A protester prays by a poster showing Hisham al-Hashimi an Iraqi analyst who was a leading expert on the Islamic State and…
اغتيل هشام الهاشمي قبل شهرين بسبب آراءه المناهضة للميليشيات ونفوذها الكبير في العراق

كنت أشاهد احتفالات افتتاح جسر الطابقين (القائد) من على شاشة تلفزيون الشباب عام 1992 فقلت لزوجتي ألم يكن أنفع لنا لو صرفت تكاليف هذا الجسر لشراء طحين أفضل لنأكله بدلا من هذا الطحين البائس الذي نستلمه الآن؟! في اليوم التالي ذهبت لجلب ابني البالغ 7 سنوات من مدرسته، وإذا بمعلمته تقول لي "انتبه لما تقوله أمام أولادك فقد يكلفك ذلك حياتك".

أجبتها، ماذا حصل؟ قالت إن ابنك أجابني عندما كنت أشرح لهم عن إنجاز جسر الطابقين، أن أبي يقول كان من الأفضل استخدام مبالغ كلفته لشراء طحين! وهذا انتقاد غير مسموح به! هذه العبارة كانت كفيلة أن تكلفني حياتي آنذاك لو أن المعلمة أخبرت الأجهزة الأمنية.

تذكرت تلك الواقعة عندما تلقيت أمس رسالة من أحد أصدقائي في معهد واشنطن ينصحني فيها بالتهيؤ لردود فعل عنيفة قد تصل لاغتيالي بسبب مقالة أرسلتها للنشر وذكرت فيها حقائق عن السخط الشعبي في الشارع العراقي، وتحديدا في الجنوب، تجاه الميليشيات والجماعات المسلحة. هذا الغضب الذي أثر سلبا حتى على نظرة الناس للحشد الشعبي بعد أن كانت شعبيته وأفضليته لا تدانيها شعبية أي مؤسسة حكومية عراقية قبل خلال العامين السابقين.

بات العراقيون (كما قلت في المقالة) ينتظرون بفارغ الصبر اليوم الذي يرون فيه شوارعهم وقد خلت من السيارات التي لا تحمل لوحاتها أرقام تعريفية ولا تقف عند أي نقطة أمنية، ومدنهم وقد تحكم فيها القانون لا السلاح المنفلت والفصائل التي تكاثرت مثل الفطر خلال سنوات قليلة!

تبدو اليوم المفارقة غريبة إذ أن تلميذ كنعان مكية الذي حلم بدولة الحرية، الذي يترأس الحكومة الآن قد ورث دولة يشعر فيها الجميع بالرعب وليس فقط الخوف كما كانوا في التسعينيات

قال لي صديقي الأميركي، وهو خبير بالشأن العراقي، إن مثل هذا المقال المدعم بالأرقام والحقائق، إذا نُشر، فيقتضي منك أما أن تعيش بحذر شديد، أو تكون في كامل الاستعداد لمجابهة هذه الميليشيا. وأردف أن هشام الهاشمي لم يقم بأي من هذين الأمرين للأسف. وكان يشير هنا إلى عدم حذر المحلل السياسي المعروف هشام الهاشمي الذي اغتيل قبل شهرين بسبب آراءه المناهضة للميليشيات ونفوذها الكبير في العراق.

لقد جاءت نصيحة صديقي هذا لتضيف ضغطا آخر على قلمي بعد أن ظلت أصوات عائلتي وأصدقائي تلاحقني وتمنعني من التعبير عن آرائي بحرية، محذرةً إياي من التمادي في انتقاد المسلحين مما قد لا يتسبب بقتلي فقط وإنما بإيذاء عائلتي ومن أحب. هنا قررت فعلا أن أسحب مقالي وأستمع لصوت العقل والمغلف بصوت الرعب.

في بداية التسعينيات، نشر كنعان مكية، والذي كان ملهما ومعلما لرئيس الوزراء الكاظمي، كتابا شهيرا أسماه جمهورية الخوف، يصف فيه حالة الرعب التي كان يعيش فيها العراقيون آنذاك نتيجة الدولة البوليسية التي كان لا يجرؤ أحد على اجتياز الخطوط الحمراء الكثيرة التي وضعتها. أذكر أني لم أستطع نشر بحث عن الفساد الذي استشرى في العراق في التسعينيات واضطررت أن أنشره خارج العراق دون أن أذكر اسم العراق كي لا أتعرض للمساءلة القانونية عن نشري ما يمكن أن يسيء لسمعة البلد.

وتبدو اليوم المفارقة غريبة إذ أن تلميذ مكية الذي حلم بدولة الحرية، الذي يترأس الحكومة الآن قد ورث دولة يشعر فيها الجميع بالرعب وليس فقط الخوف كما كانوا في التسعينيات.

الفارق الوحيد ربما هو أن الخوف في جمهورية الخوف آنذاك كان معلوما في حين أنه بات مجهولا في جمهورية الرعب. فالناس آنذاك كانت تخاف من جهاز القمع الذي تسيطر عليه الدولة. وبعد أن كان العراقيون يعرفون من قتلهم باتوا الآن يجهلون قاتليهم. ما تحسن في الوضع هو أنه بينما كان العراقيون مطالبين أيضا بالتضحية بأبنائهم للدولة لخوض حروبها آنذاك، لم تعد هناك مطالب بالتضحية من أجل البلد.

كان كثير من العراقيين الغاضبين من الاحتلال عام 2003 (وأنا منهم) يمنون أنفسهم أن عزاءهم بعد هذا الاحتلال الذي دمر بلدهم، في أنهم سيحصلون أخيرا على دولة الحرية التي حلموا بها، حيث يستطيعون أن ينتقدوا النظام دون أن يشعروا بخوف. لكن حتى هذا الحلم قد تبخر على ما يبدو وصار حلما بعيد المنال.

صحيح أن العراقيين باتوا قادرين على نقد النظام بل وشتم رأس النظام دون أن يشعروا بخوف، لكنهم لا يجرؤون على نقد ميليشيات المسلحة المنفلت ومن أسسها، أو يرأسها أو حتى يدعمها. ومن يجرؤ على ذلك فسيكون مصيره أما الاغتيال الجسدي كما حصل للهاشمي، ورهام يعقوب، وتحسين أسامة، وسواهم الكثيرون ممن تمت تصفيتهم جسديا خلال السنة الأخيرة، أو يتم اغتيالهم معنويا من خلال الأقلام والمواقع الكثيرة التابعة لهذه الميليشيات والممولة منها. فمن يجرؤ على نقد سلطة الميليشيات سيتهم بالعمالة لإسرائيل أو أميركا، أو أنه صدامي بعثي، أو ربما إرهابي متطرف، أو أحد "الجواكر" الذين تمولهم السفارة الأميركية.

وهناك اليوم في العراق عشرات القنوات التلفزيونية والإذاعية والمواقع الإلكترونية الممولة من هذه الميليشيات والتي تعمل وفق توجيهات موحدة ومنسقة لمهاجمة أي كاتب ينشر أي شيء معاكس لنفوذها أو حتى يعارض التوجهات الإيرانية في العراق والمنطقة. فإيران التي أنشأت ودربت ودعمت تلك الميليشيات، باتت الخط الأحمر لجمهورية الرعب المتحكمة بالعراق. وصار أي حديث عن النفوذ الإيراني أو الولائي في جمهورية الرعب الميليشياوية أشبه بنقد صدام وعائلته في جمهورية الخوف سابقا.

لقد واجه الكاظمي خلال زيارته الأخيرة لواشنطن كثير من الأسئلة المحرجة من مضيفيه عن نفوذ تلك الميليشيات المتزايد وما تقوم به من قمع وتكميم للأفواه والحريات. وقد قيل له بصراحة إنه لا يمكن تنفيذ أي من المشاريع الاقتصادية التي تعهدت الشركات الأميركية الكبرى بتنفيذها في العراق والتي يؤمل أن تحدث نقلة اقتصادية هائلة ما لم يتم ضبط الوضع الأمني في العراق وفي مقدمته التخلص من الميليشيات المنفلتة ونفوذها المتصاعد. وأن لا أحد يمكنه مساعدة العراق ما لم يساعد العراقيون أنفسهم وفي مقدمة ذلك استعادة ولاية الحكومة على الدولة.

ويدرك الكاظمي وحكومته أن لا فرصة أمامهم للنجاح ما داموا غير قادرين على استعادة الدولة والشعب من نفوذ الميليشيات ولذلك وضعوا ذلك في مقدمة أولويات برنامجهم الوزاري. مع ذلك، فإن تصاعد الغضب الشعبي وبالذات في الشارع الشيعي من نفوذ تلك الميليشيات وعمليات الاغتيال شبه اليومية التي تقوم بها يضع الكاظمي بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان الغضب الشعبي من نفوذ هذه الميليشيات.

يدرك الكاظمي وحكومته أن لا فرصة أمامهم للنجاح ما داموا غير قادرين على استعادة الدولة والشعب من نفوذ الميليشيات

وقد تضاعفت هذه الضغوط بعد الهجمات بصواريخ الكاتيوشا التي تشنها هذه الميليشيات بشكل مستمر على المنطقة الخضراء والسفارة الأميركية والقواعد العسكرية التي تتواجد فيها قوات التحالف الدولي. ويبدو أن ما كان يأمله الكاظمي من تهدئة لنشاط هذه الميليشيات بعد انتزاعه لإعلان أميركي صريح لنية القوات الأميركية بمغادرة العراق خلال ثلاث سنوات، خلال زيارته الأخيرة، لم يحصل بدليل الاغتيالات التي حصلت لناشطين مدنيين في البصرة والهجوم ليلة 27 أغسطس بالصواريخ على المنطقة الخضراء.

لقد حاول الكاظمي ممارسة أقصى درجات الضبط والصبر لتأجيل معركته مع ميليشيات السلاح المنفلت بسبب إدراكه لضعف أدواته في أعقاب أول مواجهة له مع "كتائب حزب الله" قبل شهرين لكن يبدو الآن أن صبره وليس فقط صبر الشعب ودول العالم، بدأ ينفذ نتيجة التصعيدات والاستفزازات الكثيرة التي تقوم بها تلك الميليشيات والتي تستعجل المواجهة قبل أن يتمكن الكاظمي من فرض سيطرته الكاملة على الدولة العراقية.

إن استراتيجية الكاظمي التي تقوم على تقوية مؤسسات الدولة الأمنية من جهة واحتواء نشاط هذه الميليشيات من خلال حث القيادات الشيعية التي لها تأثير على تلك الميليشيات من جهة أخرى لن يتاح لها المزيد من الوقت للمضي بها. فلا القوات الأمنية الرسمية كانت قادرة على تقديم دليل على قدرتها على ضبط هذه الميليشيات ولا القيادات الشيعية تبدو راضية عن الكاظمي وتحركاته الأخيرة داخليا أو خارجيا. لذا تبدو المواجهة بين الطرفين أقرب من أي وقت مضى الآن. ويبرز السؤال الكبير الآن: هل سيتمكن تلميذ كاتب جمهورية الخوف من منع العراق من أن ينزلق ليصبح جمهورية رعب الميليشيات؟

المصدر: منتدى فكرة

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.