A Syrian rides a motorcycle past destroyed buildings in an opposition-held neighbourhood of the southern city of Daraa on…
الدمار في أحد أحياء درعا في صورة تعود للعام 2018

خلال الأيام القليلة الماضية، تصاعدت التوترات في درعا، المحافظة في جنوب غرب سوريا التي تشترك في حدود مع إسرائيل والأردن، إلى مستويات خطيرة. ويبدو أن الجيش السوري وحلفاءه من الميليشيات الشيعية التي ترعاها إيران، الذين يستفيدون إلى حدٍّ ما من اتفاق وقف إطلاق النار شمالا في محافظة إدلب، هم على استعداد لاستئناف القتال العنيف ضد الجماعات العربية السنية في الجنوب، كما يتضح من وصول تعزيزات عسكرية كبيرة. 

وتتكون هذه الوحدات بشكل أساسي من الفرقة الرابعة، وتشمل فيلق النخبة بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس بشار الأسد، والقوات الخاصة من الفرقة الخامسة عشرة. وتنضم هذه الوحدات إلى القوات المسؤولة عادة عن المنطقة: اللواءان 52 و38 من الفرقة التاسعة.

وإلى جانب سلسلة طويلة من الاغتيالات في المنطقة ومحاولات النظام المتزايدة لاقتحام البلدات المحلية، تخلق عمليات الانتشار العسكري انطباعا بحدوث انفجار عنيف في المستقبل القريب. وقد تنتقل المواجهات حول درعا وبسهولة إلى المحافظتين المجاورتين: القنيطرة إلى الشمال الغربي (على طول حدود مرتفعات الجولان) والسويداء إلى الشرق (موطن مجتمع درزي كبير).

التهدئة الفاشلة تُحدّد المرحلة

تنبع الأزمة الراهنة من عدم قدرة نظام الأسد على إعادة بسط سيطرته على محافظة درعا بعد أن استعادها من عدد لا يحصى من الفصائل المتمردة/الثائرة في يوليو 2018. وحالما اختارت الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن عدم دعم المتمردين/الثوار المحليين الذين ساعدوهم من قبل، قامت روسيا بتسهيل عودة الجيش السوري إلى المناطق التي خسرها في وقت سابق من الحرب من خلال إبرام اتفاق "تسوية الوضع" مع مجموعات عديدة. 

وبموجب هذه الاتفاقات، طُلب من المتمردين/الثوار تسليم أسلحتهم الثقيلة مقابل حصانتهم من الاعتقال وإعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية (على الرغم من أنه تمت دعوة العديد منهم للتجنيد في الميليشيات الموالية للأسد، أو لإيران، أو روسيا في كثير من الأحيان). أما الذين اختاروا ترك منازلهم فقد نُقلوا إلى جيب إدلب على الحدود التركية.

يريد القادة المحليون في درعا تكرار نموذج السويداء في مجتمعاتهم

ومع ذلك، فعلى الرغم من هذه الجهود، لا تزال العديد من المعاقل تحت سيطرة الفصائل المتمردة/الثائرة السابقة التي حافظت على سلاسل قيادتها القديمة ووسّعت صفوفها، وتتفاخر بأنها تضم [اليوم] آلاف المقاتلين في الإجمال. 

وهذا هو الحال في الأقسام الداخلية لمدينة درعا، وبعض البلدات إلى الشرق (مثل بصر الحرير)، ومناطق مختلفة إلى الغرب (مثل طفس، نوى، اليادودة، سحم الجولان، وأجزاء من حوض نهر اليرموك الذي كانت تسيطر عليه في السابق جماعة تدور في فلك تنظيم "الدولة الإسلامية").

وحتى الآن، منعت الوساطة الروسية النظام السوري من شن هجوم شامل، وأبعدت المتمردين/الثوار من الإعلان عن تمرد جديد. على سبيل المثال، كان المبعوثون الروس على اتصال بمجلس المعارضة "مهد الثورة [السورية]" في مدينة درعا في أعقاب حوادث مسلحة؛ كما أنهم يتصرفون كوسطاء للقادة الدروز المحليين وخصومهم العرب السنة في منطقة حوران، الذين يشاركون في حروب عصابات تشمل عشرات من عمليات الخطف.

ومع ذلك، تحدث مناوشات عنيفة كل يوم تقريبا، وأصبحت التظاهرات الشعبية ضد النظام روتينا مسائيا في العديد من الأماكن، حيث تطالب الحشود بإخراج رجال الميليشيات الشيعية وتُحذر الجيش من شن هجوم. 

وفي الأسبوع الماضي، اجتمع أعضاء "اللجان المركزية" من جميع أنحاء المحافظة في اجتماع طارئ للمطالبة بتمسك روسيا بالتزاماتها بـ "تسوية الوضع" وبمنع الأسد من شن هجوم. 

وعلى الرغم من أن موسكو أجبرت الوحدات السورية الزاحفة على التراجع من بعض المناطق، إلا أن قوات الأسد [المنتشرة] عند أطراف العديد من البلدات الأخرى، لا تزال مستعدة للهجوم حيث تتواجد على مسافة قريبة بما يكفي لقصف هذه البلدات بقذائف المدفعية إذا أرادت ذلك (كما حدث في الصنمين‎ في أوائل مارس).

وفي الوقت نفسه، تتعرّض عناصر الجيش للهجوم على الطرق بصورة متكررة، حيث قُتل تسعة من ضباط شرطة النظام على يد مسلّح واحد داخل مخفرهم في قرية المزيريب في الخامس من مايو. والمشتبه به هو زعيم جماعة متمردة/ثائرة وقّعت على اتفاق تسوية مع الروس؛ وبعد ذلك، قامت القوات السورية بقتل ابنه وصهره، مما دفعه إلى الانتقام. وتحت ضغط من روسيا، قام بعض سكان البلدة باقتحام منزله في أعقاب حوادث القتل وأحرقوا الدار، لكنهم لم يسلّموا زعيم الجماعة إلى سلطات النظام.

وعلى نطاق أوسع، يفيد ناشطون سياسيون محليون أن شهر أبريل وحده شهد خمس وعشرين محاولة اغتيال ضد عناصر الجيش السوري، أسفرت عن مقتل أربعة عشر فردا منهم. كما استهدفت الهجمات عناصر من ميليشيا "الفيلق خامس ـ اقتحام" التي شكّلتها روسيا من خلال تجنيد متمردين/ثوار سابقين. 

عند السعي لإخضاع السكان المدنيين، يميل الجيش السوري إلى الاعتماد على القوة النارية المتفاوتة بدلا من هجمات المشاة

ووفقا لمنظمة "جسور" السورية المعارضة ومقرها تركيا، نفذت جهات فاعلة مختلفة ما لا يقل عن 384 محاولة اغتيال في المحافظة بين يونيو 2018 وأبريل 2020، كانت 92 بالمئة منها ناجحة. وتم توجيه حوالي 135 من محاولات الاغتيال نحو المتمردين/الثوار الذين انضموا إلى النظام، في حين استهدفت 205 محاولات أخرى وجهاء محليين اعتبرتهم الأجهزة الأمنية للأسد "غير موثوقين". 

وفي الحالة الأخيرة، يبدو أن عناصر المخابرات الجوية ووكالات أخرى قد انخرطت في حملة منهجية للقضاء على المتمردين/الثوار السابقين البارزين، وغالبا ما كانت تقوم بهجماتها عندما يتوقف الضحايا المستهدفون عند أحد حواجز الطرق العديدة للجيش السوري. 

ولم يعد العديد من سكان الجنوب يخرجون من قراهم خوفا من مواجهة مثل هذه الهجمات. وبالإضافة إلى زيادة التوترات المحلية، أدت أعمال العنف إلى تقليص التجارة بشكل كبير وساهمت في ارتفاع معدل البطالة في درعا الذي يبلغ حوالي 50 ـ 60 في المئة.

درعا ترغب في حكم ذاتي مشابه لما يتمتع به الدروز

لا يبدو أن الغالبية العظمى من سكان درعا يرغبون بالدخول في صراع كبير آخر. إذ يدركون أنهم في وضع غير مؤاتٍ عسكريا، كونهم منقسمين إلى فصائل تفتقر إلى الأسلحة المناسبة دون توقّع الحصول على مساعدة خارجية. 

وانعكس هذا الشعور في مقطع فيديو نشره في 13 مايو أحد قياديي التمرد/الثوار السابقين المعروفين، ويدعى أدهم الكراد، حثّ فيه الجيش على الانسحاب من أطراف درعا، قائلا: "إن فُرضت علينا الحرب فنحن لها ولكننا لا نريدها". 

وبحسب موقع "المدن" الإخباري، أكّد الكراد أن الأهالي يسعون "لاتفاق لا يُقهر فيه أهل الجنوب، اتفاق يضمن كرامتهم". ومن جانبهم، طالب القادة الميدانيون التابعون لنظام الأسد بنزع سلاح الفصائل المحلية فضلا عن الحصول على ضمانات تُمكّن قوات النظام من دخول جميع المناطق دون عوائق.

ومع ذلك، فإن درعا هي المنطقة التي انطلقت منها الانتفاضة لأول مرة في عام 2011. لذلك، في حين يأمل السكان العرب السنة في الغالب في منع الأعمال العدائية الواسعة النطاق، إلا أنه يبدو أنهم مصممون أيضا على تجنب العودة إلى الوضع السابق، ويفضّلون الحصول على قدر من الاستقلال عن الحكومة المركزية ـ وهو هدف يبدو أنه تعزز من خلال تفاعلاتهم مع الدروز. 

فعلى الرغم من التوترات التاريخية مع الطائفة الدرزية، توجّه آلاف اللاجئين العرب السُنة من منطقة حوران للاحتماء في السويداء، عاصمة الدروز، وفي المدن الأصغر حجما على مدى العقد الماضي. وهناك تعلّموا بشكل مباشر كيف نجح الدروز في منع النظام من التحكم بشؤونهم، أو الحفاظ على وجود عسكري كبير في مناطقهم الجبلية، أو إجبار شبابهم على الخدمة في الجيش السوري. 

وعلى الرغم من انقسام القيادات الدرزية بسبب المنافسات والأجندة المتناقضة، إلا أن هذه القيادة أبقت قواتها خارج التمرد/الثورة في حين شكّلت مجموعة فعالة من وحدات الدفاع عن النفس التي تصدت لكل من الاستفزازات الحورانية من درعا، وتوغلات تنظيم "الدولة الإسلامية" من المناطق الصحراوية المحيطة (وقد استؤنفت هذه التوغلات الأخيرة في الأسابيع القليلة الماضية). كما أحبطت محاولات إيران و"حزب الله" لزرع جذور لهما حول السويداء.

لا تزال العديد من المعاقل في درعا تحت سيطرة الفصائل المتمردة التي حافظت على سلاسل قيادتها القديمة ووسّعت صفوفها، وتتفاخر بأنها تضم آلاف المقاتلين

ويريد القادة المحليون في درعا تكرار هذا النموذج في مجتمعاتهم، بحيث سيقْسِمون الولاء للنظام، ولكن فقط طالما لا يكون هذا الأخير كثير التدخل في شؤونهم. فهم لا يريدون أن يقوم المسؤولون الصارمون بإدارة محافظتهم عن بُعد؛ ولا يريدون القتال لصالح الأسد على الخطوط الأمامية البعيدة؛ ويريدون من روسيا أن تضمن هذه التنازلات. 

بعبارة أخرى، يريدون تجنب مصير محافظة القنيطرة حيث فرض النظام إرادته على السلطات المحلية وقام "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بتعبئة الميليشيات المحلية لإنشاء مواقع استفزازية على التلال الاستراتيجية المطلّة على إسرائيل.

ويبدو أن الأسد يعتبر هذا التصور غير مقبول. وقد يشجعه الروس على مضض على الحوار، ولكن في هذه المرحلة يبدو أنه يفضّل ما يعتقد أنه سيكون من السهل استعادة محافظة درعا بأكملها.

الخاتمة

عند السعي لإخضاع السكان المدنيين، يميل الجيش السوري إلى الاعتماد على القوة النارية المتفاوتة بدلا من هجمات المشاة. وإذا تم تطبيق هذه التكتيكات العشوائية في درعا، فقد يكون عدد القتلى مرتفعا جدا. ومن شأن مثل هذه الحملة أيضا أن تتسبب بتدفق موجة جديدة من اللاجئين في كافة الاتجاهات ـ أي إلى حدود إسرائيل والأردن، وإلى معاقل الدروز في الجبال أيضا.

بالإضافة إلى ذلك، من شأن هذه الديناميات أن تمّهد الطريق أمام إيران لتقوية وكلائها المحليين (على سبيل المثال، "الكتيبة 313") وإغراء الشباب العاطلين عن العمل بالرواتب [لحثّهم على الالتحاق بهم] ـ وربما يكون من بين هؤلاء بعضٌ من السبعة آلاف متمرد/ثائر سابق الذين كانوا يتلقون المساعدة من "جيش الدفاع الإسرائيلي". وهذا بدوره قد يمنح "الحرس الثوري: الإيراني و"حزب الله" فرصة لتعزيز انتشارهما في ريف درعا الغربي المواجِه للجولان، الذي يشكل خطا أحمر إسرائيليا قائما منذ فترة طويلة.

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة