A handout photo made available by the Iranian Army office on December 27, 2019 shows a view of the Russian Navy Neustrashimyy…
سفينة حربية روسية تشارك في مناورات عسكرية مشتركة بين البحرية الإيرانية ونظيرتيها الروسية والصينية

في 28 مايو، أفادت بعض التقارير أن "القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية" الإيرانية ("بحرية «الحرس الثوري»" الإيراني) تسلّمت أكثر من 100 مركبة للدوريات والهجمات الصاروخية خلال مراسم علنية حضرها وزير الدفاع أمير حاتمي، حيث كانت "منظمة الصناعات البحرية" التابعة لوزارته مسؤولة عن تصميم وإنتاج معظم هذه المركبات (الزوارق). 

وكان الهدف من هذه المراسم توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة في أعقاب سلسلة من المواجهات المتوترة، بالإضافة إلى الإشعار الذي وجهته البحرية الأميركية في 20 مايو بضرورة محافظة كافة السفن المحلية على مسافة 100 متر على الأقل من سفنها.

وبالفعل، اعتبرت طهران هذا الإشعار كإهانة، حيث هدّد الجنرال حاتمي بتضييق "الحزام الأمني" الإيراني حول الخليج العربي ومضيق هرمز كردّ مباشر على "الجهود المتزايدة التي تبذلها القوى العظمى من أجل تعزيز وجودها [العسكري] المباشر في المنطقة". كما أدان "التحالف العسكري المناهض لإيران، الذي تمّ تشكيله لتهديد الأمن في مضيق هرمز والتصدي لسيطرة إيران على هذا الممر المائي الدولي". وعلى الرغم من تبجحه وادعاءاته بالسيطرة [على الأحداث في المنطقة]، إلا أن ذلك يمثل إحدى المرات القليلة التي استخدم فيها مسؤول إيراني مصطلح "الممر المائي الدولي" (على الرغم من معناه الأوسع نطاقا من ذلك الذي يُطلق على "المضيق الدولي"، الذي يندرج تحت قواعد دولية أكثر صرامة).

زوارق صاروخية تابعة لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني تم الكشف عنها حديثا (صورة لـ "وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية" الرسمية ["إيرنا"]).

وخلال المراسم، حاول القادة العسكريون تقديم صورة واضحة نوعا ما عن أولويات إيران الاستراتيجية للحقبة الجديدة. فقد وصف قائد "الحرس الثوري" الإيراني حسين سلامي السفن البحرية المضافة بأنها "ولادة قوة جديدة" على سواحل الخليج العربي، وصاغ مجددا استراتيجية "الحرس الثوري" في إطار التكتيكات الدفاعية المرافقة لتلك الهجومية، بقوله: "تتمثل طبيعة عملياتنا في الدفع قدما وملاحقة العدو باسم الدفاع... نعتزم إبراز قوتنا الدفاعية لمسافات بعيدة وملاحقة العدو في البحر والقضاء عليه من مجالات بعيدة جدا".

ومقابل هذا المعيار، وضع قائد "القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية" علي رضا تنكسيري تصورا لانتشار أوسع نطاقا لمؤسسته عندما أعلن عن التصنيع المستقبلي لنسخة أكبر بنسبة 20 في المئة من سفينة "شهيد ناظري" التي يبلغ طولها 55 مترا، وهي سفينة دعم عابرة للمحيطات ذات نسبة باعية مرتفعة مزدوجة الهيكل. واستنادا إلى مفهوم اقترحته أساسا شركة أميركية وتمّ تنفيذه في سبتمبر 2016، أُطلق على هذا التصميم الإيراني المزدوج الهيكل غير التقليدي وغير المزوّد بالكثير من الأسلحة تسمية "القفزة التكنولوجية المهمة"، ويتمتع وفقا للادعاءات بقدرة دعم بعيدة المدى تبلغ 5,400 ميل بحري (10,000 كيلومتر). 

غير أن سفينة "شهيد ناظري" تبقى في الواقع معظم الوقت راسية على الرصيف قرب مقرّ "القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية" في بندر عباس، وخلص تحليل بنيوي إيراني مستقل إلى أن هيكلها الرفيع للغاية المصنوع من الألمنيوم قد يكون عرضة للالتواء في البحار الهائجة. ومع ذلك، يبدو أن السفينة كُلّفت بدور القيادة لـ "بحرية «الحرس الثوري»" الإيراني.

وقد تم أساسا تسمية النسخة الأكبر المخطط لها بـ "شهيد حاج قاسم سليماني" تخليدا لذكرى قائد "فيلق القدس" الذي قُتل على يد القوات الأميركية في العراق في وقت سابق من هذا العام. ووفقا لبعض التقارير سيتمّ تسليحها بصواريخ مضادة للسفن ومضادة للطائرات، رغم أن قدرتها البحرية قد تكون أفضل من نظيرتها الأصغر حجما أو قد لا تكون كذلك.

إن هدف الاستعراض المعلن لقوة "الحرس الثوري" الإيراني ـ أي الوصول إلى خليج المكسيك ـ هو كونه طموحا على أقل تقدير. وإذا تمّ قياس الرحلة عبر قناة السويس، فقد تمتد مسافة 9,800 ميل بحري (18,000 كيلومتر) من بندر عباس، الأمر الذي يتطلب سفينة أكبر بكثير. وقد تكون مراقبة رمزية واستعراض للقوة حول الجزيرة المرجانية "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، التي تحتفظ فيها الولايات المتحدة بقواعد جوية وبحرية لوجستية، هدفا أكثر واقعية بالنسبة للسفن الإيرانية ذات النسبة الباعية المرتفعة المزدوجة الهيكل والأكبر حجما. 

وقد يطرح أي نشر من هذا القبيل [بعض] المشاكل نظرا للدور الهام الذي تضطلع به جزيرة "دييغو غارسيا" في سياسة استخدام القوة الديناميكية التي يعتمدها البنتاغون منذ عامين، وهي جزء من استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية الجديدة التي تنطوي على عمليات نشر غير معلنة لحاملات طائرات وقاذفات طويلة المدى.

توجّه محتمل إلى البحر

أصبحت إيران حاليا تحتل المقعد الخلفي في العراق وسوريا في أعقاب مقتل سليماني، مما يدفع بعض المراقبين إلى الإيحاء بأنها تتنحى جانبا بصورة مؤقتة أو تقلّص على الأقل مشروع الممر البري إلى البحر المتوسط. وإذا صحّ ذلك، فقد يحثّ هذا القرار إلى توجّه إيران نحو خطوط الاتصالات البحرية والقوة البحرية. 

ومع ذلك، ففي الوقت الذي يُعتبر فيه الجيش النظامي أو "أرتش" الجهة الفاعلة الرئيسية لإيران في مياه البحر ـ عبر "القوة البحرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية" ـ فقد تواجه طهران مجددا مشكلة الثقة التي لطالما واجهتها مع القوات المسلحة الوطنية. 

فقوات "أرتش" تحصل باستمرار على حصة أصغر من الميزانية الدفاعية من تلك التي يحصل عليها "الحرس الثوري"، وهي أقل تجهيزا منه في العديد من المناطق. والأمر الأكثر أهمية من ذلك، هو افتقار "أرتش" إلى الصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى الموجهة بدقة رغم ميزاتها التكتيكية الواضحة، مما يعكس على الأرجح مخاوف النظام من احتمال أن يُقْدِم أعضاء هذه القوة على إطلاق مثل هذه الصواريخ على مجمع المرشد الأعلى الذي يتمتع بحماية كبيرة في قلب طهران في إطار محاولة انقلاب.

وبالتالي، إذا قررت طهران فعلا إبراز قوتها البحرية [بتقدمها] غربا على نحو أكبر، فقد لا تثق بـ "القوة البحرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية" في تنفيذ هذه المهمة. على سبيل المثال، من خلال إرسالها بعثة للعلاقات العامة إلى خليج المكسيك، فقد تكلّف "الحرس الثوري" بالقيام بمهمة نشر سفينة أكبر في المستقبل ذات نسبة باعية مرتفعة مزدوجة الهيكل بدلا من جعل "بحرية «الحرس الثوري»" الإيراني ترسل سفينة "خرج" الأكثر ملاءمة على ما يبدو. 

ورغم أنه جرت إعادة تأهيل سفينة "خرج" مؤخرا، وهي جاهزة للقيام بمهامها، وتُعتبر السفينة الأكبر في أسطول "القوة البحرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، إلا أن النظام يعتقد على ما يبدو أنها تواجه خطر نقض الولاء [الانحراف عن مسارها] من قبل أعضاء "أرتش" المستائين.

وعلى أي حال، كانت معظم السفن التي تمّ الكشف عنها في مراسم 28 مايو من فئة الزوارق السريعة الخفيفة للدوريات أو المضايقات التي تعمل بمحركات زوارق خارجية عالية القوة من صنع "ياماها" اليابانية تعمل بمعدل يتراوح بين 200 و250 قدرة حصانية ومزودة بالعديد من قاذفات الصواريخ والمدافع الرشاشة الثقيلة في أحسن الأحوال. 

وكانت بعض الزوارق الأكثر ثقلا بمثابة نسخا مطورة من تصاميم أحادية ومزدوجة الهيكل الأقدم عهدا، كما كانت مزودة بصواريخ ـ عادة من طراز "كوثر" أو "ظفر" أو "نصر" أو "نصير"، المناسبة للزوارق الصغيرة، والتي يتزايد نطاقها الحالي الذي يتراوح بين 25 و35 كيلومترا بشكل مطرد. 

كما أنها مجهزة برادار بحري ثلاثي الأبعاد عالي التحديد "إكس باند" من شركة "فورونو" بقيمة 7,500 دولار وبمدى أقصى يبلغ 96 ميلا بحريا (178 كيلومترا). وعادة، لا يتمّ استخدام هذه القوارب العالية القيمة في تكتيكات المضايقة غير الآمنة ضد البحرية الأميركية، ليس فقط لأنها أقل قابلية للاستهلاك، بل لتجنب أيضا أي سوء فهم أكثر خطورة والتهديد بمواجهة وشيكة ناجمة عن استفزاز القوات الأميركية بزورق صواريخ.

أخيرا تمّ الكشف عن غواصة "الحرس الثوري"

كانت إحدى السفن المعروضة، وربما عن غير قصد، في المراسم هو ما بدا وكأنها نموذج أولي لغواصة صغيرة للغاية يمكن التحكم بها بعصا قيادة، وكانت غير معروفة سابقا. وإذ يديرها طاقم اختبار، يبدو أنها مصممة لعمليات آلية كـ "طوربيد" منخفض السرعة أو سفينة لزرع الألغام أو خارق للحصار وذلك لأغراض إعادة الإمداد. 

ويشبه النموذج الأولي إلى حدّ كبير التصاميم المستخدمة لتهريب المخدرات في كولومبيا، كما ذُكر في المرصد السياسي لمعهد واشنطن من عام 2017 الذي أشار إلى كيفية سعي "الحرس الثوري" إلى التهرب من العقوبات الأميركية باستخدامه مثل هذه الغواصات لمدّ وكلائه العاملين في المنطقة بالإمدادات بشكل سري، مقلدا بذلك ما تستخدمه الكارتيلات الكولومبية من معدات وتكتيكات منذ فترة طويلة.

صورة للنموذج الأولي لغواصة صغيرة وزعتها نشرتها وكالة إيرنا

واستعرضت إيران أيضا مركبتي تسليم عائمتين من فئة "السابحات" كان قد تم إعادة تجديدهما مؤخرا. وعادة ما تُستخدم هذه السفن لنقل غواصين للعمليات الخاصة إلى سفن مستهدفة لا ريب فيها من أجل زرع ألغام ممغنطة، تشبه إلى حدّ كبير تلك التي استُخدمت خلال الصيف الماضي في خليج عُمان ومداخل مضيق هرمز.

تطوُّر مركبة تسليم عائمة من فئة "السابحات" من كونها مأهولة (أعلاه، 1999) إلى غير مأهولة (أدناه، 2019). صور زوّدها المؤلف.
منظر آخر لـ "السابحات" (صورة من "وكالة الأنباء الإيرانية").

الخاتمة

لا تزال إيران تفتقر إلى بحرية موثوقة في المياه الزرقاء، وهناك طريق طويل أمام "بحرية «الحرس الثوري»" الإيراني لكي تتمكن من استبدال أسطولها بسفن حديثة. كما تتعرض السفن البحرية الإيرانية لضغوط شديدة لإيجاد مرافئ تسمح لها بالرسو فيها. وبالتالي، فإن أي مهمة "متعثرة" قد تقوم بها "بحرية «الحرس الثوري»" أو "الحرس الثوري" الإيراني إلى البحر المتوسط أو البحر الكاريبي لن تمنحها بالضرورة أي نوع من الانتشار العالمي البحري الفعال.

ومع ذلك، لم تعمد طهران قط إلى التخفيف من سياستها لتسليح "القوات البحرية لـ «فيلق الحرس الثوري الإسلامي»" وتمكينها في الخليج العربي، وذلك لتأكيد هيمنتها في المنطقة وتحدي الوجود البحري الغربي هناك. 

وتُظهر المؤشرات الأخيرة أنها ستتّبع سياسة حتى أكثر وضوحا للسيطرة على الخليج ومضيق هرمز. وبالتالي، فإن أي تقليص في الالتزام البحري الأميركي في المنطقة من شأنه أن يرسل إشارة خاطئة لإيران ـ مفادها أنها تتمتع بِحُرية أكبر للتقليل من أهمية القوانين البحرية الدولية ومواصلة تطبيق سياسات الهيمنة التي تنتهجها. وستُظهِر الأشهر المقبلة ما إذا كانت مثل هذه العروض والتصريحات العلنية هي مقدمة لجولة جديدة من الأنشطة المزعزعة للاستقرار أو مجرد تدابير رمزية بدلا من المصداقية والحزم الفعلي في الخليج.

المصدر: منتدى فكرة

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.