Paris Las Vegas Hotel & Casino table game dealer Kelly Douglas, who is on leave from her job due to the coronavirus (COVID-19)…

في مثل هذه الأوقات الحرجة، ومع استمرار المدّ القاسي لجائحة كورونا، تتردد كلمة المنزل آلاف المرات في اليوم الواحد ضمن صياغات مختلفة: الزم منزلك، Stay home، ابق في المنزل، خليك بالبيت، وغيرها من العبارات أو الجمل أو الوسومات التي تتبادلها البشرية بمختلف لغاتها، تتمحور جميعها حول أهمية المنزل كبطل عظيم، دون منازع.

في اللغة الإنكليزية، يحمل المنزل معنيين أو دلالتين، بيت الإنسان وموطنه، وهما معنيان لا يختلفان في جوهرهما العظيم، حتى أن المقر الرسمي لجميع رؤساء الولايات المتحدة في واشنطن منذ أكثر من قرنين، سماه الرئيس روزفلت سنة 1901، البيت الأبيض وليس القصر الأبيض، للدلالة على أنه بيت الأمة، وكثيرا ما تتردد في الأفلام عبارة  العودة إلى المنزل-Home ، بمعنى العودة للوطن، المنزل الكبير، الذي يحتضن الفرد ومنزله وأسرته.

لا تختلف اللغة العربية في تجلياتها اللغوية الغزيرة والبديعة لمعاني المنزل، فهو أيضا الوطن والأرض، والمسكن الذي تسكن إليه العائلة وتتعاقب عليه أرواح  قاطنيه، وهو المكان الذي إن تهدم أو زال أو دُرِسَ في الأرض، أو أقفر من ساكنيه بسبب موت أو حرب أو هجرة، أو بسبب واحدة من الكوارث الطبيعية وعاديات الزمن، استحق الحزن والرثاء الشديد لضياعه بأبلغ الكلمات المؤثرة، التي أكثر من التنويع عليها شعراء العرب القدماء، في مرثياتهم الكثيرة عن الترحال المستمر للقبائل والوقوف على الأطلال، واستعملوا كلمة المنازل في سياقات لغوية وشعرية لامتناهية، من أجملها وأكثرها دلالة لأبي تمّام: "كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى.. وحنينه أبدا لأول منزل".

هذا الأمر ربما يعيد الاعتبار لنمط الحياة العائلية القديمة في بعض المجتمعات، واستعادة فكرة الأسرة الكبيرة في منزل واحد

للقمر، ولكل فصل من فصول السنة وللكائنات الحية منازل، وفي سلوكيات الحياة الاجتماعية، لكل إنسان عند الآخرين منزلة، بمعنى قدره ومكانته الخاصة في نفوسهم، وفي الفن التشكيلي تحظى اللوحات التي ترسم بيوتا بانطباع وجداني أكبر، كما تتقدم المدن الشهيرة ببيوتها الجميلة القديمة أو الحديثة قائمة المدن الأكثر إبهارا وتميزا.

ولعل أجمل ما قيل في السياق، جاء على لسان الروائية العالمية التشيلية إليزابيت الليندي، التي فرقت بوصف أدبي مؤثر بين معنى البيت House  والمنزل Home،  بقولها إن البيت يصير منزلا، حين تحدث فيه ولادات ووفيات.

ممارسة العمل عن بعد الذي فرض كأسلوب مهني مستجد بسبب حظر التجوال الذي تشهده معظم دول العالم اليوم، اضطر العديد من الشخصيات الشهيرة مثل بعض الساسة والمحللين السياسيين والاقتصاديين ونجوم الفن والرياضة وغيرهم، للتواصل عبر الإنترنيت أو شبكات التلفزة من منازلهم، وتميز بينهم الإعلاميون ومراسلو الشبكات التلفزيونية بشكل خاص بالظهور المستمر وغير المتكلف لمواكبة تداعيات الحدث، الأمر الذي منح العمل الاعلامي عفوية أجمل، وإلفة، وكسرا للمألوف، بحيث بات المشاهد يتابع الحدث من منزل الإعلامي، ويجرب بدقائق خاطفة التدقيق في تفاصيل منزله التي تبدو في الخلفية، واكتشاف هوية أصحاب هذا المنزل وذوقهم الشخصي في اختيار الأثاث وأناقة ترتيبه، ويبدو أن زوجة أحد الإعلاميين لاحظت أن خلفية غرفة الجلوس التي يظهر فيها زوجها ناقصة، فسارعت بحسٍّ أنثوي لمّاح إلى إضافة بعض الأزهار في الخلفية التي ظهرت أكثر إشراقا في الاتصال الثاني.

المنزل، كملجأ معنوي وفيزيائي وحلم دائم للأفراد، بحضوره الطاغي وحاجته الماسة المتصاعدة اليوم، سيصاب في القريب العاجل بالآثار المهولة لخسائر الاقتصاد العالمي الناجمة عن الوباء، وفي الواقع، توحش الغلاء العالمي لقطاع العقارات ليس بالأمر الجديد أو الطارئ، لكنه سيصير أكثر ضراوة واستحالة، وكل السنوات التي سيقضيها الأفراد في العمل الدؤوب سعيا لامتلاك منزل ولو صغير لأسرهم، قد لا تكفي مهما اجتهدوا أو اقترضوا. 

توحش الغلاء العالمي لقطاع العقارات ليس بالأمر الجديد أو الطارئ، لكنه سيصير أكثر ضراوة واستحالة

هذا الأمر ربما يعيد الاعتبار لنمط الحياة العائلية القديمة في بعض المجتمعات، واستعادة فكرة الأسرة الكبيرة في منزل واحد، يتقاسمه الآباء والأبناء والأحفاد معا، وهي فكرة مهما تعددت سلبياتها وباتت مرفوضة في الحياة المعاصرة مع ميل الفرد نحو الاستقلالية، إلا أن إيجابياتها قد تكون أكبر في إعادة تعزيز الروابط العائلية التي بعثرتها أنماط الحداثة وتغريباتها.

حق التملك لمسكن، والذي كان يفترض بجميع دول العالم، السعي لتكريسه ضمن أولوياتها الاستراتيجية وسياساتها المالية وتقديم كل التسهيلات المتعلقة به، حق شرعي يكتسب أهميته اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبشكل خاص فيما يتعلق بتسهيل عودة آمنة لآلاف المهجرين قسرا الذين مازالت منازلهم في أوطانهم قائمة، أو قابلة للإصلاح، هذه المنازل التي لا تجف دموع أصحابها كلما استعادوا ذكرياتها في صورهم القديمة التي احتفظوا بها مع مفتاح المنزل، على أمل العودة إليه في يوم من الأيام، ويتعرضون كل حين لعنصريات بغيضة من قبل بعض أفراد أو أحد ساسة الدول المضيفة.

Home..Home  كانت الكلمة الأكثر تأثيرا وجدانيا للكائن الفضائي اللطيف في فيلم E.T. - 1982 للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، وستبقى الأكثر تأثيرا ومطلبا في أوقات المحن، والأوقات السعيدة.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.