This picture made available by the Iranian armed forces office on June 18, 2020 shows a missile being fired out to sea from a…
مناورات عسكرية إيرانية

في 18 أكتوبر، من المقرر أن "ينقضي" حظر الأسلحة المفروض من إيران وإليها، وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، وهي الوثيقة التي منحت صفة قانونية دولية للاتفاق النووي الإيراني. وإذا لم يتمّ تمديد الحظر، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي التداعيات المحتملة على القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية؟

فرص شراء الأسلحة التقليدية

في العقود الأخيرة، أسفرت الاستثمارات الدفاعية المتواضعة نسبيا في طهران عن بعض القدرات المتخصصة المثيرة للإعجاب، الأمر الذي مكّنها من توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى، وشنّ حرب عصابات بحرية، وإجراء عمليات بالوكالة. واستخدم النظام هذه القدرات لاكتساب ميزة وبسط نفوذه مع تجنّب حرب إقليمية كبرى. 

وبالتالي، تشكل الطائرات بدون طيار والصواريخ التي يملكها وكلاء وشركاء إيران تهديدا لأبرز حلفاء أميركا في المنطقة (إسرائيل والمملكة العربية السعودية)، في حين يمكن للقوات الإيرانية التي تنفّذ عمليات القصف الدقيق البعيد المدى استهداف القواعد العسكرية الأميركية وأهداف أخرى في جميع أنحاء المنطقة. كما يمكن لإيران عرقلة حركة المرور البحرية من خلال ممرين بحريين أساسيين مزدحمين: مضيقي هرمز وباب المندب (الأخير عبر شركائها الحوثيين في اليمن).

ومن وجهة نظر طهران، فإن النجاحات التي سجلها وكلاؤها وشركاؤها في الشرق الأوسط ـ طرد القوات الإسرائيلية من لبنان في عام 2000، وإخراج القوات الأميركية من العراق في عام 2011، وهزيمة "المؤامرة الأميركية السعودية الصهيونية" لإسقاط بشار الأسد في سوريا منذ عام 2011 ـ قد بررت نهجها في استخدام القوة لتشكيل البيئة الأمنية الإقليمية. كما تَعتبر إيران قواتها المسلحة رادعا فعالا ضد هجوم تقليدي كبير ـ وهي عقلية يعززها بلا شك إحجام واشنطن عن استخدام العتاد العسكري كجزء لا يتجزأ من سياسة الضغط الأقصى.

استفاد النظام من عمليات الشراء هذه لإنتاج مجموعة مبهرة من أنظمة الأسلحة البسيطة ولكن ذات القدرة العالية التي تلبي حاجات البلاد

وبالتالي، من المرجح أن تبقي إيران على هذه المقاربة الأساسية إذا انتهى الحظر على عمليات نقل الأسلحة في وقت لاحق من هذا العام، بينما تملأ الثغرات التي تعانيها في القدرات وتعمل بشكل انتقائي على تحديث قواتها التقليدية لتعكس الدروس المستفادة في سوريا. وتحقيقا لهذه الغاية، ستحاول شراء بعض الأنظمة التي لم تتمكن من صنعها محليا على الأقل، مثل صواريخ أرض ـ جو متطورة، وطائرات مقاتلة، ومدرعات مشاة مقاتلة، ودبابات. 

وبالفعل، تشير تقارير إعلامية إلى أنها تواصلت مع روسيا أساسا لشراء مقاتلات من نوع "سو-30" وصواريخ أرض ـ جو من نوع "أس-400"، ودبابات "تي-90"، وأنظمة مدفعية حديثة، وصواريخ كروز "ياخونت" المضادة للسفن. 

وبالمثل، ستواصل على الأرجح تقوية قواتها البحرية التي تعمل بأسلوب حرب العصابات من خلال امتلاك ألغام متطورة، وطوربيدات، وصواريخ باليستية مضادة للسفن. 

ومن المرجح أيضا أن تعزز القدرة الاستطلاعية لفيلقها الشيعي الأجنبي من خلال الحصول على طائرات دعم جوي قريب ذات أجنحة ثابتة وأخرى ذات أجنحة دوارة، ومروحيات نقل، وتكنولوجيا خاصة بجمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع، الأمر الذي يُحتمل أن يمكّن الوكلاء ويخوّلهم تنفيذ عمليات معزّزة في الخارج بشكل مستقل عن الدعم الجوي والناري الروسي.

وبالنظر إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران، من غير المحتمل أن يكون النظام قادرا على شراء أعداد كبيرة من أنظمة الأسلحة الرئيسية. على سبيل المثال، يمكن أن تصل النفقات الأولية لسرب واحد من 18 ـ 24 طائرة مقاتلة إلى ملياريْ دولار، ويمكن أن تقترب عملية إعادة تنظيم القوة الجوية ككل من 100 مليار دولار، لأن هذه العملية تتطلب شراء طائرات حديثة، وتجميع كميات كبيرة من الذخائر وقطع الغيار، وتحديث القواعد الجوية ومنشآت الصيانة وتمتينها، وتوسيع شبكات القيادة والتحكم والاتصالات والاستخبارات. وستتطلب إعادة تنظيم الجيش وقوات البحرية استثمارات على نطاق مماثل. ولعل الأهم من ذلك أنه من غير المرجح أن تُقْدِم روسيا والصين على منح طهران خط الائتمان الضروري لتسهيل مشتريات كبيرة الحجم.

ومع ذلك، فإن التحديث العسكري الشامل ليس ضروريا لتحقيق أهداف إيران الرئيسية للأمن القومي، والتي تستند فقط إلى عدد قليل من القدرات القوية والمتخصصة. وفي حين أن غياب العملة الصعبة وغيره من العوامل قد يمنع طهران من التفاوض على صفقات الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، فمن المرجح أن يشتري النظام كميات متواضعة على الأقل من الأسلحة الأكثر تقدما، وبالتالي يُمكّن قطاعاته الخاصة من تطبيق الهندسة العكسية وإنتاج بعض أسلحته الخاصة في نهاية المطاف.

تعزيز الثقة الذاتية والإنتاج المحلي

بالفعل، يمكن لرفع الحظر أن يُحدث تغييرا أكبر في قطاع الأسلحة المحلي في إيران. فروح الاعتماد على الذات أمر أساسي للجمهورية الإسلامية، التي كانت تتطلع إلى تعزيز الإنتاج المحلي للأسلحة منذ أوائل الثمانينيات من أجل تقليل الاعتماد على مزودين من الخارج، والتهرب من العقوبات، وتطوير القدرات المخصصة لاحتياجاتها العملياتية المحددة. وقد خطت خطوات كبيرة في إنتاج الأسلحة الصغيرة، والأسلحة الخفيفة والثقيلة، ومختلف أنواع الذخائر، والطائرات بدون طيار، والقذائف/الصواريخ (بما فيها أنظمة مضادة للسفن، وأنظمة الصواريخ أرض ـ أرض، وأرض ـ جو)، والمركبات المدرعة الخفيفة، والسفن الحربية الصغيرة (على سبيل المثال، الغواصات والفرقاطات القزمة).

وبدون الحظر، قد تتوافر أمام طهران المزيد من الفرص لشراء قطع [غيار]، ومكونات، وآلات تشغيل، وتكنولوجيات تصنيع بمساعدة الحاسوب، ومواد خاصة ضرورية لإنتاج أنظمة أكثر تطورا. ومع ذلك، حتى في ظل القيود الراهنة، تمكنت طهران من شراء مواد تجارية، جاهزة للاستخدام، ومزدوجة الاستعمال باستخدامها خطط شراء معقدة ملتوية ومكلفة. وتُعتبر العديد من هذه المواد غير ثمينة ومتاحة من مصادر عديدة، ويصعب تعقبها، [ويمكن شراؤها] بأسعار معقولة حتى بالنسبة لإيران الرازحة تحت وطأة قيود مالية. 

يمكن لرفع الحظر أن يُحدث تغييرا أكبر في قطاع الأسلحة المحلي في إيران

وبمرور الوقت، استفاد النظام من عمليات الشراء هذه لإنتاج مجموعة مبهرة من أنظمة الأسلحة البسيطة ولكن ذات القدرة العالية التي تلبي حاجات البلاد بشكل كافٍ وتسمح لها بأن تلعب دورا أكبر من حجمها وتثبت حضورها.

على سبيل المثال، تمّ تنفيذ الهجوم الذي استهدف البنية التحتية للنفط في السعودية في سبتمبر 2019 بواسطة 18 طائرة بدون طيار ذات أجنحة دلتا و7 صواريخ جوّالة من نوع "قدس 1"، لكن هذه الترسانة الصغيرة نسبيا كانت كافية لخفض إنتاج النفط في المملكة إلى النصف لعدة أسابيع (ما يعادل حوالي 5 في المئة من الإنتاج العالمي). 

ووفقا لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، كانت محركات الطائرات بدون طيار المستخدمة في الهجوم نسخا غير مرخصة من محرك بريطاني ربما يكون قد تم صنعها في الصين و/أو إيران، في حين تضمنت الأنظمة الخاصة بإلكترونيات الطيران، والتحكم في الطيران، والوقود مكونات من بريطانيا وإيرلندا وإيطاليا واليابان وبولندا وكوريا الجنوبية والسويد والولايات المتحدة. وبالمثل، كانت الصواريخ الجوّالة تعمل على نسخ إيرانية من المحرّك التوربيني النفاث التشيكي وتضمنت مكونات التحكم في الطيران والوقود من صنع ألمانيا وإيطاليا وسويسرا.

وتمكنت إيران من الحصول على هذه المواد التجارية ذات الاستخدام المزدوج على الرغم من العقوبات الدولية، ومن شأن رفع الحظر على الأسلحة أن يسهل الأمر. وحتى إذا بقيت العقوبات الأميركية الأحادية الجانب قائمة أو تمّ تشديدها، يمكن لإيران تجنبها من خلال شراء مكونات من شركات صينية أو بائعين آخرين ليست لديهم مصالح تجارية في الولايات المتحدة. 

وبالمثل، من المرجح أن تكون الدول التي لديها ضوابط تصدير ضعيفة أقل يقظة بشأن عمليات بيع وشراء مماثلة إذا تمّ رفع الحظر. ومن شبه المؤكد أن تواجه واشنطن صعوبات في إقناع بعض الدول باعتراض الأسلحة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج المتوجهة إلى إيران إذا لم تكن هناك قرارات من مجلس الأمن تحظر ذلك.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تُفيد العديد من اتجاهات التقنية المتقدمة الناشئة جهود إيران لشراء الأسلحة وإنتاجها. فشركات خاصة من مختلف أنحاء العالم، وليس فقط مختبرات حكومية سرية للغاية في الولايات المتحدة وروسيا، تعمد بشكل متزايد إلى تطوير التقنيات المتقدمة ذات الاستخدام المزدوج. ولهذا السبب، سيكون من الصعب بشكل متزايد السيطرة على انتشار "تكنولوجيات تسوية جذرية" (على سبيل المثال، الذكاء الاصطناعي، والتصنيع المضاف، والروبوتات المتقدمة) التي يمكن أن تمكّن إيران من تضييق فجوات عسكرية معينة مع خصومها بشكل تدريجي. 

من شأن ازدياد الدقة أن يرفع بشكل ملحوظ عدد الأهداف التي يمكن لطهران ضربها

ونظرا لأن معظم الأسلحة الحديثة تعتمد على حواسيب مصغرة مدمجة، فقد لا يتطلب تطوير القدرات (على سبيل المثال، تسخير الذكاء الاصطناعي لإنشاء أسراب معقدة بدون طيار) سوى تنزيل إحدى البرمجيات، كما أشار القائد في البحرية الأميركية جيرمي فوغان في دراسة قام بها عام 2017 "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" (IISS). وحتى إذا تطلبت بعض هذه التحسينات مساعدة من مصممي برمجيات أجانب، فسيكون من الصعب رصد هذه المساعدة ومنعها.

بإمكان هذه الاستراتيجية الإيرانية للمكاسب الهامشية أن تشكل تحديات كبيرة فيما يخص انتشار الأسلحة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها. على سبيل المثال، دون فرض حظر على الأسلحة، قد تكتسب طهران التكنولوجيا لتحويل قذائفها البعيدة المدى إلى صواريخ، وتحسين دقة صواريخها البالستية القصيرة والمتوسطة المدى، واستحداث تدابير مضادة ووسائل اختراق (سحابات تغشية، أجهزة تشويش، أجهزة تمويه، ورؤوس حربية) لصد الدفاعات الصاروخية. وهذا يمكن أن يعزز القدرة الضاربة لقوتها الصاروخية بشكل كبير، مما يجعلها جهة مغيّرة لقواعد اللعبة في صراع مستقبلي. 

ولتوضيح ذلك: سيصبح بالإمكان استهداف نقطة ما كان يتطلب تدميرها سابقا 100 صاروخ غير دقيق بواسطة 2 ـ 3 صواريخ عالية الدقة في المستقبل. كما من شأن ازدياد الدقة أن يرفع بشكل ملحوظ عدد الأهداف التي يمكن لطهران ضربها. كذلك، ومن المرجح تحقيق زيادات مماثلة في القدرات لأنواع أخرى من الأسلحة الإيرانية أيضا. 

وسيعمل النظام على تزويد العديد منها لوكلائه الأجانب المختلفين ـ كما كان يفعل منذ سنوات في انتهاك لقرارات مجلس الأمن 2231 (2015) و2216 (2015) و1701 (2006). وفور حصول ذلك، سيصبح هؤلاء الوكلاء حتما موردين لهذه الأسلحة في المستقبل، ويقومون بنقل الأسلحة الإيرانية إلى شركائهم.

الخاتمة

تُركز معظم المناقشات حول رفع الحظر على كيفية تأثير عمليات نقل الأسلحة الرئيسية على القدرات العسكرية الإيرانية. ومع ذلك، في حين أن مثل هذه العمليات تشكل مصدر قلق كبير، فقد يكون للعوامل الأخرى أثر عسكري أكثر أهمية على المدى الطويل. 

وعلى وجه الخصوص، من المرجح أن تُركز إيران على موارد أكبر حتى من أجل الحصول على المكوّنات ذات الاستخدام المزدوج، وتكنولوجيا الإنتاج، والمواد الخاصة اللازمة لتطوير أنظمتها الحالية ودفع قطاع الأسلحة المحلي قدما. 

وتُعتبر هذه المقاربة أكثر منطقية للنظام ماليا وسياسيا وعسكريا، لأن هذه الأنواع من عمليات الاستحواذ غير مكلفة نسبيا، ويصعب تعقبها، وتؤدي إلى تحقيق مفاجأة تكنولوجية أثناء الأزمات أو النزاعات. كما أنها أكثر اتساقا مع جهود طهران لتحقيق "ثورة في المجال العسكري" من خلال السعي لتحقيق مكاسب هامشية تتيح لها تطوير قدراتها بشكل مفاجئ. وكما أظهرت التجربة، فإن المزيد من التقدم الإيراني من هذا النوع لن يصب في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات مزعزعة للاستقرار في المنطقة وأسواق النفط العالمية.

المصدر: منتدى فكرة

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.