An activist takes part in a demonstration against sexual harassment, rape and domestic violence in the Lebanese capital Beirut…
تظاهرة نسوية في بيروت

على صفحته كشخصية عامة في فيسبوك، يعرّف أحد الشبان المصريين عن هدف هذه الصفحة، وهو كيفية جعل حياة الآخرين سهلة وممتعة، عبر ظهوره من وقت إلى آخر بمقاطع فيديو، ذات خلفيات مختلفة تترافق بمؤثرات صوتية، يتناول فيها مواضيع متنوعة، معظمها ديني روحاني بأسلوبية ملطفة، وبعضها اجتماعي، وهي المثيرة للجدل، يرشد من خلالها متابعيه لجادة الصواب حسب رؤيته. إضافة إلى أنه يبدي استعداده لتقديم الاستشارات الخاصة، عبر حجز مسبق لجلسات، يتم تحديد مواعيدها عن طريق رقم هاتف معلن مرفق بالصفحة.

يمكن اعتبار هذا الشاب، بمثابة داعية جديد مضاف إلى عشرات الدعاة المنتشرين على القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يطرح نفسه بأسلوب عصري، ليس من حيث استخدامه لأدوات الاعلام الرقمي ومنصاته فقط، بل انسجامه شكلانيا مع العصرنة، حيث يحرص على تجنب الصورة النمطية للدعاة التقليديين، ويظهر في كل مقطع فيديو بهندام شبابي أنيق ذي ألوان مضيئة، مثل الزهري أو البرتقالي أو الأصفر أو غيرها.

في تتبع المنشورات العامة لصفحة هذا الداعية "المودرن"، قد لا تتضح لعامة الناس للوهلة الأولى ملامح أية مشكلة ظاهرة أو رئيسة في طروحاته، بل على العكس، يبدو الشاب متابعا ومشاهدا من مئات الآلاف، ويتلقى مع كل منشور مصور أيضا، مئات الآلاف من الإعجابات والتعليقات، ومشاركات تصل إلى أرقام مشابهة. 

الداعية العصري، يتجاهل أن الأنثى المنكسرة هي امرأة منهزمة روحيا، تؤسس لأسرة منكسرة وغير متوازنة، وتنجب أطفالا، تربي البنات بينهم بشكل خاص، ليصرن مثلها منهزمات ومنكسرات

من الواضح أن سبب نجاحه في جذب هذا الاستقطاب الكبير، لا يعود إلى رؤى حديثة أو مبتكرة له، بل استعماله بفطنة لجاذبية العصرنة في فن الخطابة والمخاطبة وإن ظاهريا كأحد أساليب الترويج الدعائي، من أجل تعميم أفكار يمكن وصف بعضها بالرجعية، والتي تتوافق مع طروحات سلفية تهدف إلى توجيه المجتمعات نحو مزيد من الانغلاق الفكري، وبخاصة فيما يخص المرأة.

أحد نماذج منشوراته المصورة التي أثارت مؤخرا استنكارا نسويا حادا، وتمت مشاركتها ومناقشتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين العديد من المنظمات النسوية المصرية والعربية، يظهر فيها هذا الشاب المصري كعادته، يتحدث برقة ونعومة وكياسة، مستخدما أسلوبية تمثيلية في الأداء توحي بالوداعة والبراءة، ويقدم بحسب وجهة نظره أربعة أسباب، أو أربع صفات، إذا انطبقت جميعها، أو واحدة منها، على أية فتاة، فمصيرها العنوسة حتما.

أسباب العنوسة الأربعة حسب رأيه، العناد والتشبث بالرأي، والتعالي عن المحيط، ومرافقة الأصدقاء من الذكور مما يسيء للسمعة، ولتفادي الأمر، ينصح بالصداقات وطلب المساعدة من المجتمع النسائي فقط، وبالتالي فإن عدم التقيد بهذه الإرشادات، والتعنت بالإصرار على عدم تغيير هذه الصفات، يؤدي حتما إلى عنوسة الفتاة، واعتبارها غير صالحة أن تكون أما أو زوجة.

فيما يحدد السبب الرابع، والذي يستحق التوقف عنده منفردا، وهو تعامل الفتاة بندّية مع الذكور، ومحاججتها للآخرين انطلاقا من إحساسها الخاطئ بمشاعر الندية، وظهورها بمظهر الفتاة ذات الشخصية القوية، وكي لا يكون مصيرها المحتوم هو العنوسة، يطلب منها حرفيا أن تبدو "منكسرة"، لأن قوة الأنثى تكمن في ضعفها وليس في قوتها، بحسب وجهة نظر الأستاذ الداعية العصري، الذي يتجاهل أن الأنثى المنكسرة هي امرأة منهزمة روحيا، تؤسس لأسرة منكسرة وغير متوازنة، وتنجب أطفالا، تربي البنات بينهم بشكل خاص، ليصرن مثلها منهزمات ومنكسرات. 

ولأن الأستاذ الداعية يهدف إلى جعل حياة الآخرين سهلة وممتعة كما يقول، لا يتوقف كثيرا عند النتائج، ويستمر في توزيع إرشاداته الاجتماعية ونصائحه، وينثرها مثل هبات على الجميع، ذكورا وإناثا، معددا في كل مرة يشخص فيها علة اجتماعية ما، أربعة أسباب لا أقل ولا أكثر، بحيث تصح تسميته بمكتشف الأسباب الرباعية، أو الأسباب ذات الدفع الرباعي.

مؤشرات اجتماعية مستمرة في الانزلاق، تترك آثارها السلبية الحادة بشكل خاص على تجهيل النساء وتغييب دورهن الحقيقي

اليوم، ونحن زمنيا على بعد ما يقارب قرنين من تاريخ نشوء حركات النضال النسوية منتصف القرن التاسع عشر، ينسف الأستاذ الداعية بظهوره الاستعراضي جهود ونضال ملايين النساء وتضحياتهن عبر العالم من أجل نيل حقوقهن، ويمتطي بسهولة ويسر منصات التواصل الاجتماعي ليساهم في تحطيم كرامة المرأة، عبر إصراره على تعميم المفهوم الخاطئ حول قوة الأنثى المتمثلة في ضعفها، و"الانكسار" المطالبة به لإرضاء المجتمع وشريك الحياة، وتعليمها أساليب مخادعة أو مواربة لجذب الرجل، تذكر بالطروحات الهدامة التي تقدمها بعض أعمال الدراما العربية من حين إلى آخر.

قد لا يكون مفاجئا ما يطرحه هذا الداعية العصري من أفكار لا تبتعد كثيرا عن أفكار غيره من الدعاة وطروحاتهم الغرائبية، بل تكمن المفاجأة باستمرار في ردود الفعل على مثل هذه الأفكار، ونسبة التأييد الشعبي لها، والذي يفصح  باضطراد وبأسف شديد عن مؤشرات اجتماعية مستمرة في الانزلاق، تترك آثارها السلبية الحادة بشكل خاص على تجهيل النساء وتغييب دورهن الحقيقي، في وقت تتعامل فيه هذه المجتمعات مع كافة أدوات العصر الحديثة ظاهريا، دون أن تساهم هذه الأدوات في الدفع نحو التقدم الاجتماعي المنشود والمأمول الذي يحفظ كرامة المجتمع والجنسين معا.

لا يتسع المجال للتذكير هنا بالعديد من الأمثلة كنماذج مشرفة لنساء عربيات شهيرات في التاريخ أو معاصرات أو عالميات، تمتعن بالشخصية القوية والشعور بالندية الإنسانية والحقوقية ونجحن في الوصول إلى مراكز هامة وقيادية حساسة ولم يعنسن بسبب هذه الصفات. 

وفي السياق، يحضرني بإلحاح محير اسم أحدثهن من الشهيرات، وهي الناشطة اليمنية توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي انضمت مؤخرا إلى مجلس الحكماء الخاص بمراقبة محتوى منشورات فيسبوك، والرغبة في معرفة رأيها حول انكسار المرأة المطلوب.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.