A woman watches the Facebook video of Syrian businessman Rami Makhlouf on her mobile in Syria's capital Damascus, on May 11,…
جاءت رسائل الفيديو الثلاث الأخيرة التي نشرها مخلوف ـ في 30 أبريل و3 مايو و17 مايو ـ بمثابة صدمة للعديد من المراقبين

على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، لجأ رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن خيبة أمله من التهديدات الأخيرة للنظام التي استهدفت إمبراطوريته التجارية، التي تشكل نسبة هائلة من الاقتصاد السوري تصل إلى ما بين 60 ـ 80 في المئة، وفقا لبعض التقارير. 

وقد قام الأسد وزوجته، أسماء، باتهام مخلوف علنا بالفساد، وذلك لإبعاد اللوم عنهم عن مسؤولية الوضع الاقتصادي المضطرب في البلاد والضغط على مخلوف لإصلاحه على حد سواء. 

وتشمل الأرصدة العديدة للملياردير، الشركة المحتكرة للاتصالات "سيريتل"، وشركات كبيرة في قطاعات النفط، والغاز، والمصارف، والبناء، وتجارة التجزئة، والعقارات. وفي عام 2011، قدرت صحيفة "لوموند" الفرنسية صافي ثروته بـ 6 مليارات دولار. وأدّت هذه الثروة، إلى جانب علاقاته بالحلقة الداخلية للسلطة في سوريا، دورا مهما في تمويل الحملة التي شنّها الأسد لقمع انتفاضة عام 2011 وفي صمود النظام خلال تسع سنوات من الصراع.

وبالنظر إلى نفوذ مخلوف الكبير على المستقبل الاقتصادي للبلاد وميله إلى تجنّب المشاحنات العلنية مع الأسد، فقد جاءت رسائل الفيديو الثلاث الأخيرة التي نشرها مخلوف ـ في 30 أبريل و3 مايو و17 مايو ـ بمثابة صدمة للعديد من المراقبين. ومع ذلك، لطالما كانت الأسرة تعاني من تصدعات داخلية، وحتى عندما يصدر أعضاء كبار تهديدات ضد بعضهم البعض (أو يقومون بتنفيذها)، فإن ذلك لا يشير بالضرورة إلى أن زوال النظام بات وشيكا.

عائلة الأسد نجت من أسوأ الصدوع في الماضي

قبل ما يقارب من أربعة عقود، اضطر النظام السوري إلى التعامل مع ما بدا وكأنه تهديد وجودي أكثر مباشرة يتعلق بوالد بشار، الرئيس السابق حافظ الأسد. ففي 13 أبريل 1984، خرج رفعت، أصغر أشقاء حافظ، في مسيرة في دمشق بهدف السيطرة على الحكومة، مدفوعا إلى حد كبير من صحة الرئيس المتدهورة بشدة آنذاك (من بينها نوبة قلبية خطيرة). 

وقام أنصار رفعت بتغطية شوارع العاصمة بملصقات لصورته لحشد التأييد الشعبي له. وكان الأمر الأكثر إثارة للقلق هو استخدامه منصبه كقائد لـ "قوى الأمن الداخلي" و"سرايا الدفاع" شبه العسكرية لتعبئة ما يقرب من نصف الجيش السوري في غضون أيام. ثم قام بنشر دبابات في موقعيْن يشكلان تهديدا خاصا حول دمشق هما: منطقة كفرسوسة، حيث يقع كل من مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، وجبل قاسيون، المطل على قلب العاصمة.

على الرغم من الرأي السائد بأن الانشقاقات الأخيرة تشير إلى الزوال المحتمل للنظام، إلا أن كل من الأسد ومخلوف بحاجة إلى أحدهما الآخر للحفاظ على سوريا من الانهيار المالي

ووفقا لوزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، انتهت المواجهة بين الشقيقين أخيرا عندما تدخلت والدتهما، ناعسة شاليش، دعما لحافظ. وليس هناك شك في أن الحادث لم يخلو من عواقب وخيمة: فقد تم تجريد رفعت من جميع صلاحياته ومناصبه السياسية، وفي غضون شهر بعد محاولة الانقلاب، نفاه حافظ بشكل دائم من البلاد. ومع ذلك، بقي النظام راسخا على غرار ما كان عليه قبل الأزمة.

وظهرت مواجهة مماثلة على ما يبدو بعد ما يقارب من ثلاثين عاما، وهذه المرة أثناء تولي بشار السلطة. ففي 18 يوليو 2012، قُتل صهره، آصف شوكت في ظروف ما زالت غامضة خلال اجتماع بمقر الأمن القومي في وسط دمشق، وكان قد استُهدف كجزء من "خلية إدارة الأزمات" التي كُلّف فيها كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين باحتواء الاحتجاجات وقمع الثورة بكافة الوسائل الممكنة. وكنائب وزير الدفاع في ذلك الوقت، كان آصف شوكت قد شغل سابقا منصب رئيس الاستخبارات العسكرية بين عامي 2005 و2009، وأصبح في إحدى الفترات أحد أقرب مستشاري الأمن للأسد.

إلا أن هذا التقارب أخفى تنافسا قديما بين الرجلين لم يتبدد تماما. فبعد وفاة حافظ في عام 2000 وترقية بشار غير الدستورية إلى الرئاسة، كان شوكت أحد أكثر الشخصيات نفوذا في النظام. واعتبر نفسه هو وزوجته ـ بشرى الأسد، الأخت الكبرى لبشار ـ أكثر جدارة بالمنصب الأعلى بالنظر إلى مسيرة شوكت الطويلة في قطاع الأمن، ويبدو أن هذا الشعور كان يتزايد لسنوات. 

ومع ذلك، ضمنت الخلفية الشخصية لشوكت عدم ثقة بشار وأشقائه به بصورة كاملة، ناهيك عن منحه فرصة في الرئاسة. ومثلها مثل العديد من القبائل البدوية، هاجرت عائلة شوكت من المنطقة الصحراوية في سوريا في خمسينيات القرن الماضي بسبب الجفاف، واستقرت في قرية "المدحلة" العلوية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط. 

من غير المرجح أن يتصاعد الخلاف بينهما إلى حدّ العنف المهلك الذي شوهد في الأزمات العائلية السابقة

وهكذا، بينما نشأ في الطائفة العلوية وبين العلويين من عائلة الأسد، إلا أن أصوله البدوية السنية أثارت الشكوك داخل العشيرة عندما علموا بزواجه السري من بشرى في عام 1995. كما أنهم لم ينسوا أبدا تعامله مع رفعت الأسد ومشاركته في إعداد سرايا الدفاع، وهي إحدى الوحدات التي هددت حكم حافظ الأسد عام 1984.

وبالنظر إلى سمعة عائلة الأسد في تسوية الحسابات وحماية سلطتها عبر قتل أقرب المقربين، يعتقد العديد من المراقبين أن بشار أمر باغتيال شوكت في عام 2012. وفي وقت الهجوم، كان بإمكان النظام وحده تنفيذ مثل هذه العملية المعقدة في الفناء الخلفي الخاص به. بالإضافة إلى ذلك، انتشرت شائعات عن انقلاب عسكري محتمل نظمه شوكت قبل وقت قصير من مقتله، في الوقت الذي كانت فيه عمليات الانشقاق في صفوف قادة الجيش وكبار مسؤولي النظام آخذة في الازدياد.

الملحمة الحالية لمخلوف

في ضوء الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها سوريا، تدرك كل من أسرة الأسد ومخلوف بأن عليهم تسوية خلافهم من أجل منع حدوث انهيار كامل. لذلك، فإن المفاوضات جارية بالفعل بشكل مناوشات علنية وتحركات أخرى. ويحظى مخلوف بفرصة هامة للفوز ـ ليس فقط لأنه يملك عددا كبيرا من الشركات السورية، بل أيضا لأنه يشرف على المصالح الاجتماعية والاقتصادية لإيران على أرض الواقع من خلال "جمعية البستان"، و"خصائص بينا"، وغيرها من الكيانات.

وشكّل نشر قضيته عبر وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الوسائل لتوجيه الرسائل إلى العديد من حلفائه في الطائفة العلوية، والتي هي ليست بمنأى عن الفقر الذي يلوح في الأفق في معظم أنحاء البلاد. ويبدو أن أسماء الأسد قد أدركت ضعف النظام على هذه الجبهة، فلجأت إلى استخدام "فيسبوك" وورشات عمل خاصة لمعالجة بعض المخاوف التي ذكرها مخلوف في مقاطع الفيديو الخاصة به. 

على سبيل المثال، وعدت مؤخرا بإعالة "العائلات الفقيرة" لأفراد الأجهزة الأمنية والعسكرية الذين تضرروا من الحرب. وفي غضون ذلك، أفادت بعض التقارير أن بشار الأسد يفكر في ترشيح نجل مخلوف، محمد، لتولي رئاسة شركة "سيريتل"، وهي الشركة الكبيرة التي تقدم خدمات الهاتف النقال إلى معظم السكان وكانت تسجل أرباحا سنوية قدرها 40 مليار ليرة سورية اعتبارا من عام 2018.

ومن جانبه، أعلن مخلوف بأن "سيريتل" لا تدين للحكومة بأي ضرائب وحذر من أن "انهيار" الشركة سيعني انهيار الاقتصاد بأكمله ـ ومع ذلك لا يزال موافق على دفع ضرائب بقيمة 100 مليون دولار. وكما أكّد في 17 مايو، فهو يكرّس نفسه لحماية سوريا واقتصادها، وتوضح جميع مقاطع الفيديو الثلاثة أنه مستعد لمواصلة التفاوض من أجل "المصلحة العليا" للبلاد التي "تخلّى عنها العالم". ولهذا السبب على الأرجح طلب العفو حتى عندما ناشد الحكومة إعادة النظر في جميع المخاطر المصاحبة للتحرك ضد إمبراطوريته [الاقتصادية] خلال هذه الفترة "الحساسة والخطيرة".

بالنظر إلى سمعة عائلة الأسد في تسوية الحسابات وحماية سلطتها عبر قتل أقرب المقربين، يعتقد العديد من المراقبين أن بشار أمر باغتيال شوكت في عام 2012

وعلى الرغم من الرأي السائد بأن الانشقاقات الأخيرة تشير إلى الزوال المحتمل للنظام، إلا أن كل من الأسد ومخلوف بحاجة إلى أحدهما الآخر للحفاظ على سوريا من الانهيار المالي. فقد انخفض الاقتصاد بأكثر من 70 في المئة في الفترة بين 2010 و2017 وحدها، لذلك فإن المزيد من الضرر يمكن أن يكون قاتلا. 

وبالتالي من غير المرجح أن يتصاعد الخلاف بينهما إلى حدّ العنف المهلك الذي شوهد في الأزمات العائلية السابقة، ناهيك عن اتخاذ خطوات تهدد وجود النظام نفسه. كما أنّ الحرب التي دامت تسع سنوات، والعقوبات الدولية المستمرة، وتفشي جائحة فيروس كورونا جعلت البلاد هشة للغاية لأي حلّ غير الساحة السياسية، مهما بدا الأمر سيئا.

ولذلك، حتى مع استمرار [عوامل] الدفع والسحب، تبدو التسوية حتمية، وتظهر بالفعل بوادر لتقديم تنازلات. ويرغب بشار وأسماء بشدة في الضغط على مخلوف للحصول على أموال، ولكن قيام النظام بحجز "احترازي" لممتلكاته قد يشكّل تحذيرا أكثر من مصادرة دائمة، بهدف الضغط عليه لإجراء المزيد من المقايضات. 

ومن جانبه، قام مخلوف بفضح الأمور على العلن لحماية نفسه، لكنه لا يزال يبدو حريصا على التفاوض للتوصل إلى اتفاق. وعلى الرغم من أن الوضع الاقتصادي الصعب في سوريا يضيّق الخناق على كلا الطرفين، إلا أنهما قد يتمكنان من الحفاظ على النظام من خلال مضاعفة بعض من تكتيكاته الحالية، مثل تحويل المساعدات الإنسانية، وتهريب البضائع من الخارج، والحفاظ على اقتصاد الحرب، ونقل الأموال من الحسابات الخارجية.

وخلاصة القول، بغض النظر عما قد يحدث من تعديلات داخلية، يبدو النظام راسخا كما كان قبل الأزمة. [وبالتالي] إذا لم تنجح محاولات الانقلاب والاغتيالات وسنوات الحرب في تحطيمه، فإن نشر الغسيل القذر على وسائل التواصل الاجتماعي لن ينجح هو الآخر أيضا.

المصدر: منتدى فكرة

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.