This picture made available by the Iranian armed forces office on June 18, 2020 shows a missile being fired out to sea from a…
مناورات عسكرية إيرانية

في الصباح الباكر من يوم 27 يوليو، بدأت "القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية" الإيرانية ("القوة البحرية لـ «الحرس الثوري»" الإيراني) و"القوة الجوية الفضائية" مناورات "الرسول الأعظم" البحرية الرابعة عشرة ("الرسول الأعظم 14") عبر إطلاق صواريخ باليستية ومضادة للسفن وشنّ هجوم احتشادي ضد مجسّم (نموذج بالحجم الطبيعي) لحاملة طائرات أميركية. 

وتم إطلاق بعض الصواريخ الباليستية على مياه الخليج العربي في الاتجاه العام لقاعدتين جويتين إقليميتين يتمتع فيهما التحالف الدولي بوجود عسكري كبير، وهما: قاعدة "العُديد" في قطر وقاعدة "الظفرة" في الإمارات العربية المتحدة. وأدى اكتشاف الولايات المتحدة المبكر لعمليات إطلاق الصواريخ المتعمدة على ما يبدو إلى إرسال عناصر التحالف إلى الملاجئ، مما يسلّط الضوء على العقلية الاستراتيجية المتحدّية والمحفوفة بالمخاطر التي اتصفت بها هذه التمارين بالإجمال.

حسابات الموقع والتوقيت

وفقا لبيان صادر عن "بحرية «الحرس الثوري»" الإيراني وأدلة أخرى، اقتصرت المناورات على الخليج العربي والجانب الغربي من مضيق هرمز، متجنّبة المنطقة الخاضعة لـ "القوة البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية". وربما تم ذلك جزئيا لتقليل احتمالات وقوع حوادث بالنيران الصديقة بعد المناورات القاتلة التي أجرتها "القوة البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية" في 10 مايو عندما ضربت فرقاطة سفينة الدعم "كونارك" بصاروخٍ عن طريق الخطأ في خليج عمان.

لكن بخلاف التقارير الأولية، لا يوجد ما يشير إلى أن "القوة البحرية لـ «الحرس الثوري»" الإيراني أعطت البحّارة إشعارا مسبقا بإقامة تدريبات وشيكة بالذخيرة الحية داخل ممرات الشحن المزدحمة للغاية في مضيق هرمز والخليج العربي. وفي الواقع، إن إعطاء القليل من التحذير أو عدم توجيهه هو الممارسة المعتادة لإيران في مثل هذه المناورات، وذلك على ما يبدو من أجل تعزيز تأثيرها المثير وتقويض سلامة الملاحة في المنطقة بصورة متعمّدة. 

وفي الفترة التي سبقت مناورات "الرسول الأعظم 14"، لم يُنشر أي إشعار على الموقع الإلكتروني لـ "منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية"، أو قاعدة بيانات "وكالة المخابرات الجغرافية الوطنية الأميركية"، أو "قطاع الملاحة البحرية التاسع" (NAVAREA IX)، أو شركة "خدمات المساعدات الملاحية في الشرق الأوسط"، أو قائمة "الإدارة البحرية الأميركية"، والتي عادة ما تحذر البحارة من زيادة النشاط البحري الإيراني في المنطقة.

وتشير تقارير مختلفة إلى أنه لم يتم تعجيل مناورات "الرسول الأعظم 14" أو تأخيرها، ولكن بكافة الأحوال تم إطلاقها بدون دعاية مسبقة تقريبا. ولا يقتصر توقيت هذه المناورات السنوية على أي موسم أو جدول زمني معين ـ بل يعتمد أكثر على العوامل السياسية والاستراتيجية. 

وفي هذه الحالة، كان قرار تنفيذ مناورات "الرسول الأعظم 14" وإعادة استخدام مجسّم قديم لحاملة طائرات أميركية والذي تم إصلاحه مرتبطا على الأرجح بوصول المجموعة الضاربة من حاملات الطائرات الأميركية "نيميتز" إلى شمال بحر العرب في 24 يوليو. (وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن "نيميتز" أبحرت لتعفي حاملة الطائرات "يو إس إس دوايت د. آيزنهاور" من مهمتها التي دامت سبعة أشهر؛ وقد عادت الآن هذه الحاملة والسفن المرافقة لها إلى الولايات المتحدة).

وفي 26 يوليو، لاحظت وسائل الإعلام العالمية أن القوات الإيرانية تقوم بنقل مجسّم حاملة الطائرات ـ وهو عبارة عن نموذج مصغر بقياس 60 في المئة من سفينة "نيمتز" نفسها ـ من مرساه قَبالة بندر عباس إلى المياه الواقعة جنوب شرق جزيرة هرمز. وتكهّنت التقارير بأن هذه الخطوة قد نُفّذت تحسبا لتمارين جديدة بالذخيرة الحية. وكان قد "طُلب صنع" هذا المجسّم في الأصل في عام 2015 من أجل استهدافه بالصواريخ والطوربيدات خلال مناورات "الرسول الأعظم 9" في فبراير من ذاك العام، ولكنه أبى أن يغرق فتمّ إصلاحه بعد أربعة أعوام، وفي الوقت المناسب تماما لاحتدام التوترات طوال عام 2020.

إغراق "نيمتز" (المزيّفة)

بمجرد سحب المجسّم لمسافة خمسين كيلومترا وصولا إلى موقعه شمال ممرات الشحن في مضيق هرمز، تمّ استهدافه بصاروخ "نصر" مضاد للسفن أُطلق من طائرة هليكوبتر معدّلة من طراز "بيل جيت رينجر". وتشير صعوبات تحميل صاروخ "نصر" وعدم ملاءمة طوافة "جيت رينجر" ـ المصنّفة ضمن فئة الطوافات المدنية ـ للعمليات المتطلبة المضادة للسفن، إلى أن هذا الجزء من المناورات كان إما برنامج اختبار أو مجرد استعراض. وعلى ي حال، أظهر مقطع فيديو مصوّر من طائرة بدون طيار أن الصاروخ تسبّب بأضرار محدودة عندما اصطدم ببدن السفينة فوق خط الماء بالقرب من البنية الفوقية (انظر الصورة الثابتة أدناه).

المصدر: "إذاعة جمهورية إيران الإسلامية" نقلا عن معهد واشنطن

بالإضافة إلى ذلك، أسقطت طائرات بدون طيار ثلاث قنابل صغيرة القطر على سطح حاملة الطائرات مما أدى إلى تدمير ثلاثة مجسّمات لطائرات مقاتلة من طراز "أف/إي-18"، بينما أطلقت زوارق صاروخية ومدفعيات ساحلية بضعة صواريخ إضافية مضادة للسفن قصيرة المدى على السفينة (حاملة الطائرات). 

وفي النهاية، بدا المجسّم وكأنه يستسلم متأثرا بإصاباته؛ وجرى تصويره لاحقا وهو يميل إلى جانبه الأيسر ويغرق في مكان ليس بعيدا عن مدخل ميناء بندر عباس، ربما بعد محاولة ليلية فاشلة لجرّه إلى الشاطئ. وبالنظر إلى عمق قاع البحر البالغ خمسة وعشرين مترا في ذلك المكان، وعُرْضْ عارضة مجسّم السفينة أربعين مترا، بقي جزءٌ من الحطام ناتئا من الماء وسيشكل خطرا ملاحيا خطيرا ما لم يتم اتخاذ مزيد من الإجراءات لإنقاذه.

الأهمية العسكرية

تم تصميم مناورات "الرسول الأعظم 14" بالدرجة الكبرى لإبهار أعداء إيران في المنطقة والخارج، وفي الوقت نفسه لتعزيز قوة الردع الإيرانية التي يَعتبر النظام على ما يبدو أنها لا تزال متضررة بعد مقتل قائد "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني قاسم سليماني في يناير والموجة الأخيرة من الانفجارات الغامضة في مصنع تجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز ومواقع إيرانية أخرى. وعلى الرغم من هدفها الرمزي/الاستراتيجي، إلا أن المناورات حملت أيضا بعض التأثيرات التكتيكية الجديرة بالملاحظة.

أولا، ادعت إيران أنه تم استخدام نسخة مضادة للإشعاعات من الصاروخ أرض ـ أرض "فاتح"، وتدعى "هرمز"، من أجل استهداف نسخة مطابقة من الرادار "تي بي واي -2" الأميركي المتطور البعيد المدى والمرتبط بمنظومة "الدفاع في المناطق ذات الارتفاعات العالية الطرفية" ("ثاد") والمنتشرة حاليا في عدة مواقع في منطقة الخليج. وقد بثّت وسائل الإعلام التابعة للدولة مقطع فيديو لإثبات ذلك، على الرغم من أن اللقطات لا تُظهر بشكل قاطع ما إذا كان الهدف هو جهاز محاكاة صالح لمنظومة "ثاد" تم تدميره بواسطة صاروخ حقيقي موجّه مضاد للإشعاعات (انظر الصورة الثابتة أدناه).

المصدر: "إذاعة جمهورية إيران الإسلامية" نقلا عن معهد واشنطن

ثانيا، أظهرت مقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية التي نُشرت خلال مناورات "الرسول الأعظم 14" ما بدا وكأنه إطلاق مائل لنوع جديد من صواريخ أرض ـ أرض تم إطلاقه من عبوات أسطوانية محكمة الغلق وموضوعة داخل خنادق ضحلة (قليلة العمق) ومغطاة بطبقة خفيفة من التراب و / أو مواد التمويه (انظر الصورة). ولا يوجد مؤشر مرئي على وجود شبكة دعم بالقرب من مواقع الإطلاق.

المصدر: "وكالة أنباء فارس" نقلا عن معهد واشنطن


ثالثا، ادعى "الحرس الثوري" الإيراني أن المنطقة التي أجريت فيها مناورات "الرسول الأعظم" تمت "مراقبتها" للمرة الأولى بواسطة قمره الصناعي الجديد الخاص بالتصوير "نور"، والذي أُطلق في 22 أبريل. وقد تم سابقا تزوير قدرات "نور" ـ إذ تبين لاحقا أن الصور التي يُفترض أنه التقطها لـ "قاعدة العديد الجوية" قد تم نسخها من "غوغل إرث" (Google Earth). ومع ذلك، تشير بعض الصور التي نُشرت خلال مناورات "الرسول الأعظم 14" إلى أن "نور" يتمتع بقدرات متعددة الأطياف مع استخدام محدود للمعلومات الاستخباراتية.

المصدر: "وكالة أنباء فارس" نقلا عن معهد واشنطن

رابعا، قامت طائرات من نوع "سوخوي سو-22" تابعة لـ "القوة الجوية الفضائية لـ «الحرس الثوري» الإيراني" (التي تتمركز عادة في شيراز على بعد 500 كيلومتر شمال غرب مضيق هرمز) بإلقاء قنبلة انزلاقية من طراز "ياسين" تزن 660 كيلوغراما على أهداف بحرية خلال المناورات. ويُزعم أن نطاق قنبلة "ياسين" الموجّهة بـ "نظام تحديد المواقع العالمي" يتراوح بين 50 و100 كيلومتر، وهي بذلك تستطيع أن تمنح الطائرات الإيرانية نطاقا معينا بعيدا عن خط المواجهة عند محاولة مهاجمة السفن التابعة لقوات التحالف خارج نطاق دائرة الطائرة القتالية والبالغة 1100 كيلومتر. وعلى النحو نفسه، استخدم "الحرس الثوري" الإيراني في مايو طائرات "سو-22" لاختبار نسخة تُطلق من الجو من صاروخ "فجر-4" الباليستي الموجّه. وإذا تم توجيه هذا السلاح بنجاح إلى هدفه، فقد يشكل تهديدا لأصول التحالف العالية القيمة في بحر العرب.

المصدر: "إذاعة جمهورية إيران الإسلامية" نقلا عن معهد واشنطن

الخاتمة

على الرغم من المخاطر الجدية التي تهدد السلامة والأمن عند إجراء تدريبات صاروخية غير معلنة بالذخيرة الحية في منتصف طريق شحن دولي رئيسي، إلا أن مناورات "الرسول الأعظم 14" كشفت أيضا تحدي إيران المستمر في مواجهة الضغوط، فضلا عن قدرتها المتعاظمة على تعطيل حرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل خطير. ويجادل القادة العسكريون الإيرانيون بأن الجمهورية الإسلامية تنتهج ببساطة استراتيجية دفاعية باستخدام تكتيكات عملياتية هجومية. ومع ذلك، لا يقدّم هذا الادعاء أي عزاء بالنظر إلى استراتيجية النظام العظمى الثابتة والقائمة على المحصلة الصفرية (دون رابح أو خاسر)، وهي طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وإضعاف شركائها في الخليج.

المصدر: منتدى فكرة

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.