Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…
بالغ الكاظمي بالإشادة بدور المنظمة في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" أثناء وقوفه تحت ملصق أبو مهدي المهندس، قائد عمليات "الحشد الشعبي" المصنّف إرهابيا والذي قُتل بضربة جوية أميركية في الثالث من يناير

في الساعات الأولى من يوم 19 مايو، تم إطلاق صاروخ على السفارة الأميركية في بغداد من دون وقوع إصابات، فيما كان على الأرجح خطأ متعمدا. وجاءت هذه الحركة التي لم يتبناها أي طرف ـ ومن شبه المؤكد كان مصدرها إحدى الميليشيات المدعومة من إيران التي شنت العديد من هذه الضربات في الماضي ـ بعد أقل من يوم من قيام رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي بزيارة لمقر "قوات الحشد الشعبي"، الوكالة الحكومية التي تقودها نفس الجماعات المدعومة من إيران. وكانت تلك محطته الأخيرة من جولة في الأجهزة الأمنية الرئيسية في البلاد بصفته القائد العام الجديد لها، عقب زيارات قام بها إلى "جهاز مكافحة الإرهاب"، ولوزارتي الدفاع والداخلية.

ومن شأن حيثيات زيارة "قوات الحشد الشعبي" وقربها من توقيت الضربة الصاروخية أن تقلق بعض المراقبين الأميركيين ـ فقد بالغ الكاظمي بالإشادة بدور المنظمة في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" أثناء وقوفه تحت ملصق أبو مهدي المهندس، قائد عمليات "الحشد الشعبي" المصنّف إرهابيا والذي قُتل بضربة جوية أميركية في الثالث من يناير. لكن يجب وضع الحدثين في سياق واقعتين مهمتين: قلق الميليشيات من سلسلة التعيينات القيادية الإيجابية الأخيرة في بغداد، وحاجة حكومة الكاظمي الناشئة إلى إطلاق إصلاحات ضمن "قوات الحشد الشعبي" بطريقة تدريجية وليس بدفعة واحدة.

تغييرات في هيكل القيادة في العراق

يكرّس الدستور دور رئيس الوزراء باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما يوضح "القرار التنفيذي" رقم 328 لعام 2019 بشكل إضافي أن رئيس الوزراء أو بديله المعيّن يتمتع بسيطرة عملياتية على كافة التشكيلات المسلحة في العراق، حيث تحتفظ الأجهزة الأمنية بالسيطرة الإدارية على تجنيد وتدريب وتجهيز قواتها. كذلك، منح القرار رئيس الوزراء السيطرة الحصرية على التعيينات اعتبارا من رتبة قائد اللواء وما فوق ـ بما في ذلك داخل "قوات الحشد الشعبي".

وقامت حكومة الكاظمي بتشكيل قيادتها الأمنية بشكل سريع للغاية، حيث تم تعيين وزيري الداخلية والدفاع خلال الجلسة الأولى في 6 مايو. وسيواصل الكاظمي إدارة "جهاز المخابرات الوطني العراقي" شخصيا، والذي تولى قيادته منذ عام 2016. ولتولي قيادة "جهاز مكافحة الإرهاب"، أعاد الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي إلى منصبه الذي تسبب عزله في أكتوبر 2019 كقائد للعمليات في إشعال فتيل الحركة الاحتجاجية في العراق المستمرة لشهور. 

بالنسبة لمضمون تعليقات الكاظمي، فقد كان تركيزه على دور "قوات الحشد الشعبي" في التصدي لتنظيم "داعش" إشارة ليست خفية إلى ضرورة حصر المنظمة مهمتها بهذا الدور

وتشير عودة الساعدي وترقيته إلى منصب القائد العام في "الجهاز" إلى التزام الكاظمي بأن يكون "جهاز مكافحة الإرهاب" فعالا ويتمتع بالموارد الكافية، والذي لطالما كان الشريك الرئيسي لواشنطن في مكافحة الإرهاب في العراق.

أما وزير الدفاع الجديد، فهو جمعة سعدون الجبوري، فريق ركن متقاعد آخر كان سابقا قائد "القوات البرية للجيش العراقي". وحيث إنه عربي سنّي من الشرقاط، عمل عن كثب مع الميليشيات في منصب قائد عمليات صلاح الدين وقائد شرطة محافظة صلاح الدين في الفترة 2015 ـ 2016. 

وسيحتفظ الفريق الركن عبد الأمير يار الله، معاون رئيس أركان الجيش الحالي للعمليات، بمهام الإدارة اليومية لـ"قيادة العمليات المشتركة"، ليكون نظريا النائب الأول لرئيس الوزراء. 

أما "القوات البرية العراقية" فسيقودها حاليا اللواء قاسم المحمداوي ـ ضابط يتمتع باحترام كبير وكان يترأس سابقا "قيادة عمليات الجزيرة والبادية". وتمّت ترقية الفريق أول ركن عثمان الغانمي من منصب رئيس أركان الجيش ـ الضابط الأعلى رتبة في البلاد ـ إلى وزير الداخلية، ولم تتضح بعد هوية خلفه. وعلى أي حال، سيتعين على وزارة الدفاع والجيش التركيز على الانتقال إلى مكافحة التمرد ونقل مسؤوليات الأمن في المدن إلى وزارة الداخلية.

ويُعتبر الغانمي خيارا واعدا لتولي منصب وزير الداخلية. وإذ أنه جنرال شيعي متقاعد من الديوانية، فهو شخصية تحظى باحترام بفضل سجله العسكري الناجح وليس له تاريخ من الطائفية أو الفساد. وتمنحه خلفيته القدرة على الاستفادة من دعم قوي من الجمهور القبلي والديني في الجنوب. 

وسيحتاج إلى كافة هذه السمات لقيادة الوكالة الأمنية الأكبر في العراق بشكل فعال، والتي اخترقتها الميليشيات بشكل كبير منذ عام 2003. وبصرف النظر عن مسؤولياته الأمنية اليومية كوزير للداخلية، ستتمثل مهمته الرئيسية بمنح الشعب العراقي الحق في مساءلة عادلة لدور المؤسسة في قتل المئات من المتظاهرين أواخر العام الماضي.

وفي العاشر من مايو، قدّم الغانمي إشارة مبكرة على عزمه من خلال التهديد بأن "يقطع بموجب القانون يدي" أي موظف في الوزارة يسعى إلى الحصول على ترقية عن طريق الرشوة. كما أمر بتنفيذ مداهمة في 11 مايو في البصرة، ألقي القبض خلالها على 5 رجال ميليشيا شيعيين من حركة "ثأر الله" بتهمة إطلاق النار على المحتجين. وفي 14 مايو، أمره الكاظمي بإيجاد أي متظاهرين محتجزين ظلما في سجون الميليشيات. وبمرور الوقت، سوف تتسارع مهمة الغانمي على المدى الطويل ـ إعداد وزارته لتولي الأسبقية في أمن المناطق الحضرية ـ مع انسحاب قوات الجيش إلى الحدود والأرياف.

الخطوات التالية لـ "قوات الحشد الشعبي"

اعتُبرت زيارة الكاظمي لمقر "قوات الحشد الشعبي" من نواحٍ كثيرة الخطوة الأكثر أهمية في جولته الأمنية. وكان يرتدي سترة تحمل شارة "الحشد الشعبي" على ذراعه، وقد استضافه رئيس المنظمة، فالح الفياض، الذي يشغل أيضا منصب مستشار الأمن الوطني ورئيس "جهاز الأمن الوطني"، وهو وكالة مخابرات. 

وإلى جانب الفياض وقف عبد الكريم الزيرجاوي (المعروف أيضا باسم أبو فدك) وحسين فالح اللامي (الملقب بأبو زينب اللامي)، وكلاهما من كبار أعضاء "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران والمصنفة من قبل الولايات المتحدة كجماعة إرهابية. وكان أبو فدك قد اتَهم شخصيا الكاظمي بإيقاع المهندس في فخ مميت في يناير، وقد حذّرت جماعته في أوائل أبريل من أن ترقية رئيس المخابرات إلى منصب رئيس وزراء "ستقضي على ما تبقى من استقرار في العراق"، لذا لا بدّ من أنه كان من الصعب استقباله في مقرهم كقائدهم العام الجديد.

أما بالنسبة لمضمون تعليقات الكاظمي، فقد كان تركيزه على دور "قوات الحشد الشعبي" في التصدي لتنظيم "الدولة الإسلامية" إشارة ليست خفية إلى ضرورة حصر المنظمة مهمتها بهذا الدور في المرحلة القادمة ـ بدلا من قمع المتظاهرين، أو تشكيل شبكات ابتزاز في المدن، أو مهاجمة بعثات التدريب الأجنبية والدبلوماسيين الأجانب. 

تشير عودة الساعدي وترقيته إلى منصب القائد العام في "الجهاز" إلى التزام الكاظمي بأن يكون "جهاز مكافحة الإرهاب" فعالا ويتمتع بالموارد الكافية

وكانت الجوانب الأقل أهمية لزيارته ذات أهمية مماثلة. فقد وصل إلى الاجتماع مع قادة "العتبات"، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع التي انفصلت عن هيكلية قيادة "الحشد الشعبي" في فبراير وتم إلحاقها مباشرة بمكتب رئيس الوزراء في أواخر أبريل بموجب أمر تنفيذي وقعه رئيس الوزراء المنتهية ولايته عادل عبد المهدي. وخلال الاجتماع، جلس قادة "العتبات" منفصلين عن المسؤولين الآخرين في "قوات الحشد الشعبي" وإلى جانب الكاظمي.

ويشير هذا الأمر إلى المسار المحتمل لإصلاح "قوات الحشد الشعبي" في المستقبل. ويبدو أن رئيس الوزراء والزعيم الروحي لـ "العتبات" آية الله العظمى السيد علي السيستاني، متفقان على ما سيحدث في المرحلة المقبلة ـ أي أنه إما أن تخضع "قوات الحشد الشعبي" لقيادة جديدة أكثر قبولا مستمدة من "العتبات"، أو يتم الضغط على وحدات إضافية ومقاتلين أفراد للانسحاب من المنظمة. وحين انفصل قادة "العتبات" عن "قوات الحشد الشعبي" قبل ثلاثة أشهر، فعلوا ذلك لأن فصيل "المقاومة" الموالي لإيران في قيادة "قوات الحشد الشعبي" حاول احتكار عملية صنع القرار وجعل أبو فدك خلفا للمهندس.

التداعيات على السياسة الأميركية

تحرَك الكاظمي بسرعة لإعادة تشكيل القيادة الكفؤة على رأس "جهاز مكافحة الإرهاب" وتعيين شخصية قومية بارزة للغاية كوزير للداخلية. كما دعم قادة "العتبات" والمؤسسة الدينية في احتجاجهم على احتكار "قوات الحشد الشعبي" المدعوم من إيران. وتُعتبر هذه مؤشرات مشجعة بعد مرور أسابيع قليلة فقط على توليه منصبه.

وفي إطار التحضير للحوار الاستراتيجي الأميركي ـ العراقي المقبل (ربما في يونيو)، على واشنطن أن تمنح الكاظمي الوقت والمجال اللذين يحتاجهما لإكمال تشكيل حكومته وتعيين كبار موظفيه. وتُعتبر هذه العملية أساسية لتعزيز موقع رئاسة الوزراء وبناء هيكلية قيادة وتحكم مركزية؛ علما بأن فشل سلفه على هذا الصعيد أدّى إلى الانهيار السياسي. 

في الوقت الذي تشهد فيه وزارة الداخلية و"جهاز مكافحة الإرهاب" و "قوات الحشد الشعبي" تقدما، لا يمكن للعراق تحمل المزيد من الانتكاسات على صعيد القيادة في وزارة الدفاع

وإذا ضغط المسؤولون الأميركيون على الكاظمي لإجراء المزيد من الإصلاحات الأمنية مع تسرع لا مبرر له، فقد يضروا بفرصه في النجاح ويساعدوا عن غير قصد الميليشيات التي سعت إلى مفاقمة التوترات الثنائية بين الطرفين بعد حادثة إطلاق الصاروخ الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، على الولايات المتحدة أن تراقب عن كثب كافة التعيينات القيادية الجديدة في العراق لضمان بقاء التعاون الأمني الثنائي سليما في الوقت الذي يُظهر فيه تنظيم "الدولة الإسلامية" مؤشرات على النهوض مجددا. وسيكون مستقبل الجيش كمؤسسة مهما في معركة محاربة التمرد، ولكن لا يُعرف الكثير عن قدرة الجبوري على حماية ميزانية وزارة الدفاع أو إحياء علاقات الجيش مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من حيث الاستشارة والتدريب. 

ويستحق رئيس أركان الجيش المقبل اهتماما وثيقا أيضا، إلى جانب العديد من التغييرات التي ستبدأ قريبا على مستوى القيادة الوسطى بشكل تدريجي (على سبيل المثال، تلك التي ستطال قيادات العمليات وقادة الفرق). وقد تحاول الجهات الفاعلة السلبية تعويض بعض خسائرها من حيث النفود من خلال ضمان موطئ قدم جديد لها في وزارة الدفاع، كما حصل عام 2018 عندما أدخلت "منظمة بدر" المدعومة من إيران قائد لواء "الحشد الشعبي" زياد التميمي كمفتش عام في الوزارة ـ وهو المنصب الذي كان من الواضح أنه غير مؤهل له. وفي الوقت الذي تشهد فيه وزارة الداخلية و"جهاز مكافحة الإرهاب" و "قوات الحشد الشعبي" تقدما، لا يمكن للعراق تحمل المزيد من الانتكاسات على صعيد القيادة في وزارة الدفاع.

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة