Iraqis carry national flags as they demonstrate in the capital Baghdad's Al-Firdous Square on October 1, 2020, during the…
تشير الاستطلاعات إلى ضعف كبير في شعبية تلك الميليشيات في المناطق الشيعية

سواء اتُخذ قرار غلق السفارة أم لم يتخذ بعد فإن المؤكد أن الإدارة الأميركية أرسلت رسائل قوية للحكومة العراقية ولقوى العملية السياسية في العراق مفادها أن صبر الأميركيين قد نفد تجاه استمرار ضرب السفارة والمصالح الأميركية والغربية الأخرى في العراق. وأن الأميركيين لم يعودوا قادرين على عدم الرد أكثر من ذلك. وقد كان مساء يوم 27 سبتمبر الجاري بروفة أولية للتعرف على ردود الأفعال السياسية والشعبية العراقية تجاه محاولة التصعيد الأميركية التي لوحت بها الإدارة خلال الأيام الماضية.

لقد اشتعلت مواقع ومنصات الإعلام العراقية بالأنباء عن مغادرة السفير الأميركي لبغداد وغلق السفارة، ووصلت التصورات بالبعض إلى انتظار إعلان الرئيس دونالد ترامب في إيجازه الصحفي الاستثنائي لمساء يوم الأحد 27 سبتمبر عن قرار الولايات المتحدة بغلق السفارة ومهاجمة الميليشيات المدعومة إيرانيا بل وحتى فرض عقوبات مماثلة للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

وعلى الرغم من أن المؤتمر الصحفي لترامب انتهى دون حتى الإشارة للعراق، إلا أن النخب السياسية والأوساط الشعبية في العراق لا تزال قلقة جدا من احتمال غلق السفارة وما سيعقب ذلك من عواقب قد لا تنحصر بمهاجمة مواقع وقيادات في الميليشيات الشيعية بل وتتعداها لوضع العراق تحت طائلة العقوبات الأميركية وهو ما يذكر العراقيين بما قد يكون أسوأ كوابيسهم التي خبروها في العصر الحديث وهو الحصار الاقتصادي الذي امتد طيلة الاثنتي عشرة سنة التي سبقت سقوط النظام السابق.

إن عامل الزمن يعمل لصالح الميليشيات وليس لصالح الكاظمي وحكومته

إن مجرد التلويح بهذا الاحتمال خلق موجة كبيرة من الهلع في العراق رغم أن هذا الخيار لن يصب في مصلحة الولايات المتحدة، لأنه يعني ببساطة قبول أميركا بالتخلي النهائي عن العراق ووضعه في سلة واحدة مع إيران. هذا يعني بالتأكيد خسارة كل ما استثمرته أميركا في العراق طيلة العقود الماضية! مع ذلك فإن سبب هذا الهلع لدى العراقيين من هذا الاحتمال هو ما جرّبوه سابقا من قسوة العقوبات الاقتصادية والسياسية على كل مناحي الحياة.

وهذا صحيح بشكل خاص، مع العلم أن العراق لم يعد كما كان في التسعينيات يملك قاعدة صناعية وزراعية لا بأس بها تمكنه من التكيف (نسبيا) مع تبعات الحصار، حيث أصبح العراق الآن أضعف بكثير من الناحية الاقتصادية مما كان عليه في فترة التسعينيات. كما أن العراقيين القلقين من هيمنة إيران على مقدراتهم، يخشون أن مثل هذا القرار الأميركي بوضع العراق مع إيران في سلة واحدة سيؤدي إلى إنهاء أي أمل لديهم بتحسن الأوضاع واستعادة سيادتهم المسيطر عليها من قبل إيران إلى حد كبير، وهذا كابوس آخر لا يقل رعبا عن كابوس الحصار الاقتصادي والسياسي في التسعينيات.

وإذا كان عقدي الثمانينيات والتسعينيات قد أديا إلى موجة الهجرة الأولى للعراقيين، والعقدين الأولين من الألفية الثانية قد خلقا موجة نزوح وهجرة هائلة ثانية فإن احتمال فرض عقوبات أميركية جديدة على العراق سيؤدي بلا شك إلى موجة هجرة عراقية ثالثة قد لا تقل عن تلك التي خلقها احتلال تنظيم "داعش" للمناطق السنية عام 2014. هذا فضلا عن احتمالات الفوضى السياسية والاجتماعية التي سيخلقها تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والتي قد تقود إلى انفصال أجزاء معينة من العراق وأولها كردستان وقد يكون ثانيها المناطق السنية.

إن الحل الأسهل والأمثل كما يبدو الآن لتجنب حصول ذلك هو قيام حكومة العراق بالسيطرة على الميليشيات وسلاحها ووقف الهجمات على المصالح الأميركية

تفيد المعلومات الآتية من واشنطن أن القرار الأميركي بغلق السفارة بات جاهزا إن لم يكن قد اتُخذ فعلا. إن الاحتمال الأرجح أن هذا القرار سيؤدي إلى سحب كل الدبلوماسيين والمتعاقدين الأميركيين من بغداد وباقي المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات مما يقلل من احتمالات تعرضهم لخسائر في حال قرر الأميركيين مهاجمة تلك الميليشيات. 

ويبدو أن الأميركيين يفترضون أن هذه الهجمات التي ستشنها القوات الأميركية ستلاقي ترحيبا (غير معلن) من أطراف عراقية معينة وغض نظر من أطراف أخرى بضمنها أطراف رسمية عراقية. وبعد الهجوم الأخير بالصواريخ على قاعدة الحرير في أربيل والذي يريد إيصال رسالة مفادها أن الأميركيين لن يكونوا بأمان من نيران الميليشيات حتى وإن غادروا بغداد فإن إبعاد الأميركيين المتواجدين في العراق عن أي خطر محتمل سيمثل أولوية قصوى قبل بدء أي تحرك عسكري من الجيش الأميركي.

إن الحل الأسهل والأمثل كما يبدو الآن لتجنب حصول ذلك هو قيام حكومة العراق بالسيطرة على الميليشيات وسلاحها ووقف الهجمات على المصالح الأميركية. ورغم أن ذلك قد يبدو صعبا في ظل ضعف الإمكانات المتاحة لحكومة مصطفى الكاظمي للقضاء على هذه الميليشيات إلا أن العوامل الآتية قد تفيد الكاظمي كثيرا في مواجهته مع الميليشيات إذا كان جادا فيها:

1. دعم المرجعية الدينية في النجف لهذا التوجه بخاصة بعد البيان الذي أصدره مكتب السيستاني قبل بضع أسابيع بعد لقائه بجينين هينيس ـ بلاسخارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق.

2. الشعبية الكبيرة التي بات يتمتع بها الكاظمي حيث تشير آخر استطلاعات الرأي التي أجريتها مؤخرا أن حوالي 80 في المئة من العراقيين منهم أكثر من 70 في المئة من الشيعة لديهم رأي مفضل جدا أو مفضل تجاه الكاظمي. في ذات الوقت فإن ذات الاستطلاعات تشير إلى ضعف كبير في شعبية تلك الميليشيات في المناطق الشيعية.

3. الدعم الأميركي والدولي لضرورة التخلص من نفوذ الميليشيات في العراق بخاصة بعد أن امتدت هجماتها لتصيب بعثات ومصالح أخرى غير أميركية. وفي حال تبدل الإدارة الأميركية الحالية فإن الكاظمي قد يفقد أي إمكانية للحصول على دعم أميركي مماثل لما قد يحصل عليه الآن.

تفيد المعلومات الآتية من واشنطن أن القرار الأميركي بغلق السفارة بات جاهزا إن لم يكن قد اتُخذ فعلا

إن عامل الزمن يعمل لصالح الميليشيات وليس لصالح الكاظمي وحكومته، لذا فإن أي تأخير لي اتخاذ قرار حاسم تجاه هذه الميليشيات قد يجعل الأميركيين يتحركون عسكريا لأخذ زمام المبادرة. وفي حال حصول ذلك فإن احتمالات الفوضى السياسية والاقتصادية التي أشرتُ لها في أعلاه واردة جدا وسيكون من الصعب إيقاف تداعياتها الخطيرة.

لكن الواقع يشير إلى أن هذا الاحتمال، إن حصل، سيؤدي إلى تحريك إيران لجميع أذرعها الإعلامية والسياسية فضلا عن العسكرية داخل العراق مما يجعل الكاظمي بين مطرقة الأميركيين وسندان الإيرانيين ويجعل من الصعب عليه دعم الهجمات الأميركية أو السكوت عنها. وفي حال اضطر لاستنكار هذه الهجمات والمطالبة بإيقافها فإنه يخاطر بإمكانية غضب إدارة ترامب ووضعها العراق في نفس سلة التعامل مع إيران.

ومما قد يزيد الأمر سوءا هو احتمالات الرد من قبل الميليشيات ومن يدعمها عسكريا على الهجمات الأميركية وهذا مما قد يجبر الأميركيين على إرسال المزيد من القوات وخلق تعقيدات كبيرة للإدارة القادمة للبيت الأبيض حتى وإن كانت ديمقراطية. بالتالي فإن احتمالات إصلاح الأمور (كما يأمل الإيرانيون ومن يتبعوهم في العراق) مع أميركا بعد فوز بايدن، ستكون هي الأخرى معقدة وصعبة جدا من الناحية العملية مما يؤذن باحتمالات مواجهة عسكرية وسياسية طويلة بين أميركا وإيران على أرض العراق وإدخال العراق في نفق مظلم وطويل.

المصدر: منتدى فكرة

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.