Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi wears a military uniform of Popular Mobilization forces during his meeting with Head of…
بالغ الكاظمي بالإشادة بدور المنظمة في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" أثناء وقوفه تحت ملصق أبو مهدي المهندس، قائد عمليات "الحشد الشعبي" المصنّف إرهابيا والذي قُتل بضربة جوية أميركية في الثالث من يناير

في الساعات الأولى من يوم 19 مايو، تم إطلاق صاروخ على السفارة الأميركية في بغداد من دون وقوع إصابات، فيما كان على الأرجح خطأ متعمدا. وجاءت هذه الحركة التي لم يتبناها أي طرف ـ ومن شبه المؤكد كان مصدرها إحدى الميليشيات المدعومة من إيران التي شنت العديد من هذه الضربات في الماضي ـ بعد أقل من يوم من قيام رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي بزيارة لمقر "قوات الحشد الشعبي"، الوكالة الحكومية التي تقودها نفس الجماعات المدعومة من إيران. وكانت تلك محطته الأخيرة من جولة في الأجهزة الأمنية الرئيسية في البلاد بصفته القائد العام الجديد لها، عقب زيارات قام بها إلى "جهاز مكافحة الإرهاب"، ولوزارتي الدفاع والداخلية.

ومن شأن حيثيات زيارة "قوات الحشد الشعبي" وقربها من توقيت الضربة الصاروخية أن تقلق بعض المراقبين الأميركيين ـ فقد بالغ الكاظمي بالإشادة بدور المنظمة في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" أثناء وقوفه تحت ملصق أبو مهدي المهندس، قائد عمليات "الحشد الشعبي" المصنّف إرهابيا والذي قُتل بضربة جوية أميركية في الثالث من يناير. لكن يجب وضع الحدثين في سياق واقعتين مهمتين: قلق الميليشيات من سلسلة التعيينات القيادية الإيجابية الأخيرة في بغداد، وحاجة حكومة الكاظمي الناشئة إلى إطلاق إصلاحات ضمن "قوات الحشد الشعبي" بطريقة تدريجية وليس بدفعة واحدة.

تغييرات في هيكل القيادة في العراق

يكرّس الدستور دور رئيس الوزراء باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما يوضح "القرار التنفيذي" رقم 328 لعام 2019 بشكل إضافي أن رئيس الوزراء أو بديله المعيّن يتمتع بسيطرة عملياتية على كافة التشكيلات المسلحة في العراق، حيث تحتفظ الأجهزة الأمنية بالسيطرة الإدارية على تجنيد وتدريب وتجهيز قواتها. كذلك، منح القرار رئيس الوزراء السيطرة الحصرية على التعيينات اعتبارا من رتبة قائد اللواء وما فوق ـ بما في ذلك داخل "قوات الحشد الشعبي".

وقامت حكومة الكاظمي بتشكيل قيادتها الأمنية بشكل سريع للغاية، حيث تم تعيين وزيري الداخلية والدفاع خلال الجلسة الأولى في 6 مايو. وسيواصل الكاظمي إدارة "جهاز المخابرات الوطني العراقي" شخصيا، والذي تولى قيادته منذ عام 2016. ولتولي قيادة "جهاز مكافحة الإرهاب"، أعاد الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي إلى منصبه الذي تسبب عزله في أكتوبر 2019 كقائد للعمليات في إشعال فتيل الحركة الاحتجاجية في العراق المستمرة لشهور. 

بالنسبة لمضمون تعليقات الكاظمي، فقد كان تركيزه على دور "قوات الحشد الشعبي" في التصدي لتنظيم "داعش" إشارة ليست خفية إلى ضرورة حصر المنظمة مهمتها بهذا الدور

وتشير عودة الساعدي وترقيته إلى منصب القائد العام في "الجهاز" إلى التزام الكاظمي بأن يكون "جهاز مكافحة الإرهاب" فعالا ويتمتع بالموارد الكافية، والذي لطالما كان الشريك الرئيسي لواشنطن في مكافحة الإرهاب في العراق.

أما وزير الدفاع الجديد، فهو جمعة سعدون الجبوري، فريق ركن متقاعد آخر كان سابقا قائد "القوات البرية للجيش العراقي". وحيث إنه عربي سنّي من الشرقاط، عمل عن كثب مع الميليشيات في منصب قائد عمليات صلاح الدين وقائد شرطة محافظة صلاح الدين في الفترة 2015 ـ 2016. 

وسيحتفظ الفريق الركن عبد الأمير يار الله، معاون رئيس أركان الجيش الحالي للعمليات، بمهام الإدارة اليومية لـ"قيادة العمليات المشتركة"، ليكون نظريا النائب الأول لرئيس الوزراء. 

أما "القوات البرية العراقية" فسيقودها حاليا اللواء قاسم المحمداوي ـ ضابط يتمتع باحترام كبير وكان يترأس سابقا "قيادة عمليات الجزيرة والبادية". وتمّت ترقية الفريق أول ركن عثمان الغانمي من منصب رئيس أركان الجيش ـ الضابط الأعلى رتبة في البلاد ـ إلى وزير الداخلية، ولم تتضح بعد هوية خلفه. وعلى أي حال، سيتعين على وزارة الدفاع والجيش التركيز على الانتقال إلى مكافحة التمرد ونقل مسؤوليات الأمن في المدن إلى وزارة الداخلية.

ويُعتبر الغانمي خيارا واعدا لتولي منصب وزير الداخلية. وإذ أنه جنرال شيعي متقاعد من الديوانية، فهو شخصية تحظى باحترام بفضل سجله العسكري الناجح وليس له تاريخ من الطائفية أو الفساد. وتمنحه خلفيته القدرة على الاستفادة من دعم قوي من الجمهور القبلي والديني في الجنوب. 

وسيحتاج إلى كافة هذه السمات لقيادة الوكالة الأمنية الأكبر في العراق بشكل فعال، والتي اخترقتها الميليشيات بشكل كبير منذ عام 2003. وبصرف النظر عن مسؤولياته الأمنية اليومية كوزير للداخلية، ستتمثل مهمته الرئيسية بمنح الشعب العراقي الحق في مساءلة عادلة لدور المؤسسة في قتل المئات من المتظاهرين أواخر العام الماضي.

وفي العاشر من مايو، قدّم الغانمي إشارة مبكرة على عزمه من خلال التهديد بأن "يقطع بموجب القانون يدي" أي موظف في الوزارة يسعى إلى الحصول على ترقية عن طريق الرشوة. كما أمر بتنفيذ مداهمة في 11 مايو في البصرة، ألقي القبض خلالها على 5 رجال ميليشيا شيعيين من حركة "ثأر الله" بتهمة إطلاق النار على المحتجين. وفي 14 مايو، أمره الكاظمي بإيجاد أي متظاهرين محتجزين ظلما في سجون الميليشيات. وبمرور الوقت، سوف تتسارع مهمة الغانمي على المدى الطويل ـ إعداد وزارته لتولي الأسبقية في أمن المناطق الحضرية ـ مع انسحاب قوات الجيش إلى الحدود والأرياف.

الخطوات التالية لـ "قوات الحشد الشعبي"

اعتُبرت زيارة الكاظمي لمقر "قوات الحشد الشعبي" من نواحٍ كثيرة الخطوة الأكثر أهمية في جولته الأمنية. وكان يرتدي سترة تحمل شارة "الحشد الشعبي" على ذراعه، وقد استضافه رئيس المنظمة، فالح الفياض، الذي يشغل أيضا منصب مستشار الأمن الوطني ورئيس "جهاز الأمن الوطني"، وهو وكالة مخابرات. 

وإلى جانب الفياض وقف عبد الكريم الزيرجاوي (المعروف أيضا باسم أبو فدك) وحسين فالح اللامي (الملقب بأبو زينب اللامي)، وكلاهما من كبار أعضاء "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران والمصنفة من قبل الولايات المتحدة كجماعة إرهابية. وكان أبو فدك قد اتَهم شخصيا الكاظمي بإيقاع المهندس في فخ مميت في يناير، وقد حذّرت جماعته في أوائل أبريل من أن ترقية رئيس المخابرات إلى منصب رئيس وزراء "ستقضي على ما تبقى من استقرار في العراق"، لذا لا بدّ من أنه كان من الصعب استقباله في مقرهم كقائدهم العام الجديد.

أما بالنسبة لمضمون تعليقات الكاظمي، فقد كان تركيزه على دور "قوات الحشد الشعبي" في التصدي لتنظيم "الدولة الإسلامية" إشارة ليست خفية إلى ضرورة حصر المنظمة مهمتها بهذا الدور في المرحلة القادمة ـ بدلا من قمع المتظاهرين، أو تشكيل شبكات ابتزاز في المدن، أو مهاجمة بعثات التدريب الأجنبية والدبلوماسيين الأجانب. 

تشير عودة الساعدي وترقيته إلى منصب القائد العام في "الجهاز" إلى التزام الكاظمي بأن يكون "جهاز مكافحة الإرهاب" فعالا ويتمتع بالموارد الكافية

وكانت الجوانب الأقل أهمية لزيارته ذات أهمية مماثلة. فقد وصل إلى الاجتماع مع قادة "العتبات"، ما يسمى بـ "وحدات الأضرحة" الأربع التي انفصلت عن هيكلية قيادة "الحشد الشعبي" في فبراير وتم إلحاقها مباشرة بمكتب رئيس الوزراء في أواخر أبريل بموجب أمر تنفيذي وقعه رئيس الوزراء المنتهية ولايته عادل عبد المهدي. وخلال الاجتماع، جلس قادة "العتبات" منفصلين عن المسؤولين الآخرين في "قوات الحشد الشعبي" وإلى جانب الكاظمي.

ويشير هذا الأمر إلى المسار المحتمل لإصلاح "قوات الحشد الشعبي" في المستقبل. ويبدو أن رئيس الوزراء والزعيم الروحي لـ "العتبات" آية الله العظمى السيد علي السيستاني، متفقان على ما سيحدث في المرحلة المقبلة ـ أي أنه إما أن تخضع "قوات الحشد الشعبي" لقيادة جديدة أكثر قبولا مستمدة من "العتبات"، أو يتم الضغط على وحدات إضافية ومقاتلين أفراد للانسحاب من المنظمة. وحين انفصل قادة "العتبات" عن "قوات الحشد الشعبي" قبل ثلاثة أشهر، فعلوا ذلك لأن فصيل "المقاومة" الموالي لإيران في قيادة "قوات الحشد الشعبي" حاول احتكار عملية صنع القرار وجعل أبو فدك خلفا للمهندس.

التداعيات على السياسة الأميركية

تحرَك الكاظمي بسرعة لإعادة تشكيل القيادة الكفؤة على رأس "جهاز مكافحة الإرهاب" وتعيين شخصية قومية بارزة للغاية كوزير للداخلية. كما دعم قادة "العتبات" والمؤسسة الدينية في احتجاجهم على احتكار "قوات الحشد الشعبي" المدعوم من إيران. وتُعتبر هذه مؤشرات مشجعة بعد مرور أسابيع قليلة فقط على توليه منصبه.

وفي إطار التحضير للحوار الاستراتيجي الأميركي ـ العراقي المقبل (ربما في يونيو)، على واشنطن أن تمنح الكاظمي الوقت والمجال اللذين يحتاجهما لإكمال تشكيل حكومته وتعيين كبار موظفيه. وتُعتبر هذه العملية أساسية لتعزيز موقع رئاسة الوزراء وبناء هيكلية قيادة وتحكم مركزية؛ علما بأن فشل سلفه على هذا الصعيد أدّى إلى الانهيار السياسي. 

في الوقت الذي تشهد فيه وزارة الداخلية و"جهاز مكافحة الإرهاب" و "قوات الحشد الشعبي" تقدما، لا يمكن للعراق تحمل المزيد من الانتكاسات على صعيد القيادة في وزارة الدفاع

وإذا ضغط المسؤولون الأميركيون على الكاظمي لإجراء المزيد من الإصلاحات الأمنية مع تسرع لا مبرر له، فقد يضروا بفرصه في النجاح ويساعدوا عن غير قصد الميليشيات التي سعت إلى مفاقمة التوترات الثنائية بين الطرفين بعد حادثة إطلاق الصاروخ الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، على الولايات المتحدة أن تراقب عن كثب كافة التعيينات القيادية الجديدة في العراق لضمان بقاء التعاون الأمني الثنائي سليما في الوقت الذي يُظهر فيه تنظيم "الدولة الإسلامية" مؤشرات على النهوض مجددا. وسيكون مستقبل الجيش كمؤسسة مهما في معركة محاربة التمرد، ولكن لا يُعرف الكثير عن قدرة الجبوري على حماية ميزانية وزارة الدفاع أو إحياء علاقات الجيش مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من حيث الاستشارة والتدريب. 

ويستحق رئيس أركان الجيش المقبل اهتماما وثيقا أيضا، إلى جانب العديد من التغييرات التي ستبدأ قريبا على مستوى القيادة الوسطى بشكل تدريجي (على سبيل المثال، تلك التي ستطال قيادات العمليات وقادة الفرق). وقد تحاول الجهات الفاعلة السلبية تعويض بعض خسائرها من حيث النفود من خلال ضمان موطئ قدم جديد لها في وزارة الدفاع، كما حصل عام 2018 عندما أدخلت "منظمة بدر" المدعومة من إيران قائد لواء "الحشد الشعبي" زياد التميمي كمفتش عام في الوزارة ـ وهو المنصب الذي كان من الواضح أنه غير مؤهل له. وفي الوقت الذي تشهد فيه وزارة الداخلية و"جهاز مكافحة الإرهاب" و "قوات الحشد الشعبي" تقدما، لا يمكن للعراق تحمل المزيد من الانتكاسات على صعيد القيادة في وزارة الدفاع.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.