In this photo released Tuesday, July 28, 2020, by Sepahnews, missiles are fired in a Revolutionary Guard military exercise…
مناورات عسكرية إيرانية

في الثامن من يوليو، وقّع وزير الدفاع السوري علي عبدالله أيوب ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري اتفاقا في دمشق لتوسيع التعاون العسكري الثنائي بينهما بشكل كبير، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي. وإذ دعت حاجة مزدوجة إلى مواجهة التهديدات الجوية ضد إيران وحلفائها، وفي الوقت نفسه تقويض الوجود العسكري للتحالف في الشرق الأوسط، طوّرت طهران رؤية استراتيجية تتطلب حماية فعالة، وإغلاق المجال الجوي (في الوقت المناسب). وتحقيقا لهذه الغاية، اقترحَتْ بشكل متكرر تعزيز أنظمة الدفاع الجوي العراقية واللبنانية والآن السورية ودمجها في شبكتها الخاصة.

في عام 2019 على سبيل المثال، عرض باقري ربط شبكة الدفاع الجوي العراقية وتشكيل حصن مشترك في وجه "الأعداء المشتركين". ومؤخرا، خلال اجتماع عُقد في 16 يوليو مع الرئيس اللبناني ميشال عون، أعرب السفير الإيراني محمد جلال فيروزنيا عن اهتمامه بتزويد البلاد بأسلحة دفاعية، من بينها صواريخ مضادة للطائرات. وجاء الاجتماع بعد أيام فقط من وصف باقري الاتفاق الدفاع الجوي الجديد مع سوريا بأنه خطوة أخرى نحو إخراج الولايات المتحدة من المنطقة. كما قام بالعديد من الزيارات الأخرى إلى سوريا منذ تعيينه في أعلى منصب عسكري إيراني في عام 2016، ساعيا إلى توثيق التعاون العسكري الطويل الأمد مع نظام بشار الأسد.

وبالفعل، كان الوجود العسكري الإيراني في سوريا ملحوظا منذ اندلاع الحرب الأهلية في البلاد عام 2011؛ ومعظم عناصره متواجدين في سوريا بصفة استشارية وقيادية تحكمية، رغم أن بعضهم شارك في القتال إلى جانب الجماعات الميليشياوية الوكيلة. كما تستخدم إيران سوريا كمركز نقل لتزويد "حزب الله" بالإمدادات عبر الحدود مع لبنان. ومن أجل دعم هذا الجهد وإجراء تناوب في القوى البشرية، تستخدم الجمهورية الإسلامية "جسرا جويا" ـ حيث تقوم طائرات عسكرية ومدنية إيرانية بنقل الأفراد والعتاد إلى مطار دمشق الدولي، والقامشلي، واللاذقية، وقاعدة "التياس" الجوية (T-4) بشكل منتظم، بينما تعود الرحلات الجوية السورية من إيران محمّلة بالأسلحة والذخيرة لقوات النظام والميليشيات.

إسرائيل حجر عثرة أمام خطط إيران

إن النطاق المتنامي لبعض عمليات إيران ووكلائها في سوريا يجعلها عرضة للضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية، وأصبحت هذه الحوادث تتكرر على نحو منتظم ولا تعترضها على ما يبدو الدفاعات الجوية العشوائية السورية. فالأنظمة الدفاعية التي نشرتها روسيا في سوريا أثناء تدخلها تتمتع بقدرات أكبر، ولكنها موجودة لحماية القواعد الروسية وليس لاستهداف الطائرات الإسرائيلية.

وحافظت إيران على صمتها إلى حد كبير بشأن هذه الخسائر البشرية والمادية، مما يشير إلى استيائها وعدم قدرتها على منعها على حدّ سواء. غير أنه في 16 يوليو، حذّر المتحدث باسم هيئة الأركان أبو الفضل شكارجي إسرائيل من شنّ أي هجمات إضافية، ثم كرر التزام طهران بتطوير الدفاعات الجوية السورية وتعزيز "محور المقاومة" ضد الهجمات الإسرائيلية. 

وبالفعل، يبدو أن لدى القادة العسكريين الإيرانيين ثقة كبيرة في تعددية [استخدام] أنظمتها الدفاعية الجوية المطورة محليا وفعاليتها، خاصة بعد أن نجحت إحدى هذه الوحدات في إسقاط طائرة استطلاع أميركية بدون طيار من نوع "آركيو-4" فوق مضيق هرمز في يونيو 2019.

ومع ذلك، كما يتبيّن من الوضع الراهن، تمكنت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي من شنّ عدد كبير من الهجمات الناجحة، ونفذتها أحيانا من داخل سوريا، وأحيانا أخرى من خلال إطلاق أسلحة مواجهة أثناء تحليقها فوق البحر الأبيض المتوسط، أو لبنان، أو مرتفعات الجولان. ولدى الجيش الإسرائيلي خيارات هجومية قوية أيضا، تشمل صواريخ باليستية تكتيكية قادرة على الوصول إلى عمق سوريا.

محور الدفاع الجوي؟

استغل باقري زيارته الأخيرة إلى دمشق لكي يشجب بقوة الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، واعدا بأن إيران ستواصل مقاومة "الابتزاز الأميركي" في المنطقة مستخدمة اتفاق الدفاع الثنائي الذي أبرمته حديثا أداة لذلك. 

على سبيل المثال، يمكن استخدام الاتفاق لتغطية نطاق واسع من التعاون في مجال الدفاع الجوي، على غرار توفير أنظمة كاملة لسوريا، أو تطوير أنظمتها الحالية، أو دمج شبكتي الدفاع الجوي للبلدين معا (رغم أنه سيكون من الصعب تحقيق هذا الدمج دون تعاون العراق).

وبشكل أكثر تحديدا، بإمكان إيران تزويد سوريا بأنظمة صواريخ أرض ـ جو منخفصة وعالية الارتفاع وقادرة على اعتراض أهداف بعيدة تصل إلى 200 كيلومتر وعلى ارتفاع يصل إلى 30 كيلومتر (انظر الجدول). كما يمكنها اقتراح إرسال بعضا من قدراتها الخاصة بدمج البيانات/الإدارة وأنظمة الرصد السلبية التي كشفت عنها النقاب في السنوات الأخيرة.

انقر على الصورة لرؤية الجدول الكامل (المصدر: معهد واشنطن)

وتقتصر قوات الدفاع الجوي الحالية في سوريا في الغالب على الأنظمة الروسية القديمة مثل "أس-125" (SA-3)، "2 كاي 12" (SA-6)، "أس-75" (SA-2) و"أس-200" (SA-5)، إلى جانب بطاريات "أس إيه -11 بوك" و"أس إيه – 17 بوك" الأكثر تقدما المعززة بأنظمة دفاع عن نقطة محددة "بانتسير-إس1" (Pantsir-S1) (دفعت إيران ثمن هذه الأخيرة). 

وفي أواخر عام 2018، أنهت موسكو تسليم نظام "أس-300" (SA-20) إلى دمشق. وفي ذلك الوقت، كان المسؤولون الأميركيون قلقين من أن تؤدي عملية التسليم إلى زيادة جرأة إيران، لكن نظام "أس-300" لا يزال تحت السيطرة الروسية ولم يوضَع في الخدمة بعد، وفقا لبعض التقارير.

وتملك إيران عددا من أنظمة "أس-200" و"أس-75/إتش كيو-2" و"2 كاي 12" المستخدمة محليا وقامت بتطويرها على مرّ السنين، لذلك يمكنها أن تعرض تطوير البطاريات التي تملكها سوريا أيضا. بالإضافة إلى ذلك، يمكنها أن تزوّد الأسد بأنظمة مطوّرة في إيران على غرار "رعد" و"طبس" و"15 خرداد" و"تلاش" و"3 خرداد" (النوع الذي استُخدم لإسقاط الطائرة الأميركية بدون طيار). وقد تعتزم طهران أيضا مساعدة سوريا على إنشاء خطوط إنتاج/تجميع محلية لهذه الأنظمة في منشآت سرية على الأرجح (ومن المتصور تقديم قدرات إنتاج مماثلة للعراق أو حتى لـ «حزب الله»).

ولا يزال نظام الدفاع الجوي الإيراني الذي يتمتع بالمدى الأطول والذي يُفترض أنه الأكثر تقدما، وهو "بافار-373" قيد التطوير ولم يدخل بعد في مرحلة الإنتاج الكاملة. وتدّعي إيران أن النظام يضاهي بطارية صواريخ "باتريوت" الأميركية ويتفوق على نظام "أس-300 بي أم يو-2" الروسي، ولكن كل ما يمكنها تقديمه في الوقت الحالي إلى سوريا هو نشر نسخة غير مثبتة منه هناك لأغراض الاختبار والتقييم وفق شروط تشغيلية. وبالطبع، فإن مثل هذا الانكشاف سيمنح الخصوم أيضا فرصة لمراقبة النظام خلال عمله ووضع تكتيكات للتصدي له.

أما بالنسبة لتحديد أي من عمليات النقل النظرية هذه ستحدث بالفعل، فإن ذلك يتوقف على قدرة طهران على التعامل مع التحديات الهائلة محليا وداخل سوريا. فمن الواضح أن القادة الإيرانيين يريدون زيادة قدرتهم على الردع وتوسيع العمق الاستراتيجي بما يتجاوز الحدود التي وضعتها ترسانتهم من الصواريخ الباليستية، ويفضلون نشر أنظمة دفاع جوي أكثر تطورا وأبعد مدى لهذه الغاية. ولكن في الوقت نفسه، يبدو أنهم يواجهون مجموعة متزايدة من المخاطر الخارجية والمحلية، بما فيها ما يشبه حملة تخريب ضد برنامجهم النووي وبنيتهم التحتية الصناعية. وما يضاف إلى مخاوفهم هو واقع عسكري يزداد خطورة: فإسرائيل عازمة على منعهم من نقل أي أنظمة جديدة إلى سوريا، ولن يؤدي إرسالها الآن إلا إلى توسيع الفجوات الكبيرة في تغطية الدفاع الجوي الإيراني.

وفي ظل هذه الظروف، من غير المؤكد أن تتمكن طهران من نقل كميات كبيرة من هذه المعدات إلى سوريا على المدى القريب. وأفضل ما يمكن أن يأمل به الإيرانيون (إذا كان هناك أي شيء) هو فقاعتان من الدفاع الجوي: واحدة في قاعدة الإمام علي بالقرب من معبر البوكمال الحدودي وأخرى في قاعدة "تي-4" الجوية أو في منطقة دمشق.

المصدر: معهد واشنطن
المصدر: معهد واشنطن

وهذا الأمر بعيد كل البعد عن السيناريو المثالي بالنسبة لهم: وضع ما لا يقل عن اثنتي عشرة بطارية صواريخ متحركة متوسطة إلى بعيدة المدى ورادارات حول سوريا لحماية القواعد المشتركة ومراكز التخزين من الغارات الإسرائيلية.

المصدر: معهد واشنطن

توصيات في مجال السياسة العامة

وفقا للفقرة 6 ب من الملحق "ب" من قرار "مجلس الأمن" رقم 2231، لا يُسمح لإيران بنقل أنظمة الدفاع الجوي إلى أي دولة دون إذن من المجلس؛ لذلك، طالما كان هذا الحظر ساري المفعول، يجب على جميع الدول اتخاذ التدابير الضرورية لفرضه. ولسوء الحظ، من المقرر أن ينتهي الحظر في 18 أكتوبر، لكن الولايات المتحدة عزّزت جهودها الدبلوماسية للتأكد من أن استمرار الحظر على الأسلحة قائما إلى أجل غير مسمى.

لدى المجتمع الدولي أسباب أخرى أيضا لمنع انتشار أنظمة مضادة للطائرات من إيران. في 16 يوليو، مددت "وكالة «الاتحاد الأوروبي» لسلامة الطيران" حظرها المفروض على جميع عمليات التحليق التجارية فوق المجال الجوي الخاضع لسيطرة إيران دون 25,000 قدم (7,620 مترا) لمدة ستة أشهر إضافية بسبب مخاوف من "مخاطر أمنية كبيرة" هناك. وتزامنت خطوة "الاتحاد الأوروبي" ـ التي أعادت التشديد على توجيهات أصدرتها أساسا "إدارة الطيران الفيدرالية" الأميركية ـ مع قيام إيران التي ترزح بشكل متزايد تحت الضغوط بوضع أجزاء من نظام دفاعها الجوي في حالة تأهب قصوى، وبعد أشهر فقط من قيام بطارياتها من نوع "سام" بإسقاط طائرة أوكرانية عن طريق الخطأ. 

وفي المرحلة القادمة، يجب على واشنطن إعادة التأكيد على التزامها بسلامة الطيران في المنطقة بموجب الملحق 17 باتفاقية شيكاغو ("حماية الطيران المدني الدولي من أعمال التدخل غير المشروع")، باستخدام المعايير الواردة فيها كمبرر لمنع إيران من تصدير أنظمة الدفاع الجوي والتحكم بها، والتي أثبتت أساسا بأنها تشكل تهديدا للطيران المدني.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.