A handout picture provided by the office of Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei on March 22, 2020 shows him delivering…
أوعز خامنئي إلى الحكومة برفض أي مساعدة أميركية، بينما طرد "الحرس الثوري" الإيراني فريقا من الأطباء الفرنسيين يمثلون منظمة "أطباء بلا حدود" بعد اتهامهم بالقيام بأنشطة غير طبية.

استغل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي تتفاقم حالة جنون الارتياب لديه، خطابه السنوي في عيد النوروز في 22 مارس لتوجيه انتقادات حادة للولايات المتحدة متهما إياها بشن حملة حرب بيولوجية مصممة جينيا ضد بلاده. وناهيك عن المخاوف التي يثيرها هذا الخطاب بشأن صحته العقلية، فقد يكون أيضا إشارة إلى فصل جديد من العدائية بين البلدين، ولا سيما في ضوء التحركات الأخيرة التي قام بها "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني.

نظريات مؤامرة بين الإنس والجن

باستناده إلى الفصل 6، الآية 112 من القرآن الكريم، صنف خامنئي أعداء إيران ضمن مجموعتين، الجن والإنس مدعيا أنهما "يتعاونان استخباراتيا" بشكل وثيق مع بعضهما البعض. وإذا كانت مثل هذه اللغة تدعو للسخرية والزخارف البلاغية، فهي مقلقة وخطرة إلى حد كبير عندما تصدر من القائد العام لنظام مسلّح جيدا ومعادٍ بشكل واضح. كما اتهم واشنطن بهندسة جينية لسلالة من فيروسات كورونا لاستخدامها على الإيرانيين و"دراسة تأثيراتها".

وكانت أفعال النظام هي الأكثر أهمية من هذا الخطاب: فقد أوعز خامنئي إلى الحكومة برفض أي مساعدة أميركية، بينما طرد "الحرس الثوري" الإيراني فريقا من الأطباء الفرنسيين يمثلون منظمة "أطباء بلا حدود" بعد اتهامهم بالقيام بأنشطة غير طبية. 

وفي أعقاب ذلك، وبناءً على تعليمات خامنئي، أعلنت وزارة الصحة الإيرانية في 23 مارس أنه تمّ تحويل القوى العاملة والموارد المتاحة، التي هي بالكاد متوافرة أساسا، للتحقيق فيما إذا كانت البلاد قد تعرضت لحرب بيولوجية.

جاءت تعليقات خامنئي المثيرة للجدل وسط استمرار عدم اليقين بشأن من يقود جهود البلاد لمكافحة الوباء

وتطرق خطاب خامنئي إلى مزيد من التفاصيل حول هذه المؤامرة المفترضة. فوفقا له، "يتردد أن الأعداء استخدموا شتى الوسائل لجمع بيانات عن التركيبة الجينية الإيرانية واستخدموا هذه البيانات لتصميم سلالات خاصة بإيران". ربما كان يشير إلى مشاريع علمية مثل مشروع الجينوم البشري الإيراني ("إيرانوم") الذي سعى إلى تحديد جينومات الجماعات العرقية الإيرانية المختلفة. 

وانتهى المشروع الذي ترأسته "جامعة الرعاية الاجتماعية وعلوم التأهيل" في طهران في عام 2019 بالتعاون مع اثنين من المعاهد الألمانية: "مركز كولونيا لعلم الجينوم" و"معهد ماكس بلانك لعلم الوراثة الجزيئي" في برلين.

وفيما يتخطى الشق البلاغي في خطاب خامنئي، فإن تعليقاته تُعتبر خطيرة من وجهة نظر أمنية أوسع نطاقا. فقد وصف ضلوع الولايات المتحدة المفترض في نشر فيروس كورونا بأنه عمل "إرهابي"، مما يزيد من احتمال سعي إيران إلى الانتقام بوسائل عسكرية أو "عينية"، إذا كانت لا تزال تملك هذه القدرات (على سبيل المثال، تفيد بعض التقارير أن النظام اختبر عوامل بيولوجية خلال الثمانينيات).

جهود احتواء كورونا في إيران

جاءت تعليقات خامنئي المثيرة للجدل وسط استمرار عدم اليقين بشأن من يقود جهود البلاد لمكافحة الوباء. وكانت "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" التابعة لـ "الحرس الثوري" مسؤولة تقليديا عن مكافحة التهديدات البيولوجية وأنشأت شبكة دفاع بيولوجي عبر جميع المحافظات منذ سنوات، برئاسة المحافظين على أن يكون قادة "الحرس الثوري" نوابا لهم.

ووفقا لرئيس "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي" الجنرال غلام رضا جلالي، تمت تنحية منظمته بالكامل عندما شكلت الحكومة مركزا وطنيا لمكافحة كورونا، يقوده الرئيس حسن روحاني. وفي 12 مارس، بعد "دراسة الأدلة التي تشير إلى هجوم بيولوجي"، أوكل خامنئي هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية وقائدها اللواء محمد الباقري، مهمة تنسيق جهود الدفاع البيولوجي التي يبذلها الجيش، ويؤسس في سياق ذلك "مقرات للرعاية والعلاج".

طهران لا تتراجع

لا تزال المشاكل القديمة للشرق الأوسط قائمة حتى وسط التأثيرات المحلية والعالمية غير المسبوقة للوباء. ولا تُظهر طهران أي إشارات على التراجع عن موقفها المتحدي رغم اضطرارها إلى تكريس قدر كبير من مواردها لاحتواء الفيروس. وتواصل قواتها الوكيلة شن هجمات صاروخية فتاكة على القواعد الأميركية في العراق.

من جهتها، تُظهر واشنطن عزما على مواصلة حملة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها. كما تقوم إلى حدّ ما بتعزيز وضعها العسكري في المنطقة من خلال عمليات انتشار جديدة وتدريبات مشتركة. وفي هذا السياق، انضمت حاملة طائرات ثانية ("يو.إس.إس. آيزنهاور") إلى "يو أس أس ترومان" في المنطقة، وللمرة الأولى منذ عدة سنوات، تمّ إرسال أنظمة دفاع صاروخية من نوع "باتريوت" لحماية بعض العناصر والأصول الأميركية على الأقل في العراق. 

ولا تغيب أي من هذه التطورات عن انتباه المخططين الاستراتيجيين لدى "الحرس الثوري"، الذين يعتبرون على الأرجح هذه التدابير إما غير كافية (من حيث الدفاع الصاروخي) أو مؤقتة (حاملة الطائرات الثانية). وسيتطلعون إلى استئناف "العادات القديمة" عاجلا وليس آجلا، بإعادتهم التأكيد على الزخم الذي أظهره "الحرس الثوري" في الآونة الأخيرة رغم أن جزءا كبيرا من قدرته المحلية ـ وقدرة الجيش التقليدي ("أرتش") ـ مسخّر إلى حدّ كبير للتعامل مع تأثيرات الفيروس والفيضانات الموسمية التي تطال جميع أنحاء البلاد.

ولهذا السبب يحرص خامنئي كما يُفترض على تركيز غضب النظام وتوجيهه من جديد نحو العدو القديم وسط أزمة وطنية. وبدلا من الصبر الاستراتيجي، يمكن للمرء أن يتوقّع حتى تصعيدا أكبر في العنف الذي يمارسه الوكلاء ضد قوات الجيش الأميركي ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة. 

لا ينبغي اعتبار الآثار الجائحة للوباء داخل إيران دليلا على انخفاض التهديد العسكري الإيراني

وقد تسعى مثل هذه الهجمات إلى التسبب في سقوط ضحايا أميركيين وتحث على رد عسكري مباشر ضدّ إيران ـ الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى جولة من الإجراءات وردود الفعل التي يبدو فيها "الحرس الثوري" الإيراني واثقا من قدرته على الانتصار، عسكريا وبلاغيا على حدّ سواء.

ومن الجدير بالذكر أن جميع هذه التطورات يمكن أن تسبب مشاكل سياسية محلية. فقد يساهم التصعيد العسكري على توسيع الخلاف بين حكومة روحاني و"الحرس الثوري"، مما يزيد من تقويض الحوكمة. وقد تأتي تصريحات خامنئي الشيطانية الصارخة ـ التي تجاوزت إشاراته السابقة إلى الموضوع ـ بنتائج عكسية من خلال ترسيخ القناعة في أذهان الناس داخل النظام وخارجه بأن المرشد الأعلى البالغ من العمر 80 عاما يفقد صوابه فعليا.

الخاتمة

بالنظر إلى إضفاء الطابع الأمني بشكل متزايد على إجراءات مكافحة الفيروس في إيران، من المرجح أن يتم تصنيف المعلومات المتعلقة بانتشار الوباء واحتوائه على أنها سرية في الفترة المقبلة، حتى لو كانت هذه المقاربة تعيق الجهد الدولي الأوسع نطاقا. 

فضلا عن ذلك، وفي ضوء لهجة المرشد الأعلى المليئة بالكراهية ونزعة "الحرس الثوري" إلى الحذو حذوه، يتعين على الولايات المتحدة النظر في إمكانية قيام "الحرس الثوري" بشن هجمات انتقامية، وإعدادها تدابير رادعة مناسبة. 

وقد تشمل الخطوات المحتملة للإرهاب الإيراني شن هجمات تقليدية على منشآت بيولوجية تسفر عن نشر مسببات الأمراض، أو حتى إرهاب بيولوجي مباشر في إطار أسوأ السيناريوهات.

وأخيرا، لا ينبغي اعتبار الآثار الجائحة للوباء داخل إيران دليلا على انخفاض التهديد العسكري الإيراني. يجب على واشنطن الاستمرار في أخذ تهديد "الحرس الثوري" على وجودها العسكري في المنطقة على محمل الجدّ، ونشر قدرات دفاعية جوية وصاروخية فعالة في العراق وربما حتى في أفغانستان من أجل ردع أي هجمات. 

وفي حين لا يمكنها الحفاظ على موقف قوة يتمثل بحاملتي طائرات في المنطقة إلى ما لا نهاية، إلا أنه لا يزال يتعين عليها الحفاظ على ميزة نوعية وكمية مثبتة في الدول المجاورة لإيران ـ وربما الأهم من ذلك، إظهار المصداقية بأنها ستردّ في المكان والزمان المناسبين.

فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.

المصدر: منتدى فكرة
 

A woman wearing wearing a niqab (full face veil) walks by at the Kurdish-run al-Hol camp for the displaced in the al-Hasakeh…

رأينا في المقال السابق كيف كانت بعض "حِيَل الدفاع عن ابن تيمية" متهافتة جدا؛ إلى درجة تكاد تكون بها حيلة التيموي الدفاعية محض سخرية باردة، كما رأينا كيف انقلبت بعض هذه "الحِيَل" على أصحابها؛ لتكون على الضد مما توهموا، أي لتكون هجوما قاسيا على "شيخ إسلامهم" الذي يستبسلون في الدفاع عنه؛ غير مدركين أنهم ـ مهما نافحوا عنه، وناضلوا دونه ـ إنما يدافعون عن قضية خاسرة، لا لضعف المدافعين وهزالة حججهم (وهذا هو واقع حالهم) فسحب، وإنما لأن من يدافعون عنه مُدَان بما لا يُحْصَى من الأدلة الثابتة الصريحة التي تجعل منه ـ بحق ـ أحد أهم مشرعي الإرهاب.

لقد رأينا كيف كانت مهزلة الاعتذار السمج عن فتاويه العُنْفية الدموية؛ بادعاء أنها/ الفتاوى ظهرت نتيجة ظروف ذلك العصر الهائج المضطرب الذي تسبب ـ فيما يزعم المدافعون صراحة أو ضمنا ـ في اضطراب نفسية/ عقلية ابن تيمية؛ ليكون في "وضع غير طبيعي"، أنتج ـ بسببه ـ فتاوى "غير طبيعية"، لا يجوز أن يكون شيخهم مسؤولا عنها بحال!

وقد رددت على هذا الزعم بأن معرفة ظروف إنتاج النص لا تعفي صاحب النص من أن يكون مسؤولا عن نصه. دراسة هذه الظروف واستحضارها إبان مقاربة النصوص يكون ـ فقط ـ لـ"التفسير"، وليس لـ"التبرير"، أي لتفسير عملية الإنتاج، وليس لتبرير المضمون الذي يُراد به التبرير لصانع هذا المضمون.

فمثلا، عندما يؤكد الفيلسوف الإنكليزي/ توماس هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويبني على ذلك نظريته السياسية، فإن معرفتي بظروف الحرب الأهلية التي دفعته لإنتاج هذه المقولة، لا تعني أن هوبز خرج بريئا من هذا التصوّر الذئبوي للعلاقات الإنسانية. إن معرفة الظروف التي أحاطت بهوبز أواخر القرن السابع عشر، لا تجعلني أفهم أنه ما كان ليقول بهذا التصور؛ لولا أن ظروف عصره ضغطت عليه ليقول به، وإنما ـ فقط ـ تجعلني أفهم لماذا توصل إلى هذه النتيجة التي يتحمّل هو ـ وهو بالذات/ بالدرجة الأولى ـ مسؤوليتها كاملة؛ ما دام لم يعتذر عنها، أو ينقضها تحديدا وتعيينا، على نحو صريح.

لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب

ولعل من أشهر "حِيَل الدفاع" عن ابن تيمية ـ وهي دائما حيل سلفية ساذجة جدا ـ قول التيمويّين إن "شيخ إسلامهم" ليس وحيدا في إصدار فتاوى التبديع والتضليل والتكفير والإقصاء والقتل...إلخ، بل مثله كثير من مشاهير فقهاء الإسلام على امتداد التاريخ. وبالتالي ـ وفيما يزعمون ـ لا معنى للهجوم على ابن تيمية وحده إلا كون منتقديه لا يقصدون أقواله/ تراثه الفكري، وإنما يقصدون شخصه؛ لأن الهجوم النقدي بات يتوجّه له تحديدا، إما على سبيل التركيز (التركيز عليه أكثر من غيره)، وإما على سبيل التحديد (إفراده بالهجوم دون غيره).

وهذه الحيلة الدفاعية متهافتة من وجوه:

1 ـ نحن نسأل بدورنا: لماذا شخصه دون غيره؟ يعني إذا كنا نقصد ـ افتراضا ـ شخصه؛ فلماذا قصدناه دون غيره ؟، وهل صاحب الفكر/ التراث يبقى منه غير فكره/ تراثه لتكون تهمة الشخصنة ممكنة؟ ثم إذا كان من الممكن في حال الخصم الفكري المعاصر أن يختلط الشخصي بالموضوعي؛ لأن ثمة إمكان للاحتكاك/ للصراع الشخصي؛ فكيف يمكن ذلك في حال مَن مات منذ قرون؟!

مثلا، أنا انتقدت الشيخ السلفي الكبير/ الحويني، وهو شيخ معاصر، ولهذا يقع احتمال اختلاط الشخصي بالموضوعي (مع أن المُتّهِم لا بد أن يأتي بدليل على هذا حدوث هذا الاختلاط من الواقع)، إذ يمكن أن أكون تخاصمت معه ذات لقاء، أو بلغه قولٌ عني فيه أو بلغني قول عنه فيّ، أو وقعت بيني وبينه خصومة على قطعة أرض، أو نزاع على وظيفة مرموقة، أو حتى وقع بيني وبينه تحاسد وتنافر...إلخ صور التماس الشخصي. لكن كيف يكون الموقف شخصيا من ابن تيمية؛ بينما هناك سبعة قرون كاملة تفصل بيني وبينه، ابن تيمية الشخص تلاشى في فضاء الدهر عَدَما، ابن تيمية الموجود معي الآن، الذي أتعامل معه اليوم نقدا وتفنيدا هو مجرد أقوال/ تراث قولي. وكذلك هو حال جميع منتقديه من المعاصرين الذين لا مجال لشخصنة الخصومة معه بحال.

2 ـ كون غيره شاركه في مثل هذه الفتاوى الإقصائية الإرهابية لا يعني أن هذه المشاركة ستخرجه من قفص الاتهام بريئا. فباختصار: الجريمة لا تبرر الجريمة، أقصد: جريمة فكر ما، لا تُبَرِّرُها جريمة فكر آخر.

 3 ـ أن مشاركة الآخرين/ فقهاء ودعاة في فتاوى الإقصاء والعنف تبقى مشاركة محدودة نسبيا، أي هي ليست ـ في هذا المنحى ـ بذات الكم، ولا بذات الدرجة من العنف، ولا بهذا المستوى من التأكيد المتواصل، الذي يجعل قارئه الغارق في دهاليزه تراثه يخرج بـ"روح إقصائية ذات طابع عنفي"؛ حتى وإن لم يستحضر تفاصيل النصوص/ الفتاوى وأدلتها وحجاجها في التراث التيموي.

4 ـ أنه الأكثر قدرة على مُوَاشَجة آرائه/ فتاويه بالنصوص المقدسة الأولى. ما يعني أنه الأقدر على إيهام العقل العامي بشرعية استنباطاته الخاصة التي تصبح ـ من خلال تعالقها بالدّوال النّصية ـ وكأنها هي أحكام الشريعة على سبيل التطابق التام. وهذا يجري بفعل اختلاط/ امتزاج الوجداني بالفكري، فعلاقة العامي بالنص هي علاقة وجدانية/ ما قبل فكرية، والضرب على وتر النص، والمخاتلة والمراوغة به من خلال التجاوز المكاني في الكتابي والتجاور الصوتي في المقول، هو توظيف لهذا البعد العاطفي بغية الوصول إلى ما وراءه: القناعة بالأفكار بوصفها بلاغ النص/ صوت النص/ صائت النص الصامت!

5 ـ أنه يختلف عن غيره من الإقصائيين بكونه ذا خطاب موسوعي، ورائج في الوقت ذاته، ومن ثَمَّ، فهو الأشد خطر ـ بما لا يقاس ـ من غيره. وهنا، من الطبيعي أن يتوجّه النقد إلى الأخطر، ومن الطبيعي أن يحاول مكافحو أفكار التعصب والإقصاء والإرهاب إقفال أكبر منافذ هذا الفكر، لا لأنه المنفذ الوحيد، وإنما لأنه المنفذ الأكبر والأخطر، المنفذ الذي ثبت أن الأغلبية الساحقة من معتنقي الفكر الإرهابي الإسلاموي المعاصر مرّوا من خلاله؛ ابتداء وانتهاء.

ومن "الحيل الدفاعية" عن ابن تيمية/ عن التراث التيموي هي تلك الحيلة التي تتعمّد أن تعترف وتنكر في آن، أقصد: محاولة صرف النظر عن تفاصيل فتاويه المشحونة بـ"يستتاب فإن تاب وإلا قتل" وغيرها من عبارات التكفير والإقصاء والعنف، إلى البحث عن منهج مباطن في التكفير، يختلف ـ في مستوى تسامحه واتساع أفقه ـ عن هذه التطبيقات الصريحة الصادمة بعنفها وانغلاقها. ومختصر قولهم في هذه الحيلة الزعم بأن له منهجا متسامحا في التكفير، وهذا المنهج يمكن أن يُسْتَنبط من تنظيراته الكثيرة في هذا المجال، ثم يؤكدون أن العبرة بهذا التنظير، لا بتطبيقات الفتاوى التي سيعيدون تكرار معزوفة أنها ظرفية عابرة، وأن العبرة بالمنهج العام!

وطبعا، هذا ليس إلا دفاعا متهافتا أشد ما يكون التهافت، إذ لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب. كل التكفيريين يقولون: لا نكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وكل السلفيين التقليديين يقولون عن أنفسهم: "نحن أرحم الخلق بالخلق". نعم، إنها يقولونها بكل ثقة، وعندما تحاكمهم إلى أفعالهم في قتل الأبرياء، يجيبونك بأن هؤلاء ليسوا أبرياء، وأن الله هو الذي أمر بقتلهم، وبما أن الله أرحم الراحمين، وهم قد نفذوا حكم الله فيهم، ففعلهم هذا من الرحمة بضحاياهم، وقد يتمادون في التبرير فيزعمون أنهم لو تركوا هؤلاء أحياء؛ لارتكبوا مزيدا من المعاصي والآثام بقية حياتهم، ومن ثم، فقتلهم جعل حساب آثامهم يتوقف، وهذا من الرحمة...إلخ التبريرات التنظيرية التي تحاول تغطية بشاعة التطبيق الإرهابي.

من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية

إن التنظير الذي يطرحه كل التقليديين في هذه المسائل كمنهج أو كمقدمات نظرية عامة، إنما هو أشبه ما يكون بالدستور العام العائم الذي يجري اختراقه بالتعليمات التفصيلية (التي هي هنا الفتاوى التطبيقية)، فدستور العراق أيام حكم صدام حسين لم يكن ينص على جواز القتل الجماعي ولا على التعذيب داخل المعتقلات...إلخ البشاعات، بل كان الدستور يكفل الحقوق ويُجرّم كل هذه الانتهاكات. هذا يحدث في تنظير/ الدستور والإعلام؛ بينما كانت الأوامر المنهجية، والتعاميم التفصيلية، تُبيح كل ذلك، بل وتُلزم به، وتُكافئ عليه. وطبعا، يستطيع المنظرون ردم الهوة التي تفصل بين نصوص الدستور والنصوص التفصيلية التطبيقية التي تأخذ طريقها إلى التنفيذ، بينما تبقى نصوص الدستور نصوصا للتبرير ولطمأنة الضمير، وللظهور للعالم بوجه إنساني لائق.

وأيضا، من الحيل الدفاعية التي تتكرر كثيرا، الزعم بأن مقولاته التكفيرية والإقصائية إلى درجة العنف الإرهابي هي مجرد فتاوى، والفتاوى "مُعْلِمة وليست مُلْزمة"، فابن تيمية ـ كما يزعم المدافعون ـ لم يجبر أحدا على الأخذ بفتواه، ولا هو يملك القوة لتطبيقها في الواقع. ولا شك أنني أمام مثل هذا "الاستهبال" في الدفاع (الذي يدل على اعتراف ضمني بكون مقولاته/ فتاويه تؤسس للإرهاب) لا أملك إلا طرح سؤال بسيط ساذج: هل هناك فقيه/ شيخ يَزعم ـ أو يُزعَم له ـ أنه يستطيع إلزام الآخرين بما يقول؟! أليس الفقيه/ الشيخ يفتي/ يقول رأيا بوصفه هو رأي الدين، ثم يقوم المُقلّد بالتنفيذ؟! بل أليست كل الآراء والأفكار الإجرامية والعنصرية التي أسست لقهر وسحق الإنسان على مر العصور، صدرت عن أناس لا يملكون حق الإجبار ابتداء؟! أليس التنفيذيون الكبار مجرد مستلهمين لمقولات مفكرين كبار اعتقدوا أن أفكارهم هي عين الصواب؛ فبادروا إلى تنفيذها حتى ولو خسروا أرواحهم في سبيل ذلك؟!

أخيرا، من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية. فهؤلاء كثيرا ما يستحضرون نضال ابن تيمية ضد هجمات التتار، وينتشون باستعادة وقائع جرأته في هذا المجال (طبعا، مع مبالغات لا تخفى)؛ ليؤكدوا صدقه الذاتي ونزاهته، ومن ثَمَّ صواب أفكاره باعتبارها صادرة عن إنسان مخلص لقضاياه التي ينافح عنها.

هنا خلط بين العاطفي والموضوعي لا يقع فيه من يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بشروط المعرفة. صحيح أن النضال والإخلاص للمبدأ/ الفكرة يثير الإعجاب؛ بقدر ما يُعدي حماسيا. وهذا بُعد عاطفي لا ضير منه، ولكن كان من المفروض ـ في سياق المقاربة العلمية ـ أن يتوقف هذا الإعجاب عند "ابن تيمية الإنسان"، ولا يتعداه إلى "ابن تيمية الأفكار". إذ لو كانت الشجاعة أو النضالية أو التضحية في سبيل الأفكار هي ما تمنح الأفكار قداسة/ صوابا في النظر العلمي أو في القصد الديني؛ لكان الخوارج الذين بذلوا أرواحهم رخيصة لمبادئهم هم أصوب الناس أفكارا وأصدقهم دينا.