Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi adjusts his mask during a joint press conference with French President Emmanuel Macron,…
لا يزال الكاظمي رئيسا لـ "جهاز المخابرات الوطني العراقي"

في 13 سبتمبر، أصدر المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني بيانا دعا فيه الحكومة إلى ضمان قيام انتخابات نزيهة في عام 2021، وتأمين حدود البلاد، وفَرْض سيطرة الدولة على جميع القوات المسلحة، واعتقال الأفراد المشتبه بهم في الفساد، ومحاكمة كافة أعضاء الميليشيات الذين قتلوا المحتجّين ونشطاء المجتمع المدني. وصدر هذا البيان عن طريق الممثلة الخاصة للأمم المتحدة جينين هينيس ـ بلاسخارت وكرره رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وكذلك رئيسي الجمهورية ومجلس النواب.

واستكمالا لهذا الإعلان، أمضت حكومة الكاظمي الأشهر القليلة الماضية وهي تبني بهدوء مجموعة قادرة على تنفيذ هذه الأعمال، بناءً على المفهوم المثبَت بأن تقديم أمثلة على حسن السلوك والمهنية بين القيادة المدنية والعسكرية هو أسرع وسيلة لتسهيل الإصلاحات العاجلة. ويمنح ملخص التغييرات الأخيرة في البنية العسكرية العراقية سببا للتفاؤل بشأن قدرة بغداد على تحقيق الجزء الأمني من هذه المطالب (سيركز الجزء الثاني من هذا المرصد السياسي على التعيينات الجديدة المتعلقة بالحدود والفساد والقضايا الاقتصادية).

تعيينات القيادة العليا

في الشهر الأول بعد تشكيل حكومة الكاظمي في 6 مايو، شغلت هذه الحكومة العديد من المناصب الأمنية الرفيعة بتعيينها قادة يتمتعون بقدرات عالية، من بينهم الفريق الركن عثمان الغانمي، الرئيس المتقاعد السابق لأركان الجيش كوزير للداخلية، والفريق الركن (المتقاعد) جمعة سعدون الجبوري كوزير للدفاع، والفريق الركن عبد الوهاب الساعدي كرئيس "جهاز مكافحة الإرهاب"، والفريق الركن عبد الأمير يار الله، الضابط الأعلى رتبة في البلاد، كرئيس جديد لأركان الجيش. ومنذ ذلك الحين، استمرت التغييرات على النحو التالي:

• مستشار الأمن الوطني. في 4 يوليو، حلّ وزير الداخلية السابق قاسم الأعرجي محل زعيم الميليشيا فالح الفياض كمستشار للأمن الوطني. وقد لا يبدو تعيين الأعرجي بمثابة تحسن كبير نظرا إلى عضويته في "منظمة بدر" المتحالفة مع إيران، وبسبب العاميْن اللّذيْن أمضاهما في الحجز الأميركي بسبب نشاطه القتالي السابق. ومع ذلك، فقد عمل بشكل فعال للغاية مع المسؤولين الأميركيين كوزير للداخلية وأشار إلى استعداده لمواصلة التعاون. علاوة على ذلك، لم يكن المرشح المفضل لـ "منظمة بدر" لهذا المنصب، لذا أدى تعيينه إلى تفاقم التوترات داخل الكتلة الموالية لإيران.

• جهاز الأمن الوطني. في 4 يوليو أيضا، حلّ الفريق الركن (المتقاعد) عبد الغني الأسدي ـ الرئيس السابق لـ "قيادة مكافحة الإرهاب" التابعة لـ"جهاز مكافحة الإرهاب" ـ محل الفياض كمدير لـ "جهاز الأمن الوطني". وكونه حرباء سياسية، كان الأسدي أقرب إلى الميليشيات من أي قائد آخر لـ "جهاز مكافحة الارهاب"، لكن العراقيين ينظرون إليه أيضا على أنه شخص دعم المتظاهرين والتمس التأييد من الزعيم الشيعي مقتدى الصدر. ولم يقتصر تعيينه على عزل فياض فحسب، بل منع "منظمة بدر" أيضا من السيطرة على "جهاز الأمن الوطني"، الذي أصبح بهدوء أحد أكبر وكالات الاستخبارات في العراق. وسيكون نائبه فلاح يونس العيساوي، مسؤول مخابرات سنّي تم تعيينه في 14 سبتمبر.

• قيادة العمليات الوطنية. أعاد الكاظمي تنشيط هذا المحور القيادي على المستوى الوطني، والذي لم يتم استخدامه كثيرا في السنوات الأخيرة. وبموجب "الأمر التنفيذي 328" لعام 2019، يمكن لرئيس الوزراء استخدام "قيادة العمليات الوطنية" لتولي السيطرة العملياتية على أي وحدة. وإذا تم تطوير "قيادة العمليات الوطنية"، فقد تسمح للكاظمي بتنسيق إجراءات أمنية معينة في مقرٍّ يقع مباشرةً تحت سيطرته، ويتمتع بدرجة عالية من الأمن العملياتي والسرية العملياتية. وحاليا، يتزعم "قيادة العمليات الوطنية" ضياء الموسوي، مسؤول استخباراتي بارز عمل مع الكاظمي منذ عام 2016.

• جهاز المخابرات الوطني العراقي.  في 14 سبتمبر، عُيِّن وزير الدفاع السابق والسياسي السنّي البارز خالد العبيدي وكيلا لشؤون العمليات (وبالتالي القائد اليومي الجديد) لـ "جهاز المخابرات الوطني العراقي"، الذي ترأسه الكاظمي قبل أن يصبح رئيسا للوزراء وما زال يتولى زمام قيادته رسميا.

• قيادة الدفاع الجوي العراقي. من الناحية التاريخية شكّلت "قيادة الدفاع الجوي العراقي" معقلا للنفوذ من جانب موسكو، حيث أدارت مجمعها الخاص الذي يتلقى المشورة الروسية في معسكر التاجي وغالبا ما يزوّد الميليشيات بالتحذير من العمليات الجوية بالقرب من مواقعها. وتم استبدال القائد السابق، الفريق الركن جبار عبيد كاظم، بضابط "جهاز مكافحة الإرهاب" اللواء الركن معن السعدي، أحد أبطال معركة تحرير الموصل الأكثر شهرة. (ومن قبيل الصدفة، جاء العديد من كبار ضباط "جهاز مكافحة الإرهاب" في الأصل من قوات الدفاع الجوي العراقية من الفترة ما قبل عام 2003).

• فرقة القوات الخاصة للمنطقة الدولية. في الشهر الماضي، تمّ تعيين اللواء الركن حامد عبد العزيز الزهيري لتشديد حماية المركز الحكومي بعد توغل شاحنات ميليشيا "كتائب حزب الله" في 25 يونيو. والزهيري قائد مقاتل خدم في "الفرقة الثانية"، و"الفرقة الثانية عشرة"، و"الفرقة الرابعة عشرة" في الجيش العراقي، كما هو العميد السابق للكلية العسكرية، وسيشرف على المزيد من التحصين للمنطقة وإعداد قوات الرد السريع الجديدة. وفي 3 أغسطس، تمّ حلّ "قوة إنفاذ القانون"، وهي وحدة شرطة شبه عسكرية تم اختراقها من قبل الميليشيات وكان قد تم تفعيلها في أكتوبر 2019 لقمع المحتجين حول المنطقة، وأعيد توزيع قواتها على وحدات شرطة أخرى.

• وزارة الداخلية. [تم تعيين] حسين عبد الحسين ضايف وكيلا جديدا لوزير الداخلية للشؤون الإدارية والمالية، وهو سياسي من التيار الصدري وأحد المُعيّنين السياسيين القلائل الذين سُمح بتعيينهم في إعادة توزيع المناصب الأخيرة.

قيادات العمليات العسكرية

منذ مايو، أُعيد توزيع الأركان في كل مقر مسؤول عن ممارسة السيطرة على العمليات لقوات الأمن العراقية على مستوى المحافظات، ومن بينها:

• قيادة عمليات البصرة. نُقل القائد القتالي في الجيش اللواء الركن أكرم صدّام من ديالى للإشراف على كافة قوات الأمن في البصرة. بعد ذلك، قام الكاظمي بزيارته على الفور وخصص "لواء المغاوير الثالث في الجيش العراقي" لدعم عملياته. بالإضافة إلى ذلك، تم تعيين اللواء عباس ناجي آدم كقائد جديد لشرطة محافظة البصرة، ليحل محل قائدها السابق اللواء رشيد فليح.

• قيادة عمليات ديالى. يرأس الآن القائد القتالي المخضرم اللواء الركن رعد محمود الجبوري "قيادة عمليات ديالى". وقد خدم في "الفرقة السابعة" و"الفرقة الرابعة عشرة" في الجيش العراقي وأصبح مقره مؤخرا في كركوك.

• قيادة عمليات الأنبار. تولّى هذه القيادة اللواء الركن حمد نامس الجبوري، قائد الشرطة السابق في صلاح الدين ونينوى.

• قيادة عمليات سامراء. سيقود اللواء الركن جبار حاتم الدراجي "قيادة عمليات سامراء" في مناطق بلد وبيجي وتكريت وطوز خورماتو. وقد أكمل مؤخرا قيادة "الفرقة السادسة عشرة" في الجيش العراقي المدربة من قبل التحالف بالقرب من الموصل.

• قيادة عمليات نينوى. نُقل اللواء الركن اسماعيل شهاب المحلاوي إلى نينوى بعد عشر سنوات من القيادة القتالية في الأنبار ("الفرقة السابعة" و"قيادة عمليات الأنبار").

• قيادة عمليات غرب نينوى. نُقلت "قيادة عمليات الرافدين" القديمة من جنوب العراق إلى الحدود السورية لتحل محل المقر المحلي لـ "قوّات الحشد الشعبي". وأعيدت تسميتها بـ "قيادة عمليات غرب نينوى"، ويترأسها الآن اللواء الركن جبار نعيمه الطائي، الذي قاد في السابق وحدة قتالية ("الفرقة السابعة عشرة") بالإضافة إلى مقر قيادة العمليات في بغداد وجنوب العراق.

• قيادة عمليات سومر. تحلّ هذه الهيئة الجديدة محل "قيادة عمليات الرافدين" التي تم نقلها إلى الحدود السورية. وهي تغطي مناطق ذي قار وميسان والمثنى، ويقودها اللواء الركن عماد السيلاوي القائد الإداري لـ "الفرقة الخامسة عشرة في الجيش العراقي" المدرّبة من قبل التحالف. ونائبه هو اللواء الركن جواد عباس عبدالله، القائد الأول القدير لـ "فرقة المغاوير التاسعة عشرة" التي تم حلها مؤخرا.

إعادة دمج عناصر الميليشيات

تخلق هذه التغييرات المذكورة أعلاه متنفّسا للدولة لاستعادة سلطتها من الميليشيات المزعزعة للاستقرار المدعومة من إيران. كما تعمل بشكل وثيق مع جهود الإصلاح داخل "قوّات الحشد الشعبي"، والتي سيستمر الفياض في قيادتها إلى أن يشير السيستاني خلاف ذلك.

في الوقت الحالي، تعطي عناصر "قوّات الحشد الشعبي" التي تعتمد على السيستاني لتلقي التوجيهات، انطباعا متزايدا بحدوث إصلاح كبير في القوة وفي "هيئة الحشد الشعبي" المدنية. وسبق لهذه العناصر أن منعت أبو فدك (المعروف أيضا باسم عبد الكريم الزيرجاوي) من الحلول محل أبو مهدي المهندس الذي تمّ اغتياله كقائد عمليات "قوّات الحشد الشعبي". ومؤخرا، قام ميثم الزيدي ـ وهو كبير قادة وحدات الأضرحة (العتبات)، التي انفصلت عن "قوّات الحشد الشعبي" في وقت سابق من هذا العام ـ بتسريع جدول اجتماعاته مع القادة العسكريين خارج هيكلية "هيئة الحشد الشعبي" (على سبيل المثال، الرئيس الجديد لأركان الجيش الفريق الركن يار الله؛ ونائبه الفريق الركن عبد الأمير الشمري؛ ومدير "جهاز الأمن الوطني" الأسدي).

التداعيات على السياسة الأميركية

في الوقت الذي تُقلّص فيه الولايات المتحدة قواتها وتُكرّسها لمهمة دعم أكثر "ملاءمة للغاية التي خُصصت لها" وجعل عددها حوالي 3500 جندي، تشكّل التحسينات الميكانيكية وعلى صعيد الأفراد، الجارية في هيكل القيادة والسيطرة في العراق علامة مشجعة تدلّ على إمكانية حدوث تغيير إيجابي. 

وأحد العوامل التي تقوم عليها هذه التحسينات هي مواصلة الولايات المتحدة تعاملها مع جيلٍ جديدٍ من الضباط العسكريين والمحترفين المهنيين في مجال الأمن المدرَّبين والمدعومين من قبل الولايات المتحدة؛ لذلك يجب توسيع هذه المشاركة وإضفاء الطابع المؤسسي عليها على المدى الطويل من خلال الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.