استغلت القيادة الإيرانية بقساوة المسائل الساخنة لعقود من الزمن، مستفيدة من محنة بعض المجموعات الإقليمية مثل الفلسطينيين والأقليات الشيعية في الخليج، فيما حافظت على دوليا على تركيز خاص على المسائل الأفريقية الأميركية في الولايات المتحدة. إذ يوجّه المسؤولون الإيرانيون بلا هوادة، لا سيما المرشد الأعلى علي خامنئي، خطابات تدعي العنصرية والتمييز العنصري ضد المجتمعات الأميركية ذات البشرة السوداء. ومع ذلك، يستمرّ النظام في تطبيق ممارساته العنصرية الخاصة داخل إيران مع القليل من العواقب أو من دونها.
كان الناشطون سواء داخل إيران أو خارجها يطرحون السؤال نفسه منذ بعض الوقت وهو: "لماذا ينتفض العالم بسبب جريمة قتل واحدة في الولايات المتحدة أو في إسرائيل أو ربما في أوروبا، فيما لا يتفوّه بشيء عن معاناتنا منذ عقود؟ لماذا نُترَك لنعاني ونموت بصمت؟".
رغم اندلاع التظاهرات الجماعية عبر العالم إثر مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة، يتم إسكات الاحتجاجات الدولية ـ وتكون هذه الاحتجاجات غائبة في بعض الحالات ـ حين يتعلق الأمر بانتهاكات حقوق الإنسان في إيران. وليست المسألة مجرّد تدني توقعات العالم من النظام، بل عدم توافُق التوقعات العادية مع الروح الأساسية للنظام أو تطبيقه الممنهج لأيديولوجيته. ويفلت النظام من النقد المستمر لأن المساءلة والتوقعات لا تلتقيان حين يتم تطبيقهما على سجله الجنائي والقمعي الذي دام لأكثر من 40 عاما.
ما من حل بسيط. فلا تريد الشعوب غير الفارسية في إيران معاملة خاصة، بل معاملة مساوية
بالنسبة إلى الكثير من الناشطين الإيرانيين ـ وخاصة أولئك المعنيين بحقوق الأقليات ـ ربما يبرز شعورٌ بالإحباط حين يبدو أن غضب العالَم يبقى مركّزا على الأمم التي يُتوقّع منها بشكل من الأشكال أن تكون في حال "أفضل" وأن تتمسك بالمبادئ التي تأسست عليها. وكان من اللافت أن الأخبار الدولية تناولت مسألة وقف تنفيذ عمليات الإعدام لثلاثة شبان حُكِم عليهم بالموت عقب الاحتجاجات السلمية في أواخر عام 2019، إلا أن الاهتمام الدولي لم يبرز سوى بعد الضجة الكبيرة التي أُثيرت حول هذا الحُكم. وفي تلك الحالة، أمّن شعب إيران ومغتربوها الضغط اللازم؛ فازدادت كثيرا في البداية شعبية الهاشتاغيْن الرائجيْن #StopExecutionsInIran (#أوقفوا_عمليات_الإعدام_في _إيران) و #اعدام_نکنید على موقع "تويتر"، حتى دفعا النظام إلى تضييق الخناق على شبكة الإنترنت في البلاد ضمن جهد لإسكات الانتقادات. ورغم أن هذه الملايين من التغريدات ربما أدّت إلى وقف تنفيذ الإعدام على الأقل بشكل مؤقت للشبان الثلاثة، تم منذ ذلك الوقت التأكيد على أحكام الإعدام التي صدرت بحق خمسة رجال إضافيين بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات السلمية في أواخر عام 2017 حتى أوائل عام 2018.
هذه الحالات ليست نادرة الحدوث. فمنذ وصول آية الله الخميني إلى السلطة، جعل النظام القانوني الإيراني التطبيق الانتقائي للمبادئ القانونية الأساسية أمرا طبيعيا على المستويات كافة تقريبا. ففي إيران، تُطبَّق "سيادة القانون" عبر عدد كبير من "الجرائم" السياسية، والتهم الجنائية الشبه الدينية، والاعترافات بالقوة، والمحاكمات الشكلية، والحرمان من مساعدة المحامي، والسلطة القضائية العالقة تماما في روح الدولة الشمولية.
على الرغم من القمع التعسفي في الداخل، يشجب النظام الإيراني برياء انتهاكات حقوق الإنسان في أجزاء أخرى من العالم. ففي 27 يوليو، أشار رئيس السلطة القضائية في إيران إبراهيم رئيسي إلى أحد الحوادث حين قامت طائرة مقاتلة أميركية بملاحقة طائرة "ماهان" الإيرانية لوقت قصير بعد أن حلّقت فوق قاعدة عسكرية أميركية في طريقها إلى سوريا، معتبرا أن هذا الفعل "لا يمكن مسامحته". وما يثير السخرية هو أن رئيسي أدلى بهذا التصريح عقب قيام إيران بإسقاط "رحلة الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية 752" في أواخر عام 2019 بشكل قاس وغير مبرر حتى الآن.
إبراهيم رئيسي بحدّ ذاته هو شخصية رجعية؛ فبعد تعيينه تبعا للأمر التنفيذي 13876 في 4 نوفمبر 2019، أشارت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح إلى أن "رئيسي كان متورطا في حملة النظام العنيفة لقمع احتجاجات "التحرك الأخضر" الإيراني التي تلت الانتخابات الفوضوية وغير المنظّمة في عام 2009". ولا يختلف رئيسي عن غيره. فتم تعيين سلفه صادق آملي لاريجاني في يناير 2018 "تبعا للأمر التنفيذي 13553 بسبب إشرافه الإداري على عمليات إعدام الأفراد الذين كانوا أحداثا عندما ارتكبوا جرائمهم، وعلى تعذيب السجناء في إيران، ومعاملتهم أو معاقبتهم بطرق أخرى وحشية أو غير إنسانية أو مهينة، تشمل عمليات البتر".
عدا عن الاضطهاد الذي تمارسه الحكومة، يواجه الشباب الأحوازيون ظروفا صعبة إلى حد كبير
كذلك، تطال المواقف الرسمية المملوءة رياء والممارسات القمعية القاسية في إيران العلاقة الصعبة لهذا البلد مع الأعراق. فتواصل الدولة الإيرانية قمعها الممنهج للشعب الأحوازي الإثني فيما تنتقد العنصرية النظامية في الولايات المتحدة.
قتلت قوات النظام عددا من الرجال الأحوازيين الشباب في الأشهر القليلة الماضية من دون أن تثير هذه المسألة ضجة كبيرة. فأطلقت شرطة النظام النار على رأس أميد عيداني البالغ من العمر 15 عاما على سطح منزله الخاص في 7 يوليو حين كان يحاول تفادي المصادرة التعسفية لدرّاجته النارية ـ وهي غرضٌ ثمينٌ يملكه ـ على يد شرطة النظام. ويبدو أن الشاب رضا طرفي نجح في تفادى عدة نقاط تفتيش في طريقه إلى المنزل، فطاردته لاحقا قوات النظام وأطلقت عليه النار في رئته وكليته وقلبه، وتركته ليموت في الشارع. وادعت أنها اشتبهت بأنه كان يحمل مشروبات كحولية، رغم عدم العثور على أي بضائع مهربة في أي مكان قرب الشاب. وأُطلقت النار من مسافة قريبة على ماجد البوغبيش البالغ من العمر 25 عاما من مدينة معشور، فقُتل فيما كان يقود سيارته على الطريق بين معشور وخور موسى.
إلى ذلك، يتجاوز العنف الذي يُمارَس ضد الأحوازيين نطاق الشوارع. فدفع الخوف الشرعي من الموت بسبب وباء "كوفيد-19" السجناء الأحوازيين إلى محاولة الهروب من سجن سبيدار وسجن شيبان السيء السمعة في أواخر مارس. وردا على ذلك، قتل الحراس على الأقل 15 سجينا في سبيدار وعشرين من شيبان، مع إعادة سجن العشرات من الأشخاص الإضافيين وتعريضهم للتعذيب.
لا يزال التعذيب مستشريا في السجون الإيرانية، حيث أفادت جماعات حقوقية في الأحواز أنه عندما تم الإفراج عن السجين السياسي الأحوازي البالغ من العمر 28 عاما باسم بترانی بكفالة يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2020، وجد أنه قد تعرض لتعذيب شديد الحق أضرار دائمة في عموده الفقري تركته يعاني من آلام شديدة وغير قادر على المشي. شارك بترانی وإخوانه علي ورياض وحسن في احتجاجات أبريل 2005 عندما انتفض الأحواز للاعتراض السلمي على محاولات النظام توطين الفرس الإثنيين في مستوطنات حصرية من أجل إحداث تغيير ديموغرافي في الأحواز، فضلا على اعتراضهم على العنصرية الممنهجة التي يمارسها النظام. ونتيجة لذلك، قُتل علي بترانی أثناء الانتفاضة، وعندما انتشلت جثته كانت الجثة خالية من العديد من الأعضاء الداخلية وكذلك إحدى العينين.
تم سجن رياض بترانی منذ عامين وأفرج عنه بعد عدة أشهر ليختفي بعد عدة أيام من إطلاق سراحه، حيث تم العثور على جثته في نهر كارون. وفى هذا الإطار، قام ناشط حقوقي أحوازي محلي، تم حجب اسمه من أجل حمايته من الانتقام، بزيارة والدة باسم بترانی، حيث أعربت عن حزنها الشديد لمقتل اثنين من أبنائها، وتشويه الابن الثالث، وابنها الآخر المعتقل حسن بترانی، الذي تعرض لتعذيب مماثل لما تعرض له أخيه باسم مما أدى إلى إصابته بالشلل بعد اعتقالهما في 11 مارس 2019، بتهم باطلة تتعلق بـ "الدعاية ضد النظام" و "والانتساب إلى جماعة معارضة".
هكذا، بالنسبة إلى الأحوازيين بشكل خاص، تفوح رائحة الرياء من الرسائل الإيرانية حول الأعراق والمساواة. وتجدر الإشارة إلى أن النظام الإيراني لا يعترف حتى بوجود فئة كبيرة من السكان الأحوازيين السود، الذين استقدمهم أصلا إلى منطقة الأحواز الغنية بالنفط كل من شركة "بريتيش بتروليوم" والبرتغاليين والجهات الفاعلة الأخرى ليعملوا بالسخرة بشكل أساسي.
فمؤخرا، أهانت شركة النفط الإيرانية في "جزيرة الشيخ شعيب" المجتمع الأحوازي الأسود عبر تسميته مجتمع "المهاجرين من أفريقيا ذوي الوجوه السوداء"، رافضة الاعتراف بالأحوازيين السود أو الأحوازيين على نطاق واسع. وتمتد هذه العنصرية التي ترعاها الدولة إلى كافة أوجه حياة الأحوازيين. فيتم إقصاؤهم علانية من التوظيف في معامل تكرير النفط في موطنهم الخاص. وفي حال تم توظيفهم، يواجهون تخفيضات تعسفية في الأجور، تدفع بعدد مقلق من العمّال إلى الانتحار.
منذ وصول آية الله الخميني إلى السلطة، جعل النظام القانوني الإيراني التطبيق الانتقائي للمبادئ القانونية الأساسية أمرا طبيعيا على المستويات كافة تقريبا
عدا عن الاضطهاد الذي تمارسه الحكومة، يواجه الشباب الأحوازيون ظروفا صعبة إلى حد كبير. فيُضطر معظم الفتيان الأحوازيين الصغار إلى البدء بالعمل عند بلوغ سنّ العاشرة أو الثانية عشرة، ما يمنعهم من متابعة أي شكل من أشكال التعليم العالي. وفي هذا الوقت، يتعيّن على أخواتهم الشابات أن يتزوّجن في عمر صغير جدا فيدخلن غالبا في علاقات مؤذية لا يمكن الخروج منها بسبب عدم تمكن عائلاتهن من دعمهن. ولا يكتفي النظام برفض المساعدة فحسب، بل ينشط في مضايقة منظمات حقوق الإنسان المشكلة محليا. وتبقى القصص المروّعة لهؤلاء الفتيات الصغيرات، اللواتي ألحق بعضهن الأذى بنفسه، قصصا مستورة وغير معلنة.
بالفعل، تشكل القضايا العصرية الخاصة بالأحوازيين قصة تدعو لليأس، لكن يبقى بصيصٌ من الأمل. فيبدو أن الصين ـ التي تشكل حاليا القوة التجارية الأكبر والقوة العظمى الحامية الأساسية في إيران ـ استغلت العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة للحصول على امتيازات دائمة في إيران عبر الاتفاق الذي تبلغ مدته 25 عاما، وأعارت هذه الخطوة المزيد من الانتباه إلى القضية الأحوازية.
ما من حل بسيط. فلا تريد الشعوب غير الفارسية في إيران معاملة خاصة، بل معاملة مساوية. ويتطلب ذلك المزيد من الوعي بشأن معاناة الأقليات الإثنية والتركيز الخاص على السجناء الأحوازيين والأكراد والأذريين الأتراك والبلوش الذين يُعتقَلون ويُعاقَبون بقساوة أكبر بكثير من الناشطين الفرس إثنيا، حتى ضمن نظام عنيف أصلا. ولا بد أن يؤدي ذلك الوعي إلى الالتزام بالحث على العملية التي تأخرت جدا لفرض سيادة القانون لصالح الشعوب الخاضعة له.
ومع ذلك، تم السماح بعجرفة النظام لحمايته بشكل مناف للمنطق من العواقب الكاملة لجرائمه النظامية. وثارت بعض الجموع حول العالَم لشجب بعض المظالم، فيما تناور القوى العظمى الباقية مجددا للتموضع حول العالَم. وقد يؤدي هذا التلاقي الفريد ـ إذا استمر ـ إلى فتح الباب أمام إرساء حقوق الإنسان الفعلية لكافة الشعوب في إيران، لكن لا بد أولا من تجريد النظام من عباءته التي يستتر خلفها للإفلات من العقاب.
