Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi, center, speaks to journalists during his visit to Basra, Iraq, Saturday, Aug. 22, 2020…
إن النطاق الطموح للتعيينات والطريقة المركزية التي جرت فيها هي دلالة كبيرة على التزام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتغيير الوضع الراهن المتآكل في بغداد

في 14 سبتمبر، أعلنت بغداد عن مجموعة من التعيينات القيادية الاستراتيجية للمؤسسات المكلفة بالإشراف على اقتصاد العراق، وحدوده، وجهوده لمكافحة الفساد ـ وهي قائمة تشمل البنوك وسلطات الجمارك والمطارات والموانئ والمعابر البرية والهيئات البلدية ولجان التحقيق، وأكثر من ذلك. 

إن النطاق الطموح للتعيينات والطريقة المركزية التي جرت فيها هي دلالة كبيرة على التزام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتغيير الوضع الراهن المتآكل في بغداد. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت حكومته قادرة على الصمود أمام محاولة الصدّ القادمة من العناصر الميليشياوية والسياسية التي تستفيد من الوضع الراهن. فيما يلي ملخص للتعيينات التكنوقراطية الجديدة وتبعاتها؛ انظر الجزء الأول من هذا المرصد السياسي لمناقشة إعادة توزيع المناصب العسكرية الأخيرة التي قام بها الكاظمي.

حماية النظم الوطنية

كان أحد الدوافع الرئيسية وراء الازدياد الذي بدأ ينشأ منذ فترة طويلة في نفوذ الميليشيات والفساد في العراق هو استيلاء الكتل السياسية التي توجه عملية اختيار المسؤولين المهمين وقراراتهم، على الأنظمة الاقتصادية الاستراتيجية. وتهدف التغييرات القيادية التي بدأت منذ قدوم الكاظمي إلى السلطة في مايو إلى تحرير العديد من هذه الأنظمة وتقليص فرص قيام الجهات الفاعلة السلبية باستغلالها. وكانت الغاية الرسمية من تعيينات 14 سبتمبر هي استبدال شاغلي المناصب الذين انتهت ولاياتهم في يوليو، لكنّ الأهم من ذلك، أنّ الخيارات لم تكن موجهة بالحصص النموذجية المستخدَمة لتَقاسُم المناصب بين الأحزاب.

• البنك المركزي العراقي. تم تعيين مصطفى غالب محافظا جديدا لـ "البنك المركزي العراقي" بعد أن خدَمَ لفترة طويلة كرئيس لشؤونه القانونية. وبصفته شخصية غير حزبية لها تاريخ في مقاومة الضغوط السياسية، سيتولى الآن زمام المبادرة في تنفيذ الإصلاحات المصرفية وحماية عملية المزايدة بالدولار من تدخل إيران والميليشيات والجهات الفاعلة الفاسدة الأخرى.

• المصرف العراقي للتجارة. سالم الجلبي، الذي كان سابقا مستشارا لرئيس الوزراء، هو الرئيس الجديد "للمصرف العراقي للتجارة". يضع هذا التعيين شخصية مالية وقانونية دولية معروفة في قلب وكالة تحتكر عمليا السوق العراقي الذي تبلغ قيمته عدة مليارات من الدولارات لإصدار خطابات الاعتماد.

• الهيئة الوطنية للاستثمار. الرئيسة الجديدة للهيئة سهى داود الياس النجّار هي عالمة اقتصاد ومديرة أصول تلقّت تعليمها في بريطانيا وتتمتع بخبرة واسعة في الأعمال المصرفية وتمويل الشركات.

• مدينة بغداد. منهل الحبوبي هو أمين بغداد الجديد، مما يضعه على رأس الجهاز البلدي المعروف بالأمانة. وسبق أن خطط الكاظمي بأن يتولّى هذا الدور بنفسه، لكن المدينة ستصبح اليوم في يديْ مهندس معماري مشهور عالميا ومهندس مدني مستقل ـ وبالتالي خارج أيدي الأحزاب السياسية التي كانت ستستخدمه لرعاية شبكات المحسوبية والفساد قبل الانتخابات الوطنية القادمة.

• هيئة الأوراق المالية. تم تعيين الرئيس السابق "للمصرف العراقي للتجارة" فيصل الهيمص رئيسا لهيئة الأوراق المالية (بورصة بغداد). (كانت التقارير السابقة التي أشارت إلى أنّ حسن حلبوص حمزة الشمري المعيّن سياسيا سيحصل على هذا المنصب غير صحيحة).

• هيئة النزاهة. كان القاضي علاء جواد حميد يرأس في الأصل هذه الهيئة حتى عام 2014 وتم تعيينه الآن للإشراف عليها مجددا. لكن كما يوضح القسم التالي، قد لا يكون هذا المركز مكانا للمضي قدما في العمل الحقيقي لمكافحة الفساد.

• نواب وزراء. تم تعيين نواب جدد في الوزارات الاقتصادية الأساسية بما فيها النفط والنقل والكهرباء والزراعة والعمل (نائبان). وتمّ التركيز على ترقية التكنوقراطيين إلى المناصب من داخل كل وزارة.

• اللجنة الفنيّة العليا لأمن الاتصالات والمعلومات. أعاد الكاظمي إحياء هذا الجهاز في 23 يونيو بعد أن توقّف عن أعماله لمدة خمس سنوات. وكان قادة الميليشيات والسياسيون المتحالفون معهم قد تواطؤا لإيقاف نشاطه في عام 2015، مما مهد الطريق أمام شركة يسيطر عليها "حزب الله" اللبناني لتولي زمام الأمور في توفير أمن الشبكة الوطنية في العراق.

مكافحة الفساد بقبضة من حديد

في 27 أغسطس، تم إنشاء لجنة جديدة لردع الفساد برئاسة الفريق المتقاعد أحمد طه هاشم (المعروف أيضا باسم أبو رغيف)، وهو شخص يتمتع بصرامة أسطورية (وإن كان مثيرا للجدل)، وكان قد ترأس الشؤون الداخلية في وزارة الداخلية خلال فترة عنيفة من الاقتتال الداخلي بين الفصائل في عاميْ 2004 ـ 2005. وتتمتع هذه اللجنة، التي تتألف من قضاة داخليين وممثلين عن "جهاز المخابرات الوطني العراقي" (الذي لا يزال يرأسه الكاظمي رسميا)، و"جهاز الأمن الوطني"، و"جهاز مكافحة الإرهاب"، بسلطة ضبط الأدلة والقيام باعتقالات. ونُفِّذ أول اعتقال من هذا النوع في بغداد في 15 سبتمبر: فقد أُلقي القبض على أحمد الساعدي، المدير السابق لهيئة التقاعد الوطنية.

وفي الفترة القادمة، من المرجح أنّ تركز هذه الخلية على الحالات الاستراتيجية ذات الأهمية الوطنية بتوجيه من رئيس الوزراء. ولتحديد قدرتها على تولّي التحقيقات الشديدة الأثر من النوع الذي دعا إليه آية الله العظمى علي السيستاني في 13 سبتمبر، من المرجح أن يستعين الكاظمي بالدعم من مصادر شرعية أخرى ـ والتي تشمل السيستاني نفسه وكذلك الرئيس العراقي برهم صالح، والمتظاهرين العراقيين، والمجتمع المدني والمنظمات الدولية.

حماية الحدود والمطارات والجمارك

انتقل فريق الكاظمي بهدوء إلى تعزيز سيطرة الحكومة على مصادر الدخل الهامة، وبالتالي تأمين الأموال للحكومة التي تعاني من ضائقة مالية، وفي الوقت نفسه حرمان هذه الأموال من الميليشيات.

• سلطة الطيران المدني العراقي. في 25 يونيو، تم تعيين الطيّار المدني المعروف نائل سعد عبد الهادي رئيسا جديدا لـ "سلطة الطيران المدني العراقي"، مما سمح بتقاعد المدير السابق بسلامة بعد أن حذّرته الميليشيات من الاستقالة بموافقته الخاصة. ثم بدأت القيادة الجديدة بعملية منع الشركات التي تسيطر عليها ميليشيا "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران من المزايدة على تقديم خدمات أرضية وتوفير الأمن في المطارات.

• ميناء أم قصر. في 16 يوليو، أُقيل جميع المدراء الأربعة لمراكز جمارك الميناء في الشمال والوسط والجنوب والبصرة بالإضافة إلى نوّابهم. وبعد تعيين البدلاء، نشرت الحكومة قوات الجيش لحماية الميناء والمدراء الجدد، مع تناوب الوحدات كل أسبوعين لتقليص خطر عودة الفساد مجددا.

• المعابر البرية. في يوليو، نشرت الحكومة قوات مراقبة جديدة في بعض المعابر الحدودية الأكثر خضوعا لهيمنة الميليشيات في البلاد ـ أي المنذرية (على الطريق السريع ديالى ـ إيران)، والقائم (على الحدود بين الأنبار وسوريا)، والشلامجة (على الطريق التجاري البصرة ـ إيران). وأُنشئت تحصينات مادية على المعبر الأخير لتوجيه حركة المركبات بشكلٍ أفضل عبر الجمارك، وهي خطوة أولى جيدة نحو تضييق الحدود.

• رقمنة الإيرادات الحدودية. يجري تسريع العقد الذي يرمي إلى رقمنة تحصيل الجمارك والذي تأخّر كثيرا من خلال عملية الشراء التي لا تزال معقدة في العراق.

التداعيات على السياسة الأميركية

حاولت حكومة الكاظمي تطبيق خطوة تجريبية طموحة وخطيرة عبر إعادة توزيع المناصب الاقتصادية، من خلال تركيز عملية اختيار المرشحين لتولي الأدوار الاستراتيجية دون مساهمة كبيرة من الكتل السياسية. ويخرق ذلك قاعدةً ذهبيةً في السياسة العراقية، وهي مراعاة المحاصصة (نظام الرعاية الحزبية والعرقية الراسخة). 

وبناءً على ذلك، ستتطلّب التعيينات الأخيرة قيام الكاظمي بالتعامل مع رد فعل قاس من الطبقة السياسية الغاضبة، لا سيّما "ائتلاف الفتح" المدعوم من إيران.

وفي الأوساط العامة، على واشنطن أن تقر بهذه التعيينات وترحّب بها بهدوء. لكن وراء الكواليس، يمكن للمسؤولين الأميركيين والشركاء الدوليين الآخرين الاحتفال بها بثقة كإشارة إلى أن فريق الكاظمي يسير على المسار الصحيح وعلى استعداد لخوض (بعض) المجازفات الكبيرة.

بالإضافة إلى ذلك، على واشنطن أن تسعى بشكل عاجل إلى تنمية دعم عراقي صريح للتعيينات من خلال إشراك أهم السياسيين والفصائل بهدوء ـ وفي المقام الأول رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، الذي غالبا ما يميل في مثل هذه اللحظات نحو الكتلة المدعومة من إيران ويمكن أن يوجّه المجلس التشريعي نحو الموافقة على المسؤولين الجدد. على واشنطن أيضا إشراك الأحزاب الكردية، وائتلاف "عراقيون" بزعامة عمار الحكيم، وشخصيات بارزة مثل إياد علاوي وحيدر العبادي. 

وفي غياب التشجيع الأميركي، قد تميل هذه الجهات الفاعلة إلى انتقاد عملية إعادة توزيع المناصب لتحقيق مصالحها الخاصة الضيقة، لا سيّما إذا شكّت بأنّ بعض التعيينات التكنوقراطية تخدم أجندات حزبية خفيّة. ففي الأشهر الأربعة الماضية، اتهمت كافة الأطراف تقريبا الفصائل الأخرى بتوجيه مثل هذه التعيينات سرا، رغم اتباع الكاظمي الخيارات الأقل تسييسا المتوافرة أمامه لاختيار العديد من التكنوقراطيين.

ومهما كانت الاتهامات الجديدة التي قد تبرز، لا ينبغي على الولايات المتحدة الانجرار إلى التفاصيل الدقيقة للاقتتال الداخلي العراقي. وبدلا من ذلك، عليها أن تساند بحزمٍ التعيينات التكنوقراطية التي قام بها الكاظمي، وأن ترحّب بها كخطوة مهمة إلى الأمام. ولا شكّ في أنّ "ائتلاف الفتح" والعناصر الأخرى الخاضعة للتأثير الإيراني ستسرّع من جهودها لإسقاط الحكومة الحالية، لذلك يجب على واشنطن أن تشير بوضوح إلى الحلبوسي والقادة الأكراد والسياسيين المعتدلين بأن عليهم ألا يعززوا هذه الحملة المثيرة للانقسام.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.