In this picture released by an official website of the Office of the Iranian Supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
عند النظر في خيارات الرد، غالبا ما تتعامل طهران مع إسرائيل بشكل مختلف عن الولايات المتحدة

خلال الأسابيع الأخيرة تعرّضت إيران لسلسلة من الحرائق والانفجارات في مواقع صناعية مدنية وعسكرية، من بينها مجمّع أبحاث الصواريخ في خوجير بالقرب من طهران ومنشأة تخصيب اليورانيوم الرئيسية في نطنز (ناتانز). وتشير تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية مطّلعة إلى أن إسرائيل كانت مسؤولة عن حادثة نطنز وأن الولايات المتحدة قد تكون متورطة في أعمال التخريب، علما بأن العديد من هذه الحوادث تبدو أحداث عرضية. 

ومثل هذه الأحداث شائعة جدا في إيران بسبب البنية التحتية الضعيفة وثقافة السلامة [غير المتطورة] في البلاد ـ وفي الواقع، تم توثيق 97 منها في الفترة من مايو إلى يوليو 2019، أكثر بكثير من العشرين التي حدثت خلال الفترة نفسها من هذا العام (ربما بسبب انخفاض النشاط الصناعي وسط وباء "كوفيد-19"). ومع ذلك، هدّدت إيران بالرد على أي أعمال تخريبية، على الرغم من أنها تجنّبت حتى الآن إلقاء اللوم على إسرائيل أو الولايات المتحدة عن هذه الحوادث. ويثير ذلك السؤال عمّا إذا كانت ستردّ وكيف ومتى.

المنطق الاستراتيجي للأعمال الانتقامية

بسبب المشاكل الاقتصادية التي تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية والاضطرابات الشعبية والوباء العالمي، يبدو أن إيران ليست في وضعٍ يمكّنها من الرد عسكريا، سواء على التخريب الصناعي المحتمل أو على عملية القتل التي استهدفت القائد العسكري الكبير قاسم سليماني في يناير. (وقبل أسبوعين فقط، حذر المرشد الأعلى علي خامنئي على موقع "تويتر" من أن إيران "ستوجه في النهاية ضربة مماثلة" ضد الولايات المتحدة انتقاما لموت سليماني). ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن الأنشطة الخارجية لطهران مقيّدة بسبب المشاكل الداخلية في البلاد.

على سبيل المثال، بعد فترة وجيزة من هدوء الاحتجاجات الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد خلال يناير 2018، شنّت إيران هجوما بطائرة بدون طيار على إسرائيل من سوريا. وبالمثل، بعد أن قام النظام بقمع الاحتجاجات التي اندلعت في نوفمبر الماضي بسبب ارتفاع أسعار الوقود، كثّف هجماته على القوات الأميركية في العراق بشكل كبير. 

كلما اعتبرت إيران أن مصالح الولايات المتحدة صعبة أو خطيرة للغاية من أن يتم استهدافها، فإنها تميل إلى مهاجمة إسرائيل و/أو السعودية بدلا من ذلك

وعلى الرغم من تفشّي فيروس كورونا في فبراير من هذا العام، جدّدت البلاد جهودها بين مارس وأبريل لتحويل مسار ناقلات النفط ومضايقة السفن الحربية الأميركية في الخليج العربي، بعد توقّف طويل لمثل هذه الأنشطة. ولا يبدو أن هذه العمليات الخارجية وغيرها تهدف إلى صرف الانتباه عن الصعوبات الداخلية أيضا، فما هي العوامل التي تحدد نطاقها وتوقيتها؟

اختلاف في الحسابات تجاه إسرائيل والولايات المتحدة

عند النظر في خيارات الرد، غالبا ما تتعامل طهران مع إسرائيل بشكل مختلف عن الولايات المتحدة. وعلى الرغم من قدرات إسرائيل المثيرة للإعجاب، إلا أن ما يُسمّى بـ "الشيطان الصغير" هو قوة إقليمية صغيرة لا تعتبرها إيران ندا لها، وتشنّ ضدها حربا خفيّة منذ عقود طويلة. ولكن في السنوات الأخيرة، تبنّت إسرائيل نهجا أكثر استباقية للتعامل مع التهديدات الناشئة عن الجمهورية الإسلامية، بتنفيذها مئات عمليات الاعتراض وإحباطها هجمات في سوريا في إطار "حملتها بين الحروب"، ومعظمها يهدف إلى منع إيران من نقل الأسلحة المتطورة إلى "حزب الله" اللبناني أو تحويل سوريا إلى نقطة انطلاق لشن هجمات على الأراضي الإسرائيلية.

وإذا نسبت إيران في النهاية أيا من أعمال التخريب الأخيرة إلى إسرائيل، فمن شبه المؤكد أن تقوم بالرد كما فعلت في الماضي: أي من خلال شنّها هجمات سيبرانية ضد البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية، وهجمات بالصواريخ أو بالطائرات بدون طيار أو بالقذائف من داخل سوريا. 

بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن "الموساد" الإسرائيلي أحبط مؤخرا العديد من الهجمات المخطط لها على سفارات إسرائيلية في أوروبا وأماكن أخرى. وإذا كان ذلك صحيحا، فسيكون هذا ردا شديدا بشكل غير معتاد على فعل تخريبٍ غير مميت، لذلك يجب التعامل مع هذه التقارير بحذر. وكانت المرة الأخيرة التي هاجمت فيها إيران السفارات الإسرائيلية هي في عام 2012 بعد مقتل العديد من علمائها النوويين.

وفي المقابل، تعكس الأعمال الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" حسابات أكثر تعقيدا نظرا لمكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى ذات وجود عسكري على طول الحدود الإيرانية. فمنذ مايو 2019، تشن طهران حملة للتصدي لسياسة "الضغط الأقصى" الأميركية، بهدف إجبار واشنطن على تخفيف العقوبات أو رفعها، وتضمّنت الحملة هجمات على البنية التحتية للنفط والنقل في الخليج والمملكة العربية السعودية، وتحويل مسار ناقلات النفط، وهجمات على طائرات الاستطلاع الأميركية بدون طيار، وهجمات صاروخية مميتة وغير مميتة على عناصر الجيش الأميركي في العراق، ومضايقة سفن البحرية الأميركية في الخليج، وأنشطة الاستطلاع السيبرانية، ربما استعدادا للتدخّل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 أو تخريب البنية التحتية الأميركية.

وحتى الآن، ساهم هذا التصدي في نشوب توتر بين واشنطن وحلفائها ولكن دون تحقيق هدف تخفيف العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن طهران ما زالت تتعافى من صدمة وفاة سليماني. ومن هذا المنطلق، سوف يتأثر رد النظام على مقتل سليماني وعلى أي دور أميركي في أعمال التخريب الأخيرة بعدة عوامل:

• كل "شيطان" على حدة: قد تعتقد طهران أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعاونتا في الأحداث الأخيرة في نطنز وأماكن أخرى، تماما كما تعاونتا في الهجمات الإلكترونية "ستوكسنت" على نطنز بدءا من عام 2007. إلا أن النظام الإيراني يتردد بشكل عام في التصعيد ضد كلا العدوَّين في الوقت نفسه. وكلما اعتبرت إيران أن مصالح الولايات المتحدة صعبة أو خطيرة للغاية من أن يتم استهدافها، فإنها تميل إلى مهاجمة إسرائيل و/أو السعودية بدلا من ذلك. 

وفي عام 2010، على سبيل المثال، حذّرت طهران كلّا من واشنطن والقدس من أن كلتيهما ستتحملان مسؤولية قتل العلماء النوويين الإيرانيين، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين نفوا تورّطهم في ذلك الوقت. وفي النهاية، استهدفت طهران المصالح الإسرائيلية فقط.

الاستراتيجية قبل الانتقام: على الرغم من أن القادة الإيرانيين غالبا ما ينكّهون تصريحاتهم بالتهديد بالانتقام، إلا أن سلوكهم يعكس بشكل عام اعتباراتهم الاستراتيجية. وبما أنهم يميلون إلى رؤية العالم من منظار المحصلة الصفرية، فيعتقدون أنهم إذا لم يستجيبوا للتجاوزات المتصوَّرة، فإنهم يخاطرون بتشجيع أعدائهم.

ولكن للحد من إمكانية التصعيد، تقتصر هذه الردود عموما على الإجراءات العينية والتناسبية والسرية/بالوكالة. وإذا كان من مصلحتهم تأجيل الرد، فقد يفعلون ذلك ـ ربما إلى أجل غير مسمى. وفي الواقع تهدف استراتيجية "المنطقة الرمادية" بأكملها إلى إدارة المخاطر ومنع الحرب. ولهذا السبب وجهت إيران تحذيرا مسبقا إلى بغداد حول الهجمات الصاروخية التي شنّتها على القواعد العراقية ردّا على مقتل سليماني، مدركة أن عناصر الجيش الأميركي سيتلّقون تعليمات في الوقت المناسب لاعتماد تدابير وقائية. ولذا فإن عناوين الأخبار التي تدّعي أن أميركا وإيران كانتا على "شفير الحرب" في يناير لا تستند إلى الواقع.

من المرجح أن يواصلوا حملتهم المضادة للضغط، بما في ذلك هجمات المضايقة على العناصر الأميركيين في العراق

ولكن حتى مع إعطاء الأفضلية للاستراتيجية على حساب الرغبة في الثأر لسليماني، إلا أن الضربة الإيرانية بالصواريخ والطائرات بدون طيار على البنية التحتية النفطية السعودية في سبتمبر الماضي أثبتت أن إيران تمتلك بعض القدرات اللازمة لاستهداف كبار الضباط العسكريين الأميركيين، على الرغم من أنها قد تكون غير راغبة في المخاطرة باتخاذ خطوة بهذه الضخامة في الوقت الحاضر. ومن المرجح أن يحدث مثل هذا الهجوم في العراق ـ مسرح "الجريمة" وساحة تمتلك فيها طهران معلومات استخبارية جيدة بشكل خاص.

تجنب ولاية ثانية لترامب: أحد العوامل الرئيسية الأخرى لدى صانعي القرار الإيرانيين هو التأثير المحتمل الذي قد يترتب عن العمل الانتقامي على احتمالات إعادة انتخاب الرئيس ترامب ـ وهي نتيجة يريدون بالتأكيد تجنّبها. وربما يفكرون في أفضل السبل لإفشال فرصِه بالفوز بولاية ثانية، لكنهم يواجهون سلسلة من المعضلات في القيام بذلك.

على سبيل المثال، من المرجح أن يواصلوا حملتهم المضادة للضغط، بما في ذلك هجمات المضايقة على العناصر الأميركيين في العراق. ومع ذلك، فإن أي هجوم مثير قبل انتخابات نوفمبر قد يؤتي بنتائج عكسية ـ حيث قد يتسبب في قيام ترامب بالرد بقوة، الأمر الذي قد يمنحه تقدّم متعثّر في الاستطلاعات. وبدلا من ذلك، قد ينتظر القادة الإيرانيون إلى ما بعد الانتخابات لتوجيه ضربتهم، معتبرين أنه إذا خسر ترامب، ستكون لإدارة "البطة العرجاء" برئاسته خيارات محدودة للرد، وبعد ذلك سيكونون قادرين على التعامل مع الإدارة الجديدة من موقع قوة. ولكن إذا أعيد انتخابه، فسيتعين عليهم الاختيار ما بين مسارَين محفوفين [بالمخاطر]: إما الانخراط في السياسة العسكرية المتمثلة بـ "حافة الهاوية" من أجل إثارة أزمة، وتحفيز المساعي الدبلوماسية، والتفاوض على صفقة شاملة مع واشنطن، أو تبنّي نهج أكثر حذرا مع رئيس قد لا يكون مقيدا بالاعتبارات الانتخابية.

الخاتمة

لم تنجح حملة طهران المضادة للضغط في تخفيف العقوبات ولم تؤد إلى تجديد المفاوضات مع واشنطن، وهناك احتمال ضئيل في التوصل إلى اتفاق جديد قبل أقل من أربعة أشهر على موعد الانتخابات. وبالتالي، من المرجح أن يستمر النظام بتنفيذ عناصر معينة من هذه الحملة لإظهار عدم خنوعه، ولكن سيُرجئ أي خطوة كبيرة قد يخطط لها ضد أهداف أميركية إلى ما قبل يوم الانتخابات أو بعده بوقت قصير. لذلك، ولتشجيع إيران على ضبط النفس بصورة أكثر، يجب على واشنطن إظهار استعدادها المستمر للرد عسكريا على الهجمات، مع تجنب الإجراءات التي قد تدفع طهران بصورة أكثر نحو الزاوية.

المصدر: منتدى فكرة

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.