاق" مع عمّان، مرددا التحذيرات السابقة لرئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز بأن الضم الإسرائيلي للأراضي سيُجمّد معاهدة السلام.

سادسا، يدرك نتانياهو جيدا أن أوروبا، أكبر شريك تجاري لإسرائيل، قد انتقدت الفكرة بشدة. ومن غير الواضح ما إذا كان "الاتحاد الأوروبي" سيكون قادرا على تحقيق الإجماع المطلوب لفرض عقوبات متعددة الجوانب على إسرائيل إذا أقدمت فعليا على عملية الضم، لأن بعض دول أوروبا الشرقية العضوة في "الاتحاد الأوروبي" تميل إلى دعم القدس في معظم القضايا. 

لم تتحدث أي جهة فاعلة دولية عن أي مزايا سياسية قد تحصل عليها إسرائيل من اتخاذها إجراءات من جانب واحد، في حين حددت العديد من الحكومات سلبيات مثل هذه الخطوة

غير أن معارضة الدول الفردية قد تترك تأثيرات تسلسلية تتخطى المستوى الثنائي. على سبيل المثال، شجع برنامج "أفق 2020" التابع لـ "الاتحاد الأوروبي" على التعاون التكنولوجي مع المجتمع العلمي الإسرائيلي لتنفيذ استثمارات تقدّر قيمتها بمئات ملايين اليورو. لكن سيتمّ استبدال البرنامج قريبا بآخر يُدعى "هورايزون يوروب" ("أفق أوروبا")، الذي يتطلب من الدول الأجنبية الحصول على دعم "الاتحاد الأوروبي" بالإجماع لكي يتمّ قبولها.

ومع ذلك، فعلى الرغم من كل هذه العوامل، يشير بعض المراقبين إلى أنه من المرجح أن تكون هذه هي الولاية الأخيرة لنتانياهو كرئيس وزراء، وأنه قد تعهد بتسليم السلطة إلى غانتس في نوفمبر 2021 وفقا لشروط التناوب بينهما لرئاسة الوزراء. لذلك، قد يَعتقد أن المضي قدما في عملية الضم، عاجلا وليس آجلا، هي فرصته الأخيرة لتحديد إرثه السياسي ـ خاصة إذا تم استبدال الرئيس ترامب بجو بايدن، الذي يعارض الفكرة. بعبارة أخرى، يمكن أن تؤدي الرهانات السياسية العاجلة إلى دفع نتانياهو وترامب على السواء إلى التسرع في الأمر حتى في وجه التبعات السياسية السلبية المترتبة على عملية الضم.

الخاتمة

في معرض حديثه عن عملية الضم خلال الزيارة التي قام بها الأسبوع الماضي، صوَّر بومبيو المسألة على أنها قضية تقررها إسرائيل ـ وهي صيغة من المرجح أنها تشكّلت تحت تأثير حساسيات موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية. ومع ذلك، تشير الدلائل أيضا إلى أن بومبيو أبلغ المسؤولين الإسرائيليين أن واشنطن لن تلتزم بالموعد المحدد في الأول من يوليو. 

بالإضافة إلى ذلك، لم تتحدث أي جهة فاعلة دولية عن أي مزايا سياسية قد تحصل عليها إسرائيل من اتخاذها إجراءات من جانب واحد، في حين حددت العديد من الحكومات سلبيات مثل هذه الخطوة. 

وبالتالي، في حين لا يمكن للمرء أن يستبعد ممارسة نتانياهو الضغط للمضي قدما، يجدر التساؤل عما إذا كان القائد الذي يتجنب المخاطرة تقليديا سيقلّص بشدة نطاق عملية الضم المقترحة من قبله وتوقيتها. وقد تعتمد الإجابة على كيفية تبلور المناخ السياسي الدولي والمحلي في الأسابيع المقبلة.

المصدر: منتدى فكرة

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.